صعيدي من أكسفورد حصري ل مايا خالد2

المصعد كان هادي لدرجة تخليك تسمع دقات قلبك. واقف هيبته تسبقه، طول بعرض، ولابس جلابية صعيدي سودة من أفخم أنواع القماش، تفصيلتها مبينة عرض كتافه وقوته. “يونس الهواري”… راجل ملامحه حادة زي السيف، وعيونه كحلية بنظرة صقر تخلي اللي قدامه يبص في الأرض هيبة وخوف.
​وهو واقف مستني المصعد يوصل للدور الأخير في الفندق الفخم وسط القاهرة، الباب كان خلاص بيقفل… لحد ما إيد ناعمة منعت الباب فجأة.
​دخلت هي… “نور”.
​الإعصار الصغير
​دخلت الأسانسير وهي بتنهج، شعرها الغجري متبعثر بشكل فوضوي، ولابسة فستان جينز قصير وكأنها كانت بتجري من مصيبة. ملامحها كانت رقيقة بس “مجنونة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. دخلت ووقفت في أبعد زاوية في الأسانسير وهي بتلتفت وراها بخوف، وبعدين بصتله من تحت لفوق بنظرة سريعة.
​شافت الجلابية، الدقن الخفيفة، والملامح الرجولية الحادة. في ثانية، حكمت عليه بمظهره التقليدي إنه “راجل صعيدي بسيط مش هيفهم لغتها”.
​طلعت موبايلها بسرعة وفتحت فيديو كول مع صحابها، وبدأت تتكلم بسرعة وبتوتر باللغة الإنجليزية:
​”Oh my god, girls! You won’t believe how I escaped from that stupid party! I’m in the elevator right now…”
(يا إلهي يا بنات! لن تصدقن كيف هربت من تلك الحفلة الغبية! أنا في المصعد الآن…)
​بصت لـ يونس بطرف عينها، وقربت الموبايل من بوقها وهمست بالإنجليزية وهي واثقة تماماً إنه مش فاهم ولا كلمة:
​”I think there’s a traditional Sa’idi guy here… He’s wearing that long Galabeya. Don’t worry, he doesn’t understand a single word of English. He probably thinks I’m speaking in Chinese!”
(أظن أن هناك رجلاً صعيدياً تقليدياً هنا… إنه يرتدي ذلك الجلباب الطويل. لا تقلقن، هو لا يفهم كلمة واحدة من الإنجليزية. ربما يظنني أتحدث الصينية!)
​اللعب مع الصقر
​يونس ملامحه متهزتش شعرة. كان باصص لوشوشة الأرقام بتاعة الأسانسير وهي بتنور فوق الباب. بس جواه، كان فيه ابتسامة سخرية وغضب مكتوم من استهزائها بيه وبأصله.
​بهدوء مميت، يونس لف جسمه بالكامل ناحيتها. خطوة واحدة منه خلت المساحة بينهم تتلاشى. نور لقت نفسها محاصرة بين جدار الأسانسير البارد وجسمه حكايات مايا خالد الرياضي الضخم اللي بيشع حرارة وهيبة.
​نور بلعت ريقها وصحابها على الموبايل سكتوا لما شافوا الكادر بيتحرك وظهر فيه يونس وهو بيقرب وعيونه بتلمع بحدة.
​يونس بصلها بعيونه الكحلية، ومال عليها شوية لحد ما أنفاسه لفتت وشها، وقال بلكنة إنجليزية بريطانية مثالية، وصوت رجولي واطي فيه بحة تخطف الأنفاس:
​”First of all, sweetheart… it’s called a ‘Galabeya’. Second, this ‘traditional Sa’idi’ has a master’s degree from Oxford. So yes… I understand every single word your pretty mouth just said.”
(أولاً يا حلوة… اسمه “جلباب”. ثانياً، هذا “الصعيدي التقليدي” يحمل شهادة الماجستير من جامعة أكسفورد. لذا نعم… أنا أفهم كل كلمة نطق بها فمكِ الجميل للتو.)
​نور اتسمرت مكانها، عيونها اتسعت من الصدمة والموبايل كان هيقع من إيدها، والدم هرب من عروقها.
​يونس مسبش الصدمة تفوق منها، كمل كلامه وضغط على حروفه بلكنة صعيدية تقيلة ومرعبة هزت كيانها:
​”وعاد رجال الصعيد يا بت الناس… مبيحبوش حد يقلل من جدرهم واصل. نزلتِك الجاية دي هتبقى معايا، وريني بقى الصعيدي اللي مبيفهمش هيعلمك الأدب كيف؟”
​مد إيده الطويلة وبصابعه القوية قفل مكالمة الفيديو من موبايلها وهو بيبص في عيونها مباشرة، والأسانسير أصدر رنين وصوله للدور المطلوب… والباب اتفتح على بداية حكايتهم السوداء.

الأسناسير أصدر رنين وصوله للدور الأخير… الجناح الملكي الخاص بـ “يونس الهواري”.
​الباب اتفتح ببطء، ونور واقفة مكانها زي التمثال، عيونها بتتحرك برعب بين الممر الفاضي والمظلم وبين الراجل اللي واقف قدامها وسادد بنص كتافه المخرج. ضربات قلبها كانت مسموعة لدرجة إنها خافت يكون سامعها.
​هروب بلا مخرج
​حاولت تستجمع شجاعتها، وبصتله بتحدٍ طفولي وهي بتضم موبايلها لصدرها:
​”لو سمحت… عديني. وإلا هصوت وألمّ عليك أمن الأوتيل كله!”
​يونس ابتسم ابتسامة باردة مفيهاش أي دفا، ومال براسه لورا وهو بيحط إيديه في جيوب جلابيته الواسعة بكل برود:
​”صوّتي… الجناح ده كله محجوز لـ يونس الهواري، والأمن اللي تحت عاد، بيقبضوا مراتبهم من مجالس إدارتي. يعني صوتك ده مش هيعدي عتبة الأسانسير يا قطة.”
​نور بلعت ريقها، لقت نفسها مفيش قدامها غير حل واحد… الهروب الفوضوي.
حاولت تزق كتفه وتجري من تحت دراعه بسرعة، بس في ثانية واحدة، وبحركة سريعة ومتقنة، إيد يونس القوية كانت لفت حوالين وسطها وضمتها ليه. ظهرها لزق في صدره العريض، وحست بأنفاسه السخنة بتلف رقبتها.
​صوت غضبه المكتوم وهيبته الصعيدية رجعت تسيطر على المكان:
​”على فين بالسرعة دي؟ إحنا لساتنا مخلصناش حديتنا، ولا أصل أهل المحروسة ميعرفوش الأصول؟”
​”سيبني! أنت فاكر نفسك مين؟” صرخت بنبرة مهزوزة وهي بتحاول تفك إيده القوية اللي كانت شبه الكلبشات الحديدية حوالين وسطها.
​يونس لفها بهدوء عشان تبقى وشه في وشها، وبإيده التانية مسك دقنها ورفع راسها عشان تبص في عيونه الكحلية اللي كانت بتلمع تحت إضاءة الممر الخافتة:
​”أنا مين؟ أنا الصعيدي اللي كنتِ لساتك بتمسخري عليه مع صحابك. يونس الهواري… والاسم ده لوحده واعر جوي في مصر كلها، مش بس في الصعيد.”
​الليلة المظلمة
​نور دمعة غصب عنها نزلت من عيونها من كتر التوتر والخوف، وبصوت مرتعش قالت:
​”أنا… أنا مكنتش أصدق… أنا بس كنت متوترة… فيه ناس بيجروا ورايا تحت، أرجوك سيبني أمشي…”
​يونس ملامحه اتحولت فجأة من التسلية للجدية والحدة الصارمة. عيونه نزلت لفستانها القصير المتبهدل، ورجع بص لوشها المخطوف:
​”ناس مين اللي بيجروا وراكي؟ وبنت مين أنتِ أصلاً عشان تدخلي أوتيل يونس الهواري بالطريقة دي؟”
​قبل ما تنطق بكلمة، صوت خطوات رجالة كتيرة وسريعة جاي من السلم الجانبي للأوتيل ملى الممر. نور اتنفضت من الخوف ولزقت في حضن يونس تلقائياً وهي بتمسك في قماش جلابيته بقوة:
​”همّ… همّ دول! أرجوك مخلهومش ياخدوني!”
​يونس ملامحه متهزتش. بصلها وبص للممر اللي بدأ يظهر فيه رجالة ببدل سوداء ملامحهم إجرامية. ضغط على وسطها وقربها منه أكتر وكأنه بيعلن حمايته ليها، وبصوت جهوري هز جدران الممر، اتكلم بلهجته الصعيدية الأمرة:
​”اقف عندك أنت وهو! عتبة جناح الهواري خط أحمر… واللي هيخطيها، هيدفن مكانها!”
حكايات مايا خالد
الرجالة اللي ببدل سوداء وقفوا مكانهم فجأة وكأن جملة يونس كانت جدار خرساني سد طريقهم. ملامحهم المريبة وبنيتهم القوية كانت توحي إنهم مش مجرد حراس أمن عاديين، دول رجالة مدربين على الوساخة.
​واحد منهم، كان باين إنه القائد بتاعهم، خطى خطوة لقدام وعينه على نور اللي كانت مستخبية ورا ضهر يونس، ماسكة في قماش جلابيته بإيدين بتترعش وكأنها بتتعلق بقشاية في وسط طوفان.
​الراجل اتكلم بنبرة جافة وفيها تهديد مبطن:
​”يا باشا، البنت دي تخصنا… دي واخدة حاجة مش بتاعتها وهربت من الحفلة اللي تحت. سلمنا البنت بالذوق ومش عايزين مشاكل مع جناب الهواري.”
​حماية الصقر
​يونس ملامحه متهزتش، عيونه اسودت أكتر، وارتسمت على شفايفه نص ابتسامة باردة ومخيفة. رجع خطوة لورا وهو بيسحب نور معاه لداخل حدود جناحه الملكي، وبصوت هادي بس مرعب زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة، قال:
​”تخصكم؟ وعاد من ميتى حريم المحروسة بقوا يتسلموا بالذوق لرجالة غريبة في نص الليل؟”
​نبرة صوته الصعيدية اتحولت لحدة تقطع النفس وهو بيكمل:
​”البنت دخلت حمايتي… وعتبة جناحي دي، اللي يخطاها برجل سارقة، يرجع لبلده من غيرها. فوتونا بالواسطة وغوروا من وشي قبل ما أخلي ليلتكم كحل.”
​قائد الرجالة ملامحه اتشنجت، وإيده راحت تلقائيًا ناحية جيب جاكتته الداخلي عشان يسحب سلا*حه.
​بس يونس كان أسرع بكتير. في ثانية واحدة، يونس سحب مسد*سه الفضي اللي كان مخبيه تحت طيات جلابيته، ووجهه مباشرة لمنتصف جبهة الراجل بسبات وعيون مبرمش منها جفن.
​نور شهقت وغمضت عيونها وهي بتكتم صرختها في كف إيدها.
​يونس اتكلم ببرود مميت:
​”جرب… جرب تطلع اللي في جيبك، وشوف رصاصة الهواري هتوصل لراسك قبل ما صباعك يلمس الزناد ولا لاه.”
​المكان ساد فيه صمت قاتل. الرجالة اللي واقفين ورا قائدها اتراجعوا خطوة، والكل فهم إن يونس الهواري مش راجل صعيدي عادي تقدر تهدده؛ ده وراه عيلة وجيش وسلطة تدفنهم في مكانهم ومحدش يسأل عليهم.
​قائد الرجالة نزل إيده ببطء، وبص لـ يونس بنظرة غيظ مكتومة:
​”تمام يا هواري باشا… هنمشي دلوقت. بس البنت دي وراها ناس تقال جوي، ومش هيرتاحوا إلا لما ياخدوها.”
​يونس نزل سلا*حه ببطء وقال بثقة تزلزل الأرض:
​”خليهم ييجوا… وصاحبك التقيل ده، قوله يونس الهواري بيمسي عليك وبيقولك: الحرمة اللي تدخل جناحي، مب تطلعش منه إلا برضاها… أو على موتي.”
​خلف الأبواب المغلقة
​الرجالة لفت ورجعت من السلم الجانبي بسرعة، ويونس استنى لحد ما صوت خطواتهم اختفى تماماً.
​بمنتهى الهدوء، قفل باب الجناح الضخم بالمفاتيح، ولف وبص لنور اللي كانت واقفة وساندة ضهرها على الباب، بتبصله برعب حقيقي… الرعب المرة دي مكنش من الرجالة اللي برا، الرعب كان من الراجل اللي واقف قدامها بجناحه، الصعيدي اللي لسه منقذ حياتها بس عينيه مليانة غموض وأسرار مريحة زي الليل.
​يونس حط المسد*س على التربيزة اللي جنب الباب، وقلع الشال البيج اللي كان على كتافه ورماه بالإهمال، وبعدين قرب منها بخطوات بطيئة ومنتظمة.
​نور لمت فستانها القصير حوالين نفسها وحست بنبضات قلبها بتتسارع مع كل خطوة بيقربها:
​”أنت… أنت هتعمل فيا إيه؟”
​يونس وقف قدامها مباشرة، ريحته اللي بتجمع بين العود الفخم وريحة رجولية دافية حاصرت حواسها. وطى راسه لمستواها وقال بصوت دافي بس حاد:
​”أنا لسه مخلصتش حسابي معاكي على كلام الأسانسير يا قطة… بس الأول، هتقوليلي بالذوق كدة: سارقة إيه من الرجالة دول؟ ومين أنتِ بالظبط عشان يونس الهواري يوسخ إيده برصاص عشانك؟”
نور حست بإن الأرض بتلف بيها. نظرات يونس الحادة وصوته الدافئ بس الصارم كانوا بيضغطوا على أعصابها التعبانة من الأساس. رجليها مابقيتش قادرة تشيلها، فسندت بكفوف إيديها على الحيطة ودموعها نزلت بصمت.
​يونس لما شاف دموعها وهبوطها المفاجئ، ملامحه القاسية هديت شوية، بس فضل محتفظ ببروده الصعيدي. مد إيده القوية ومسك دراعها بلطف بس بحزم، ومشاها لحد الكنبة الجلد الفخمة اللي في وسط الجناح.
​”اجلسي… واهدي عاد، أنا مباكلش بني آدمين.”
​نور قعدت وهي بتضم رجليها لصدرها وبتترعش، وبصتله بعيون باكيها كحلها سايح:
​”أنا… أنا ماسرقتش حاجة… صدقني.”
​الحقيقة المرة
​يونس وقف قدامها، ربع كتافه العريضة وبصلها بنظرة فاحصة تخترق الروح:
​”والرجالة اللي كانوا هيموتوا عشان ياخدوكي دول، كانوا بيجروا وراكي عشان سواد عيونك؟ حديت كبار ده ميمشيش على يونس الهواري يا بت الناس. قولي الصج (الصح).”
​نور بلعت ريقها وحست إن مفيش مفر من الحقيقة قدام الراجل ده. فتحت شنطتها الصغيرة اللي كانت معلقاها في كتفها بالعافية، وطلعت منها “فلاش ميموري” (Flash Drive) فضي صغير، وإيدها بتترعش:
​”ده… ده عليه كل حاجة.”
​يونس حط عينه على الفلاشة، وبعدين بص لوشها:
​”ده إيه ده كمان؟”
​”أنا صحفية تحقيقات…” نور قالتها بنبرة متقطعة، “كنت بشتغل على تحقيق بقالي شهور عن شبكة تهريب آثار وغسيل أموال كبيرة… والحفلة اللي تحت دي، كانت الستار اللي بيتم فيه الصفقات. أنا قدرت أدخل باسم مستعار، وقدرت أنسخ الملفات دي من كمبيوتر الراجل الكبير بتاعهم… بس كشفوني في آخر لحظة.”
​يونس ملامحه اتصلبت. عيونه الكحلية ضاقت بغضب مكتوم لما سمع سيرة “تهريب الآثار”. في الصعيد، عيلة الهواري معروفة بإنها خط أحمر ضد أي حد يسرق تاريخ البلد أو يتاجر فيه.
​سحب الفلاشة من إيدها ببطء، صوابعه لمست صوابعها الباردة، فحست بكهربا سرت في جسمها. يونس قال بصوت واطي وخطير:
​”وعرفتي مين هو ‘الراجل الكبير’ بتاعهم ده؟”
​نور هزت راسها بخوف:
​”اسمه… اسمه سليم زهران.”
​غضب الصقر
​أول ما نطقت الاسم، يونس ضحك ضحكة مكتومة، بس كانت ضحكة مرعبة خلت شعر جسمها يقف. لف ضهره ليها ومشى خطوات واسعة في الجناح وهو بيمسح على دقنه بعصبية:
​”سليم زهران! يا محاسن الصدف… المحروس واصل لحد هنا وعامل راسه كبير كمان؟”
​نور وقفت بخوف وقربت منه خطوة:
​”أنت… أنت تعرفه؟”
​يونس لف ليها فجأة، وعيونه كانت بتطلع شرار. خطى خطوة سريعة ناحيتها لحد ما بقى بيفصل بينهم سنتيمترات، وبص في عيونها مباشرة:
​”أعرفه؟ ده يبقى ولد عمي… وأكتر واحد واكل حق نسايبه في الصعيد، ويهرب آثار أجدادنا لبرة.”
​نور شهقت ورجعت خطوة لورا بصدمة:
​”أنت… أنت قريبه؟ يعني أنت…”
​قبل ما تكمل كلمتها وتظن إنه ممكن يسلمها ليه، يونس مسك كفوف إيدها الإتنين بقوة وضغط عليهم، وقال بنبرة صعيدية أصيلة تقطع الشك باليقين:
​”أنا يونس الهواري يا بت الناس… يعني لو سليم زهران ده جبل، فأنا الهوا اللي بيهده. عاد الحين، أنتِ بقيتي في حمايتي لسببين…”
​رفع صباعه وشاور على الفلاشة:
​”الأول… إنك معاكي اللي يكسر رقبته وينهي وساخته. والتاني…”
​قرب من وشها وهسس بصوت واطي ومثير هز كيانها:
​”… إنك دخلتي جناحي برجليكي، وعاد يونس الهواري مبيسبش حاجة دخلت أرضه… خصوصاً لو كانت مجنونة وصيدها غالي واعر كيفك.”
يتبع تفااااعل عشان اكملها حصري فقطططط في صفحة روايات مايا خالد على الفيس متااااابعة وتفاعل نار
حكايات مايا خالد
الجزء الثاني صعيدي من أكسفورد
نور بلعت ريقها بصعوبة، وحست إن الكلمة الأخيرة “صيدها غالي واعر” نزلت على قلبها زي الجمر. الكبرياء والوجع والخوف اتخلطوا جواها، وبصت لعيونه الكحلية بتحدّي ضعيف حاولت تداري بيه ارتعاشتها:
​”أنا مش صيد حد يا هواري باشا… والملفات اللي معايا دي هتنشر الحقيقة، وساعتها ولد عمك وكل اللي معاه هيروحوا في داهية، وأنا هيرجعلي حريتي.”
​يونس ملامحه متهزتش، بل بالعكس، مالت شفايفه بابتسامة ساخرة مليانة ثقة تهد جبال. مشى خطوات بطيئة ناحية البار الصغير في ركن الجناح، صب لنفسه كاس مياه باردة وشرب منه براحة تامة، وبعدين لف وبصلها وقال بصوت واطي ومبحوح:
​”الحرية كلمة واسعة جوي يا بت الناس… وصعب تتدبر في بلد تمن الكلمة فيها رصاصة. أنتِ فاكرة نفسك صحفية شاطرة وقادرة تعاندي ريح عاتية؟ سليم زهران لو شم خبر إنك اهني، مش هيسمي عليكي… ولا هيهمه قلمك ولا تحقيقاتك.”

نور حست بالخوف من نبرته، وبسرعة رفعت تليفونها اللي كان في إيدها وقالت بتوتر:
​”أنا… أنا لازم أطمن أهلي وأكلم رئيس التحرير في الجريدة، لازم يعرفوا مكاني!”
​يونس ملامحه اتصلبت، وفي حركة سريعة وحاسمة، مد إيده وأخد التليفون من إيدها بقوة وحطه في جيب جلابيته الداخلي. نور شهقت وقالت بغضب:
​”أنت بتعمل إيه؟ رجعلي تليفوني!”
​بصلها بعيون صقر حادة وقال بصوت دافي بس صارم زي حد السيف:
​”تليفونك عاد؟ التليفون ده الحين يعتبر حبل مشنقة هيلتف حوالين رقبتك ورقبتي. رجال سليم يقدروا يحددوا مكاننا بالثانية من أي إشارة أو مكالمة. من اللحظة دي… تليفون مفيش. هتدخلي الأوضة اللي جوة دي ترتاحي، ومسمعش ليكي صوت واصل.”
​نور بلعت ريقها وبصتله بعيون مليانة دموع، وهي حاسة إن التليفون اللي أخدته معاها من الأسانسير وبقى في جيب الجلابية السودة ليونس، كان آخر صلة ليها بالعالم الخارجي… والحين بقت تحت رحمته بالكامل.
