ابني قالي: «مفيش مكان ليكي1

وصلت إلى محطة مصر، وركبت قطار المنصورة. كان صوت عجلات القطار وهي تطأ الحديد كأنه يناجي ضربات قلبها المتسارعة. في طريق العودة إلى المدينة التي شهدت أجمل أيام عمرها مع زوجها الراحل حسن، ظلت سعاد تفكر في اللغز الأكبر: المليون و600 ألف جنيه.

وصلت سعاد إلى شقة أختها القديمة في المنصورة مع بزوغ الفجر. كانت الشقة مغبرة برائحة الذكريات، لكنها كانت تفوح بالأمان الذي حرمت منه لسنوات. أضاءت النور، وضعت شنطتها على الكنبة القديمة، وقررت ألا تنتظر. اتصلت صباحاً بالمحامي الأستاذ عبد العزيز، صديق عمر زوجها حسن والرجُل الذي طالما وثقت في أمانته.

حضر الأستاذ عبد العزيز بسرعة بعد أن سمع نبرة الصوت المرتجفة لسعاد. جلس على الكرسي المقابل لها، واستمع إلى القصة كاملة؛ من موقف السيارة والإهانة أمام الأحفاد، إلى الملف المزور لدار الرعاية، والورقة الخبيثة بخط كريم ونيرمين.

قال الأستاذ عبد العزيز وهو يضع نظارته على الطاولة بغضب مكتوم:

— “يا أم كريم، اللي بتكملي فيه ده مش مجرد جفاء أبناء، دي مؤامرة مكتملة الأركان. بس خادعك في المليون و600 ألف دي بالذات محتاج نفهمه، إنتِ سلمتيه الفلوس إزاي؟”

ردت سعاد بنبرة كسيرة:

— “تحويل بنكي يا أستاذ عبد العزيز، قال لي إنه هيحطها مقدم لشقة التجمع عشان الشقة تتكتب باسمي وباسمه ويكون لي فيها أمان، وبصراحة أنا ما شفتش عقد الشقة من ساعتها، كان كل ما أفتحه في الموضوع يقول لي الورق في البنك يا ماما والموضوع بيخلص.”

قام الأستاذ عبد العزيز بطلب بعض الاستعلامات الرسمية من خلال معارفه في الشهر العقاري والبنك المركزي، وحين جاءته الإجابات بعد يومين كاملين، كانت الصدمة أشد ضراوة من كل ما مرت به سعاد.

جلس المحامي أمام سعاد وهو يحمل ملفاً أسود، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل حسرة كبيرة:

— “يا سعاد هانم، المليون و600 ألف جنيه أتعمل بيهم حاجة ثانية خالص غير اللي كريم قالك عليه. كريم مدفعهمش في شقة التجمع.”

تسمرت سعاد في مكانها وقالت:

— “يعني إيه؟ أومال جاب شقة التجمع إزاي؟”

— “شقة التجمع متأجرة إيجار جديد بأرقام خيالية! الفلوس بتاعتك دخلت في حساب نيرمين الشخصي، ونيرمين اشترت بيها أرض في إحدى المدن الجديدة باسم والدها هي! والأدهى من كده، كريم كان واخد قروض بضمان تحويلاتك، والفلوس دي اتسحبت بالكامل لحسابات شركة وهمية مسجلة باسم أخو نيرمين!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *