مرتب جوزى امانى السيد
رجليهم بتبكي وبتقوله: “ليه؟”. كنت شايفة نفسي في خيالي وأنا منهارة على الأرض، بترجاه يفهمني أنا قصرت في إيه عشان يرميني الرمية دي، ويصرف دم قلبي على “دلع” واحدة غيري.
لكن فجأة.. مسحت دموعي بكُم البلوزة بقوة.
القهر اللي كنت حاسة بيه بدأ يتحول لنار تانية خالص.. نار “انتقام”. الست اللي كانت راكعة في خيالي دي ماتت، واليأس اللي كان كسرني وأنا شايفة صورهم وهما “عرسان” اتحول لبرود مرعب. قفلت الموبايل وحطيته مكانه بالظبط، ورتبت السرير كأن مفيش حاجة حصلت.
سمعت صوت مفاتيحه في الباب.. رجع يدور على موبايله.
دخل الشقة وهو بينهج، وشه كان مخطوف، أول ما شافني واقفة في الصالة، عينيه راحت بسرعة على الكومودينو.
“نسيت الموبايل يا سحر.. حد اتصل؟” سأل بنبرة فيها توتر بيحاول يداريه.
بصيت له بمنتهى الهدوء، الهدوء اللي بيسبق العاصفة، وقولتله بابتسامة صفرا:
“لا يا حبيبي، مفيش حد اتصل.. بس “وردة” جارتنا كانت لسه منزلة حالة (Status) بتقول فيها إن (العدل قرب يتحقق والورث هيتوزع).. تفتكر تقصد إيه؟”
وشه اتقلب ألوان، والارتباك خلاه مش عارف ينطق. في اللحظة دي عرفت إن اللعب دلوقتي بقى على المكشوف، بس بطريقتي أنا.. مش بطريقته هو ولا “هانم” الغبرة بتاعته.
أخد الموبايل من إيدي بلهفة، وعينيه بتزوغ في ملامحي، كان بيدور على أي شق في جدار الهدوء اللي أنا شيدته فجأة، بس أنا كنت “جبل”.
“بتقول ورث؟” قالها وهو بيحاول يضحك ضحكة مهزوزة، “تلاقيها تقصد مشاكلها مع أهل جوزها.. إنتي عارفة القضايا بتاخد وقت. أنا نازل أشوفها لو محتاجة حاجة، أصلها كانت مكلماني في موضوع قانوني.”
نزل وساب ريحة “شياط” كدبه بتملى المكان. أول ما الباب اتقفل، مكنتش “سحر” الضعيفة اللي بتبكي، كنت واحدة تانية خالص، واحدة “نارها” بردت وبقت صلبة زي الحديد.
الخطة بدأت تتكتب في دماغي بدموع القهر:
قعدت على الأرض، نفس المكان اللي شفت فيه الفيديوهات، وفتحت اللاب توب بتاعي. أنا اللي كنت بساعده في “شغل الحسابات” بتاعه، وعارفة الرقم السري بتاع حساب الشركة اللي بيتعامل معاها “فري لانس” من ورايا. دخلت ولقيت الصدمة اللي مكنتش عاملة حسابها.. هو مش بس بيقبض 10 آلاف، ده فيه مبالغ تانية بتدخل من مشاريع تانية، يعني مجموع دخله يتعدى الـ 20 ألف!
“20 ألف يا محمود؟” همست لنفسي بمرارة، “وأنا بلف على العروض عشان أوفر 5 جنيه في كيس المكرونة؟”
فتحت “الأجندة” وبدأت أسجل:
النقطة الأولى: هو مستني ورثها.. يعني هو “طمعان” ومفكر إنها الكنز اللي هيخرجه من عيشة الشقاء (اللي أنا فيها).
النقطة الثانية: هي عايشة دور “البرنسيسة” بفلوسي، ومفهماه إنها “ست بيت” ومستنية العدل.
قمت وقفت قدام المراية، بصيت لإيدي الخشنة ووشي الشاحب، وقلت: “لو هي برنسيسة بفلوسي، فـ أنا الملكة اللي هتهد المعبد على دماغكم.”
تاني يوم، مروحتش الشغل. رحت للمحامي “أستاذ رأفت”، صديق والدي الله يرحمه. حكيت له كل حاجة، ووريتله صور التحويلات وصور الموبايل اللي قدرت أبعتها لنفسي في لحظة غفلته.
“يا بنتي ده غدر ومحايلة، والشقة دي نصها من حقك قانوناً لأنك شاركتي في تمنها بشهود وإثباتات تحويل من مرتبك” قالها أستاذ رأفت وهو بيعدل نضارته.
قلتله ببرود مرعب: “مش عايزة الشقة بس يا أستاذ رأفت.. أنا عايزة (الورث) اللي هو مستنيه.. عايزة أعرف حقيقته.”
وبالفعل، بعد يومين، جالي الرد الصاعق.. “وردة” الأرملة، مش بس معندهاش ورث، دي “مديونة” لـ طوب الأرض، وأهل جوزها بايعين نصيبهم في البيت اللي هي قاعدة فيه، ومطلوب منها مبلغ خيالي عشان متترميش في الشارع!
ضحكت.. ضحكت لحد ما جالي نهجان. “يعني هو بيصرف عليها عشان تخلص ورثها، وهي بتسحب منه عشان تسدد ديونها؟ الاثنين بينصبوا على بعض بفلوس “الشغالة” اللي هي أنا!”
رجعت البيت، لقيت محمود داخل بشنطة فيها “فاكهة غالية” وحلويات، وشايل موبايله كأنه شايل عيله.
“منور يا أبو الكرم.. جايب الحلويات دي لـ مين؟ للبرنسيسة اللي إيدها مابتلمسش التراب؟”
بص لي بزهق: “تاني يا سحر؟ قولتلك دي صدقة، فكيها بقى وبطلي نكد.”
قربت منه، وحطيت إيدي في جيبي وطلعت “ظرف” أصفر كبير، ورميته تحت رجله:
“الصدقة دي يا محمود تطلعها لما تكون من مالك، مش من شقى واحدة ضهرها اتكسر عشانك.. الظرف ده فيه (الحقيقة) بتاعة ورث وردة.. مبروك عليك (ديونها) يا عريس، ومبروك عليا (حريتي) بفلوسي اللي سحبتها من الحساب المشترك النهاردة الصبح!”
محمود وطى يفتح الظرف وهو بيترعش، وكل ما يقرأ سطر، وشه يقلب ألوان.. من الأصفر للأزرق لحد ما بقى زي الورق المحروق. عينيه كانت بتتنقل بين الأرقام وبين الصور اللي بتثبت إن “وردة” عليها قضايا طرد ووصلات أمانة تودي ورا الشمس.
“إيه ده؟” صرخ وهو بيبص لي بجنون، “إيه اللي إنتي جايباه ده؟ إنتي أكيد مزورة الورق ده عشان تبعديني عنها! وردة قالت لي إن الورث بملايين، إنها هتعوضني عن سنين الفقر اللي عشتها معاكي!”
ضحكت بمرارة، ضحكة هزت حيطان الصالة:
“سنين فقر؟ الفقر اللي إنت كنت بتمثله عليا وأنا بصدقك؟ الفقر اللي خلاني ألبس هدوم بالية عشان إنت تلبس نضيف وتروح تقابلها في “ستيك هاوس”؟ محمود.. إنت كنت عايش في وهم، وهي كانت بتصطاد (مغفل) يدفعلها مصاريف المحامين ويسدد ديونها لحد ما تلاقي حد أغنى منك تهرب معاه.. وإنت كنت “المغفل” المثالي.”
رمى الورق على الأرض وهجم عليا، مسكني من دراعي بقوة وهو بيجز على سنانه:
“الفلوس فين يا سحر؟ الـ 50 ألف اللي كانوا في الحساب المشترك راحوا فين؟ انطقي!”
بصيت في عينيه بمنتهى التحدي ومسحت إيده من على دراعي بقرف:
“الفلوس في مكان آمن، في حسابي اللي ملمحتوش ولا هتعرف طريقه. دي فلوسي، تعويض عن كل ساعة شغل زيادة، عن كل مشوار مشيته على رجلي عشان أوفر تمن المواصلات.. دي تمن (عمري) اللي بعته لك برخيص.”
طلع موبايله زي المجنون وبدأ يتصل بـ “وردة”، كان بيزعق في التليفون: “ردي يا وردة! قولي لي إن الكلام ده كدب! قولي لي إنك مش مديونة!”
طبعاً مردتش، لأنها ببساطة شافت “السبوبة” بتخلص أول ما عرفت إن الحساب اتصفر