دمعة سخنة نزلت من عينها غصب عنها، وبكت بقلة حيلة:
​”أنت قاسي كده ليه؟ أنا هربت من الموت عشان أقع في سجنك؟”
​يونس مد صوابعه القوية برقة غير متوقعة، ومسح الدمعة من على خدها الناعم، وحس ببرودة جلدها مقابل سخونة أنفاسه. وطى لمستواها وهمس:
​”السجن واعر يا قطة… بس الحماية برضه غالية. نامي الحين وارتاحي، والأوضة اللي جوة دي هتكون ليكي، بس إياكِ تفكري تخطي عتبة الباب الخارجي… لأني مبضمنش غضبي لو حسيت بإنك بتلعبي ورا ضهري.”
​
​في نفس الوقت، تحت في عربية مرسيدس سودة فخمة واقفة بعيد عن أنوار الفندق.
سليم زهران كان قاعد ورا وعينه بتطلع شرار، بيخبط بإيده على دركسيون العربية بغضب أعمى. القائد بتاع رجالته كان واقف برة سانده وباصص في الأرض بخوف:
​”يا باشا، يونس الهواري مش ساهل، ده وقف قدامنا بسلا*حه ومكنش هيرتد لو ضرب نار. والصعايدة اللي معاه محاوطين الفندق كله.”
​سليم اتكلم بنبرة مليانة غدر وكره دفين:
​”يونس دايماً عامل نفسه حامي الشرف والبلد… مفكر إن شهادة أكسفورد والجلابية السودة هيخلوه كبير علينا. البنت دي معاها ملفات تودينا المشنقة يا غبي! لو الملفات دي وصلت للنيابة، الإمبراطورية كلها هتقع.”
​سحب سيجاره ونفخ دخانها بغل وكمل:
​”راقبوا الجناح من بعيد. يونس مش هيقدر يخبيها هناك كتير، أكيد هيهربها على الصعيد… على أرضه ووسط ناسه عشان يأمنها. وهناك… في وسط الجبال والدروب، هيكون حسابنا مع يونس وولاد الهواري كلهم.”
​
​جوة الجناح، الساعة كانت بتدق تلاتة الفجر.
نور كانت صاحية، قاعدة على طرف السرير الكبير في الأوضة الضلمة، عيونها مش قادرة تغمض من كتر التفكير والخوف من المجهول. فجأة، سمعت حركة خفيفة برة وصوت قفل الباب بيتفتح بهدوء.
​اتنفضت من مكانها وجريت على الصالة. لقت يونس لابس عباية تانية غامقة، وحاطط الشال على كتافه، ومسد*سه الفضي متثبت في حزامه بوضوح. بصلها بعيونه الكحلية الحادة وقال بلهجة أمرة مفيهاش مجال للنقاش:
​”جهزي نفسك يا بت الناس… دجيجتين وتكوني واجفة ورايا.”
​نور سألته بذهول وتوتر:
​”على فين في وقت زي ده؟”
​يونس قرب منها وبص في عيونها مباشرة، ونبرة صوته الصعيدية التقيلة رجعت تسيطر على المكان بهيبتها:
​”مصر مابقتش أمان ليكي، وعيون سليم زهران محاوطة المكان كيف النمل. طريقنا الحين على الصعيد… على قصر الهوارية.
هناك بس، هعرف كيف أحميكي، وكيف أكسر عين ولد عمي بالملفات اللي معاكي.”
​نور بلعت ريقها، وحست إن رحلتها مع الصقر الصعيدي لسة بتبتدي، وإن السواد والغموض اللي جايين في دروب الصعيد هيكونوا أشد بكتير من اللي شافته في ليل القاهرة.
نور جريت على الأوضة بسرعة البرق، غيرت هدومها بشنطة السفر الصغيرة اللي كانت معاها، ولبست بنطلون جينز واسع وتيشرت أسود ولمت شعرها الغجري لورا. لما طلعت الصالة، لقت يونس مستنيها عند الباب وواقف بصلابة تحسسك إن جبل واقف مكانه. عيونه نزلت عليها من فوق لتحت، وبص لشعرها الملموم ورجليها المستورة بالبنطلون بنظرة رضا خفيفة تاهت وسط ملامحه الصارمة.
​سحبها من دراعها بخفة وفتح الباب الخلفي للجناح، اللي بيأدي لسلم الخدم المظلم والمخفي عن الأنظار.
​الهروب الصامت عبر ممرات الفندق
​نور كانت بتتحرك وراه والنبضات في ودنها زي دقات الطبول. المكان كان ضلمة ومفيش فيه غير إضاءة طوارئ خافتة معلقة على الحيطة. يونس كان بيتحرك بخفة غريبة متتناسبش مع ضخامة جسمه، وكأنه فهد متعود يصطاد في العتمة.
​وصلوا للممر الأرضي المؤدي للجراج الخلفي للفندق. يونس وقف فجأة ورفع إيده يشاور لنور عشان تقف وراه. بص بطرف عينه من ورا الباب الحديدي، ولمح عربيتين دفع رباعي سود واقفين على مخرج الجراج، ورجالة سليم زهران متوزعين في الزوايا وعينيهم على مخارج الفندق كلها.
