من ساعه ما اتجوزت وانا نفسى البس فستان جديد كنت انزل اشترى الطلبات واعدى على الفاترينات واتفرج من بره على الفساتين والهدوم الحلوه وكنت اتمنى بس اقيسها لكن دايما بقول حرام البيت والاولاد اولى بالفلوس دى كنت اروح عند اختى زيارات وافرح اوى لما تدينى لبس قديم من عندها ولما بابا يدينى فلوس يساعدنى بيها ويحلفنى اشترى لنفسى حاجه نفسى فيها رغم إن المبلغ بسيط لكن بيكون اسعد يوم فى حياتى وبروح اشترى لبس مستعمل أى حاجة افرح نفسى بيها وافرح اولادى جوزى رغم إنه اترقى وبقى موظف كبير لكن كل لما اسئله امته المرتب يزيد عشان احيب ليه وللاولاد اللى نفسنا فيه يقولى مانتوا عايشين بتاكلوا وتشربوا انتى ليه مش ست اصيله تستحمل جوزها على الرغم انى بقابى معاه ٦ سنين على المره بس ، وعمري ما فتحت بوقي ولا اشتكيت. ست سنين وأنا بداري وبداري، وبقول بكرة تفرج، بكرة ربنا يكرمه ويعوضنا عن كل لحظة حرمنا فيها نفسنا من أقل حاجة. لما عرفت إنه اترقى وبقى موظف كبير، فرحت فرحة لا توصف، قولت خلاص، أيام الكحرتة والفرجة من ورا الإزاز خلصت! قولت أخيراً هيدخل عليا بشنطة هدوم جديدة ليا وللعيال، أو على الأقل هيقولي “خدي يا بنت الناس هاتي اللي نفسك فيه”. لكن الصدمة كانت لما لقيت كل حاجة زي ما هي، مفيش حاجة اتغيرت غير مركزه وبرستيجه قدام الناس، أما احنا؟ لينا “العيشة واللقمة” وبس، كأننا دايت في ساقية ملناش حق غير في الأكل والشرب. كلمة “مش ست أصيلة” دي بتدبحني من جوايا.. بتخليني أسأل نفسي: هو الأصيل لازم يتلغى؟ لازم ينسى إنه إنسان وعنده نفس بتشتهي؟ أنا مش طالبة دهب ولا طالبة خروج في حتت غالية، أنا كل حلمي فستان.. فستان جديد بالورقة بتاعته، أكون أول واحدة تلبسه، ميكونش داب على كتف حد قبلي. المشكلة إني لما بشوف نظرة الفرحة في عين عيالي بـ حتة لبس مستعملة جايباها بفلوس أبويا، قلبي بيتقطع مرتين.. مرة عشان هما مش حاسين بالفرق وفرحانين بأقل حاجة، ومرة عشان أبوهم قادر يخليهم يلبسوا أحسن لبس لكنه مستخسر. بقيت أحس وأنا ماشية في الشارع وببص على الفاترينات إن بيني وبين الدنيا دي حيطة سد. ببتسم للناس وأنا من جوايا مكسورة، وبسأل نفسي: هو أنا هفضل طول عمري عايشة على فواضل غيري؟ وهل جزاء الصبر والتحمل إن يتقال عليا طماعة ومش أصيلة لمجرد إني حلمت بحق من حقوقي؟ وفي يوم، الدنيا لفت وخلتني أشوف اللي عمري ما كنت أتخيله ولا يخطر على بالي.. كان يوم عادي، نزل الشغل الصبح مستعجل من غير ما ياخد باله إنه نسي موبايله على الشاحن في الصالة. أنا متعودة عمري ما بمد إيدي على حاجته ولا بفتش وراه، مش خوف، بس ثقة وأصول اتربيت عليها. لكن فجأة الموبايل نور وورا بعضه رن صوت رسالة.. والتانية.. والتالتة. روحت أشيله من على الشاحن عشان أحطه على الترابيزة، عيني جت بالصدفة على الشاشة.. لقيت رسالة من البنك. قريت الرقم مرة واتنين، ومبقتش مصدقة عيني! تم خصم مبلغ وقدره.. مبلغ كبير جداً، يساوي مرتبه بتاع زمان كله في شهر! في اللحظة دي، جالي فضول غريب، فضول مخلوط برعب وهبّة نار في قلبي. صباعي اتهز وهو بيفتح بقية رسايل البنك.. وهنا كانت الصدمة اللي شلت حركتي. الرسايل كلها كانت عبارة عن كشف حساب لمشتريات ورا بعضها في الـ ٣ شهور اللي فاتوا. مشتريات حريمي من محلات براندات غالية في مولات كبيرة.. فساتين، وشنط، وجزم بآلاف الجنيهات! الحاجات اللي كنت بقف قدام فاتريناتها أتحسر وبقول “البيت أولى”، كان بيدفع تمنها بجرّة قلم ومن غير ما يرمش. وفجأة عيني وقعت على رسالة تانية.. خصم مبلغ خيالي من محل عطور مستوردة.. تمن زجاجة برفان حريمي واحدة يساوي بالظبط مصروف البيت اللي بيمشيني بيه أنا والعيال طول الشهر! الشهر اللي بفضل ألف فيه حوالين نفسي عشان أكفي الأكل والشرب وأقول “الحمد لله مستورة”. دموعي نزلت مغرقة الشاشة، والموبايل كان هيقع من إيدي. بقيت واقفة في نص الصالة بلف حوالين نفسي ومش قادرة أتنفس.. الدنيا اسودت في عيني وكنت سامعة دقات قلبي في وداني زي الطبل. يعني الفلوس موجودة؟ والخير كتير؟ بس مش لينا.. مش للست الأصيلة اللي سدت معاه في الأيام المرة! البرفان اللي بتمن لقمة عيالنا رايح لمين؟ والهدوم الغالية اللي عمري ما حلمت أقيسها بتلبسها مين؟ الفكرة دي كانت زي السكينة اللي اتغرست في ضهري وفتفتت قلبي حتت. قعدت على الأرض في نص الصالة، والموبايل لسه في إيدي منور، والرسايل بتجري قدام عيني زي كابوس مرعب مش عارفة أفوق منه. بقيت أبص لحوائط الشقة، للكنبة القديمة اللي قماشها داب، للسجاد اللي بقاله سنين متبهدل وبقول معلش بكرة يغيره، وأفتكر كلمته: “انتي ليه مش ست أصيلة؟” قعدت على الأرض والدموع مالية عيني، والرسايل بتجري قدام عيني زي كابوس مش قادرة أفوق منه. الصوت كان مكتوم في زوري، ونار بتاكل في قلبي أكل. الموبايل في إيدي منور، وكل رسالة بتنزل عليه كانت زي السكينة اللي بتغرس أكتر في ضهري. ألف سؤال وسؤال كان بيلف في دماغي: لمين كل ده؟ مين دي اللي بتلبس الفساتين اللي بالآلاف وتتعطر ببرفان بتمن مصروف بيتنا اللي بأعافر فيه طول الشهر؟ وفجأة، الموبايل رن في إيدي! اسم “أبو العيال” تنح على الشاشة. مسحت دموعي بسرعة وحاولت أجمع أشتات نفسي، خدت نفس طويل ورديت بصوت مرعوش: “ألو؟”. جاني صوته من الناحية التانية حاد ومستعجل كعادته: “أنا نسيت الموبايل على الشاحن، جيبيه معاكي ونزلي العيال على السلم عشان طالع أخد الموبايل وماشي بسرعة، عندي اجتماع مهم.” قفلت معاه وقومت بالعافية، رجليا مش شايلاني. بصيت في المراية لقيت وشي أصفر زي الليمونة وعيني أحمرت من الدمع. مسحت وشي بسرعة، وحطيت الموبايل في جيب جلابيتي القديمة اللي خلاص ألوانها بهتت ودابت، وطلعت الشنطة الصغيرة اللي فيها كيس الخضار اللي كنت متفقة أعمله للعيال. وصل وبصلي بنظرة سريعة فيها استعلاء وقالي: “هاتي الموبايل بسرعة”. خلع الموبايل من إيدي وفتحه، وعينه جت على الرسايل اللي نزل فيها الإشعار. في اللحظة دي، شفت لمعة ارتباك وخوف في عينه لأول مرة من ٦ سنين! وشه اتغير ولونه خطف، بصلي بسرعة وقالي بصوت متوتر بيحاول يداريه بالقسوة: “أنتي فتحتي الموبايل؟ قريتي الرسايل دي؟” وقفت قصاده، ولأول مرة في حياتي ما أكونش الخايفة. بصيت في عينه بثبات وغصة في حلقي وقولتله: “الموبايل نور بالرسايل، وعيني جت بالصدفة.. البرفان اللي بتمن أكل عيالك طول الشهر رايح لمين يا ابن الناس؟ والهدوم اللي بآلاف الجنيهات بتلبسها مين وأنا وعيالك عايشين على فواضل غيرنا وفي الهدوم المستعملة؟” اتحول وشي لكتلة من الغضب، وحاول يقلب الطاولة عليا كعادته، هجم عليا بصوته العالي وقالي: “أنتي بتتجسسي عليا؟ أنتي بتبصي في حلالي وحرامي؟ الفلوس دي شغل تجارة وبزنس بيني وبين زمايلي في الشركة! ومشتريات ومصاريف شغل تخص المحلات اللي بنتعامل معاها! أنتي فاهمة إيه في البزنس والشركات؟ أنتي آخرك المطبخ والأكل والشرب، جاية تتكلمي في مصاريف شغل؟” قلبي كان بيتقطع، وقولتله بصوت أبحّ لكنه زلزل الشقة: “مصاريف شغل من محلات فساتين حريمي وبراندات؟ هو الشغل بيحتاج برفان حريمي بتمن قوت عيالك؟ أنت استخسرت فيا فستان جديد بالورقة بتاعته عشان تروح تدفع الآلاف بره؟ وتقولي مش ست أصيلة؟ أنا الأصيلة اللي شالتك على المر، وأنت اللي لما ربنا كرمك رميتنا في الساقية ووريتنا وشك التاني!” رد بعنجهية وقسوة وهز كتفه قايل: “أنا الراجل وأنا اللي بأشقى وبجيب اللقمة، والفلوس دي فلوسي وأنا أتصرف فيها زي ما أنا عاوز! أنتي ليكي الأكل والشرب والستر، كتر خيرك إنك عايشة ومستورة، ومفيش كلمة زيادة هتنقال في الموضوع ده! ولو مش عاجبك العيشة، الباب يفوت جمل!” سابني ونزل وربخ الباب وراه بكل قسوة، ساب الصدى يرن في الشقة. نزلت على الكنبة وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتطربقت فوق دماغي. كلامه كان زي المية الساقعة اللي فوقتني من طيبتي وعبط السنين اللي فاتت. اتأكدت إن الشكوى والنكد مش هيجيبوا حق، وإن السكوت اللي كنت فاكراه “أصل” كان في نظره ضعف وغباء. مسحت دموعي بإيدي، وبصيت لصورة عيالي على الحيطة. قولت لنفسي: خلاص.. زمن الضعف والكسرة خلاص انتهى. أنا مش هعيش على الفواضل، ومش هسيب حقي وحق عيالي يروح للغريب لمجرد إن اسمي “الست الأصيلة”. بعد ساعتين، العيال رجعوا من المدرسة فرحانين باللبس المستعمل اللي كنت جايباه من فلوس بابا. ابن الصغير مسك إيدي وقالي: “بصي يا بابا جابلي إيه أختي؟ اللبس ده حلو أوي يا أمي!”، الكلمة دي عملت زي شرارة النار جوايا. رفعت التليفون ورنيت على بابا، وقولتله بصوت ثابت ومختلف تماماً عن صوتي الزماني: “يا بابا.. أنا محتاجاك تجيلي حالا، في كلام لازم يتقال وحق لازم يرجع.” في نفس الليلة، قعدت في الصالة ومستنية رجوعه. ما كنتش الست المكسورة بتاعة الصبح، كنت ست تانية خالص، ناسية الخوف وناوية أحط حد لست سنين من القهر.. ولما فتح الباب ودخل، تفاجأ بوجود بابا قاعد مستنيه في الصالة، وعلى الترابيزة محطوطة الورقة اللي كتبتها بإيدي وفيها كل حسابات الرسايل بالتاريخ واللحظة! “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”