حكايات روماني 1
* “اوعي تقربي من العصير ده يا منال، الحاجات دي للحوامل مش للي قاعدين حيطة سد.”
كانت تسكت، وتلف ضهرها وتمشي، وأول ما تدينا ضهرها، كانت الشتايم والتلقيح يشتغلوا وراها زي المطر عشان نكسر أي حتة كبرياء فاضلة جواها. مكنتش بتمشي وتروح لأهلها لأنها عارفة إن ملهاش حد يقبلها، كانت بتخاف تطلع برا عتبة البيت، فكانت بتختار السجن بتاعنا وتحتمل الضرب والإهانة والزل على إنها تترمي في الشارع.
أكتر منظر مش قادرة أنساه، لما كانت تطلع من وسطنا مكسورة وتنزل شقتها، كنا نقعد نضحك بأعلى صوت عندنا عشان نسمعها إننا مبسوطين من غيرها. وكنت أرفع عيني بالصدفة، أشوفها واقفة ورا الشباك الأزرق القديم بتاع أوضتها، بتبص علينا وعينيها مكسورة، وجع الدنيا كله كان متلخص في النظرة دي. وأول ما المح عينيها وهي شيفانا بنضحك، كانت تقفل الشباك بسرعة وبخوف، كأنها بتداري وجعها مننا.
أنا كنت فاكرة نفسي شاطرة، فاكرة إني لما أقف مع حماتي وأخوات جوزي وأدير معاهم الساقية دي، إني بكسب مكانتي في البيت وبأمن نفسي، مكنتش فاهمة إني بخسر إدميتي، وإني بدفن إنسانيتي بإديا عشان أرضي ناس مبترحمش.
الضرة ولدت وجابت ولد، والبيت اتقلب فرح وزغاريط، ومنال كانت زي النسمة المكتومة وسط الهيصة دي. لحد ما جه اليوم المشؤوم..
منال وقعت من طولها في وسط الصالة، مكنتش بتتكلم ولا بتشتكي، بس جسمها خلاص رفض يشيل القهر أكتر من كده. شيلناها ورحنا بيها المستشفى، والدكاترة قالوا “تعب مفاجئ وهبوط حاد”، بس الحقيقة إن قلبها هو اللي وقف من كتر الكتمان. عشر أيام كاملين وهي على السرير بين الحيا والموت، وأنا واقفة فوق راسها في الرعاية المركزية، ببص على وشها اللي بقا أبيض زي القطن، مفيش فيه غير علامات الحزن اللي حفرناها بإدينا.
كنت ماسكة إيدها الساقعة وببكي بحرقة، دموع ندم ملهاش قيمة دلوقتي، وبقول ليها بصوت متقطع:
* “سامحيني يا منال.. بالله عليكي تسامحينا.. قومي واعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس سامحيني.”
لكن منال مردتش، عينيها كانت مقفولة، وروحها طلعت للي خلقها، راحت لمكان مفيش فيه حموات ولا سلفات ولا قهر، مكان فيه العدل وبس. ماتت مقهورة مننا كلنا.
من يوم دفنتها، وأنا حياتي اتقلبت جحيم. البيت اللي كنا بنضحك فيه بقا شبه القبر. كل يوم العصر، رجلي بتسحبني لوحدها، بنزل تحت عند باب شقتها المقفول، بقعد على العتبة وببكي زي العيلة الصغيرة، أضرب كف على كف وأقول: “ارجعي يا منال.. ارجعي وخدي حقك مننا.. الله يسامحنا على اللي عملناه فيكي”.