​يونس بصلها وقال بصوت واطي ومبحوح جنب ودنها:
​”سامعة زين يا بت الناس؟ يدك في يدي… وأول ما أقولك اجري، تسبجيني على العربية الرمادي اللي واجفة في الوش دي. فاهمة ولا لاه؟”
​نور هزت راسها برعب حقيقي، صوابعها الصغيرة تخللت بين صوابعه الكبيرة القوية وضغطت عليها بكل قوتها وكأنها بتستمد منه الأمان. يونس حس برعشتها، فكبس على إيدها بضمّة دافية طمنتها للحظة.
​
​يونس سحب مسد*سه الفضي بيده التانية، وفجأة دفع الباب الحديدي برجله بقوة عملت صوت صدى عالي في المكان.
​”إيه ده! مين هناك؟” صرخ واحد من رجال سليم وهو بيلف ويوجه كشافه ناحية الباب.
​يونس مدهمش فرصة يفكروا. في ثانية، ضرب رصاصة في الهوا فجرت لمبة الإضاءة الرئيسية للجراج، والمكان اتقلب لظلام شبه كامل مع صوت صراخ الرجالة وتوترهم.
​”اجري يا نور!” صرخ يونس بنبرة صعيدية آمرة هزت الجراج.
​نور جريت بكل ما تملك من قوة ناحية العربية الرمادي الضخمة، والرصاص بدأ يتطاير في الهوا وصوت ضر*ب الن*ار ملى الجراج. يونس كان واقف وراها زي الجدار الخرساني، بيضرب نار بحرفية وثبات وهو بيتراجع بضهره عشان يأمن طريقها، وكل رصاصة من مسد*سه الفضي كانت بتصيب هدفها وتخلي رجالة سليم يتراجعوا ويدوروا على ساتر يحميهم.
​فتحت نور باب العربية ورمت نفسها على الكرسي اللي جنب السواق وهي بتنهج بشدة وصدرها بيعلو ويهبط. في نفس اللحظة، يونس رمى نفسه على كرسي السواق، قفل البيبان بضغطة زرار واحدة، ودور الموتور اللي زأر زي الأسد.
​فرملة قوية هزت العربية، ويونس داس بنزين على الآخر وكسر الحاجز الأمني للجراج، وطلع بالعربية بسرعة جنونية ليلف في شوارع القاهرة الفاضية متوجهاً لطريق الصعيد السريع.
​على الطريق السريع: مواجهة الصمت والكبرياء
​الهدوء رجع يسيطر على كابينة العربية بعد ما بعدوا عن الفندق بمسافة كبيرة ودخلوا في عتمة الطريق الصحراوي. نور كانت ساندة راسها على الإزاز، دموعها نازلة بصمت وهي بتبص لخطوط النور الضعيفة على الطريق اللي بتعدي بسرعة مرعبة.
​يونس كان سايق بإيد واحدة على الدريكسيون، والإيد التانية ساندة على شباك العربية، وعينه مركزة في المرايات بترقب عشان يتأكد إن مفيش حد وراهم. بص عليها بطرف عينه، ولمح دموعها اللي بتلمع تحت ضوء عواميد الطريق.
​رغم قسوته الصعيدية، حركت جواه حاجة دافية. مد إيده وجاب منديل من التابلوه ورماه في حجرها ببرود دارى بيه لهفته:
​”امسحي دموعك دي عاد… دموع الحريم بتجيب الفقر، وإحنا داخلين على معركة مفيهاش وجت للضعف.”
​نور مسحت خدودها بسرعة وبصتله بعيون حمرا ومليانة كبرياء جريح:
​”أنا مش ضعيفة! أنا صحفية واجهت الموت أكتر من مرة عشان أكتب كلمة حق. بس أنت… أنت بتعاملني كأني جارية عندك، أخدت تليفوني، وحابسني، ودلوقتي خاطفني ورايح بيا لآخر الدنيا!”
​يونس ضحك بحة صوت واطية سخرت من كلامها، ومال براسه ناحيتها شوية وقال بنبرة هادية بس تخوف:
​”خاطفك؟ لولا ‘الخاطف’ ده يا بت الناس، كان زمانك الحين ج*ثة مرمية في نيل المحروسة، أو سليم زهران بيعلمك الأدب بطريقته. الصعيد اللي رايحين عليه ده هو المكان الوحيد اللي سليم ورجالته ومخازياهم ميسووش فيه بصلة قدام نفوذ الهوارية. هناك هتاكلي وتشربي وتنامي وأنتِ مطمنة… بس تليفونك ده هيفضل في جيبي لحد ما اللعبة تخلص.”
​نور سكتت وبصت للطريق المظلم قدامها. حست إنها هربت من نار سليم زهران عشان تدخل جنة يونس الهواري… بس جنة سودا، محاطة بالحديد والنار والغموض الصعيدي.
​الوصول إلى مشارف الأرض الوعرة
​بعد ساعات من السواقة المستمرة وسط الدروب الصحراوية والجبال العالية اللي بدأت تظهر مع خيوط الفجر الأولى، بدأت لافتات القرى الصعيدية تظهر. الشجر الأخضر والنخيل بدأ يحل محل الرمل، والجو بقى جاف ومحمل بريحة الطين والزرع الأصيل.
​يونس لف بالعربية ودخل في طريق زراعي ضيق ومحاط بأشجار الجميز الضخمة من الناحيتين، وفجأة ظهر قدامهم سور حجري عالي جداً ينتهي ببوابة حديد عملاقة محفورة عليها نسر باسط جناحينه… بوابة “قصر الهوارية”.
​الحراس اللي واقفين بأسلحتهم الآلية على البوابة أول ما لمحوا عربية يونس، نزلوا أسلحتهم بسرعة وفتحوا البوابة بكل احترام وهيبة وهما بيضربوا تعظيم سلام.
​يونس بص لنور اللي كانت بتبص للقصر بذهول وخوف، وقالها بصوت واطي رجع فيه هيبة الصقر الكاملة:
​”وصلنا بلاد الهوارية يا قطة… اهني يدخل الشقيان يرتاح، ويدخل الجاني يتدفن. جهزي حالك، عشان من اهني ورايح… قواعد يونس الهواري هي اللي هتمشي عليكي وعلى بلدك كلها.”

حكايات مايا خالد
العربية دخلت من البوابة الحديدية الضخمة، ومشيت في ممر طويل محاط بجناين النخل الواسعة لحد ما وقفت قدام مبنى أثري مهيب. قصر الهوارية مكنش مجرد بيت، ده كان شبه القلعة الحجرية اللي مبنية من سنين طويلة، هيبته تخطف الأنفاس وتأكد لك إن اللي عايشين هنا ليهم قانونهم الخاص.
​يونس ركن العربية وبصلها وهي بتبص للقصر بعيون متسعة ومبهورة ومخطوفة في نفس الوقت. نزل من العربية بكل برود وهيبة، ولف فتح لها الباب ومد إيده القوية عشان ينزلها. نور تترددت للحظة، بس ملامح الحراس الواقفين بأسلحتهم خلتها تحط إيدها في إيده بسرعة. يونس ضغط على صوابعها بخفة وكأنه بيطمنها، ومشاها جنبه وهو شادد كتافه العريضة.
​أول ما دخلوا من الباب الخشبي الضخم اللي يرجع لآلاف السنين، ظهرت صالة القصر الواسعة. الأرضية رخام فخم بيلمع، والحيطان معلق عليها صور قديمة لرجال من عيلة الهواري بملابسهم الصعيدية وأسلحتهم، وفي النص نجفة كريستال عملاقة بتنور المكان بضوء دافي.
​خرجت من المطبخ ست كبيرة في السن، ملامحها بشوشة وطيبة، ولابسة عباية سودة صعيدية وقور. أول ما شافت يونس عيونها لمعت بالفرحة وقالت بلهجة دافية:
​”يا مرحب يا ولد الغالي… منور قصرك يا يونس يا ولدي. حمد الله على السلامة.”
​يونس قرب منها وطبع بوسة على راسها بكل احترام، وقال بنبرة هديت فيها القسوة شوية:
​”الله يسلمك يا دادة فاطمة… جهزي الجناح الشرقي بسرعة، وجهزي لقمة تتاكل لضيفتنا، زمانها تعبانة من مشوار الطريق.”
​الدادة فاطمة بصت لنور بنظرة فاحصة بس مليانة حنية، ونور حاولت تبتسم بتوتر وهي حاسة إنها غريبة ومتبهدلة بفستانها المبهدل وتعب المشوار باين على وشها. الدادة هزت راسها وطلعت بسرعة تجهز الجناح.
​يونس لف وبص لنور، وربع كتافه وهو بيسند ضهره على عمود رخامي ضخم:
​”اهني يا بت الناس، أنتِ في أمان تام. مفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يلمس شعرة منكِ طول ما أنتِ جوة حدود القصر ده. بس الأمان ده ليه شروط عاد.”
​نور تنهدت بضيق وحطت إيدها في وسطها وعيونها الغجرية بتلمع بعناد:
​”شروط إيه تاني يا هواري باشا؟ أنا حاسة إنك بتسلمني من سجن لسجن أوسع بس بفخامة.”
​يونس ضيق عيونه الكحلية وخطى خطوة سريعة ناحيتها لحد ما بقى واقف قدامها مباشرة، وقال بصوت واطي ومبحوح فيه نبرة تحذير واضحة:
​”السجن ده هو اللي حامي رقبتك من رصاص ولد عمي سليم. شروطي بسيطة… مفيش حركة برة الجناح الشرقي من غير إذن مني، ومفيش كلام مع أي حد من الشغالين أو الحراس عن سبب وجودك اهني، وتليفونك هيفضل معايا لحد ما أفرغ الفلاشة وأعرف اللعبة دي أولها فين وآخرها فين.”
​نور بلعت ريقها وحست بالقهر، بس مكنش قدامها حل تاني. الخطر اللي برة القصر حقيقي، والراجل اللي واقف قدامها ده هو درعها الوحيد رغم جبروته. بصتله وقالت بنبرة مكسورة بس فيها كبرياء:
​”والفلاشة؟ هتعمل فيها إيه؟”
​يونس مالت شفايفه بابتسامة غامضة، وقال وهو بيمسح على دقنه الخفيفة:
​”الفلاشة دي هتبقى الحبل اللي هلفه حوالين رقبة سليم زهران ورجالته. بس كل شيء بأوانه… الحين اطلعي مع الدادة فاطمة ارتاحي، وكلي لقمة تغذي جسمك الضعيف ده، ومن بكرة… هنبدأ اللعب الجد.”
الدادة فاطمة قربت من نور بابتسامة هادية وطبطبت على كتفها بحنية:
​”تعالي معايا يا بنيتي… ارتاحي وفكي كربك، ربك هيدبرها.”
​نور مشيت وراها وهي بتجر رجليها بالعافية من كتر التعب، وطلعت السلم الرخامي العريض لحد ما وصلت للجناح الشرقي. أول ما الدادة فتحت الباب، نور اتفاجأت بفخامة الأوضة؛ سرير ضخم من الخشب الأرو المتفصل يدوي، سجاد حرير قديم، وشبابيك شيش طويلة بتطل على الجناينة والزرع. المكان كان مريح جداً بس بالنسبة لنور كان مجرد قفص دهبي مقفول عليها.
​الدادة فاطمة سابتها وراحت جابتلها صينية أكل دافي، فكاكة صعيدي وجبنة بيضا وعسل أبيض ولبن، وقالتلها بلطف:
​”كلي يا بتي ونامي، يونس يظهر قاسي وعر، بس جواه أبيض وأصيل… وعمره ما يكسر بحرمة دخلت بيته.”
​نور شكرتها بابتسامة باهتة، وبمجرد ما الدادة خرجت وقفلت الباب، نور قعدت على السرير وبدأت تاكل ببطء وهي حاسة إن عقلها هينفجر من كتر التفكير. موبايلها اللي مع يونس كان شاغل بالها، خايفة على أهلها وخايفة رئيس التحرير يفتكر إنها جرالها حاجة. بعد ما خلصت أكلها، رمت نفسها على السرير واستسلمت للنوم التام من كتر الإرهاق البدني والنفسي.
​عدت ساعات طويلة، ونور مصحيتش غير على خيوط شمس العصر وهي داخلة من الشيش المنور الأوضة ببطء. قامت بسرعة، غسلت وشها وبصت في المراية الكبيرة؛ وشها بدأ يسترد عافيته بس عيونها لسه شايلة الخوف والتحدي. قررت إنها متقعدش مكانها مستنية رحمة الهواري.
​فتحت الباب ببطء وبصت يمين وشمال في الممر الفاضي. رجليها سحبتها بهدوء ناحية السلم، ونزلت للدور الأرضي وهي بتحاول متعملش أي صوت. القصر كان هادي جداً، لحد ما سمعت صوت رجولي واطي وجاد جاي من ورا باب مكتب موارب في آخر الممر.
​قربت بخطوات شبه منعدمة، وبصت من ورب الباب.
​كان يونس واقف وضهره ليها، جلع الشال والعباية ولابس قميص أسود ضيق مبين تفاصيل عضلات ضهره وجسمه الرياضي، ولفف كمامه لحد كوعه. كان حاطط الفلاشة الفضي في لابتوب قدامه على المكتب، وبيتكلم في الموبايل وصوته فيه بحة رجولية مرعبة:
​”اسمعني زين يا همام… الملفات اللي على الفلاشة دي فيها تواريخ شحنات الآثار اللي سليم هربها برة البلد، وفيها أسامي ناس تقال جوي في الحكومة سليم بياكل معاهم عيش. اللعبة دي لو اتكشفت الحين، البلد كلها هتقيد نار.”
​سمعت الطرف التاني بيتكلم، فيونس رد بغضب مكتوم وعروق رقبته برزت:
​”البنت خط أحمر يا همام! سليم لو عرف طريقها هيدبحها من غير ما يرمش له جفن. البنت دي هتفضل اهني في حمايتي… لحد ما أخلص على سليم زهران خالص وأقفل الدفاتر دي بيدي.”
​نور شهقت غصب عنها من الصدمة لما سمعت كلامه عن دبحها.
​في ثانية واحدة، يونس رمى الموبايل على المكتب ولف ناحية الباب كأنه صقر لمح فريسته. مشى خطوات سريعة وبحركة خاطفة فتح الباب بالكامل وسحب نور من دراعها لجوة المكتب وقفل الباب بضهره.
​نور لقت نفسها ملزوقة في الباب ويونس محاوطها ب دراعاته الإتنين وهو بيبص لعيونها بغضب وعيون كحلية تطلع شرار:
​”وعاد أنتِ مبيطمرش فيكي لوع؟ مش أنا جلت الحرمة اهني متتحركش من غير إدني؟ إيه اللي منزلك وواقفة تتصنت ع الحديت؟”
​نور حاولت تظهر القوة وصوتها اترعش وهي بتبص لوشه القريب منها لدرجة حست بأنفاسه السخنة:
​”أنت… أنت كنت بتقول إنه هيدبحني! يونس، أرجوك… سليم زهران ده وحش، وأنت كمان مش مريحني. رجعلي تليفوني وخليني أمشي، أنا ممكن أستخبى في أي مكان تاني برة الصعيد!”
​يونس ضحك ضحكة واطية ومرعبة، ومال عليها أكتر لحد ما أنفاسه لفتت وشها، وقال بنبرة صعيدية تقيلة هزت كيانها بالكامل:
​”تستخبي؟ ده أنتِ غلبانة جوي يا بت المحروسة. سليم زهران عيونه في كل شبر في مصر، ولو طلعتِ من باب القصر ده… مش هتلحقي تكملي خطوتين برة وهتكوني خبر عاجل في الجريدة بتاعتك.”
​مد صوابعه القوية برقة مميتة ومشى ضهر صابعه على رقبتها الناعمة وهمس بصوت دافي بس حاد كالسيف:
​”الرقبة دي عاد… بقت تخص يونس الهواري. ومفيش مخلوق يقدر يمسها بسوء طول ما أنا واجف على رجلي. الحين… اللعب الحقيقي هيبدأ، وسليم زهران هيدفع تمن غباءه غالي جوي.” حكايات مايا خالد يتبع تفاااااعل هكمل الجزء الثالث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *