اول ما المأذون حكايات انجى الخطيب2

في صالون بيتنا الجديد، كانت فيه لوحة زيتية كبيرة متعلقة على الحيطة الرئيسية. لوحة لأبويا، ببدلته العسكرية الميرية القديمة، ونظرة عينيه الحادة اللي فيها هيبة وتدفي في نفس الوقت، كأنه لسه واقف يحرسني ويحميني من الدنيا.
أبويا فارق دنيانا بسلام قبل ست شهور. وهو مطمن، بعد ما شاف بنته الوحيدة مش بس وقفت على رجلها، دي بقت رئيسة مجلس إدارة واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية في المنطقة، ومؤسسة “مؤسسة الدسوقي لدعم الشفافية والنزاهة”.
يوم وفاته، ما عيطتش بكاء ضعف. عيطت دموع امتنان للراجل اللي علمني إزاي أكون جبل. افتكرت كلمته الأخيرة لي وهو ماسك إيدي في المستشفى: “أنا ماشي يا نادية وأنا مرتاح.. سايب ورايا جبل، مفيش ريح في الدنيا تقدر تهزه.”
النهارده كان يوم خاص جدًا.. يوم افتتاح الفرع الدولي الجديد للشركة.

وقبل ما أخرج من البيت، وقفت قدام المراية. كنت لابسة فستان أبيض أنيق وجاكيت رسمى، لميت شعري، وبصيت في عينيّ كويس. ما شفتش نادية المنكسرة اللي كانت بتترعش قدام المحكمة يوم ، ولا نادية اللي كانت مرعوبة من تهديدات كريم. شفت ست اتعجنت بالوجع، فطلعت منه صلبة وزي الدهب.
موبايل المساعدة بتاعتي رن: “مدام نادية.. العربية مستنية حضرتك تحت، ووفود الصحافة والمستثمرين وصلوا القاعة.”
“جاهزة.. نازلة حالاً.”

وأنا نازلة في الأسانسير، المساعدة أدتني ملف المتابعة وقالت بفرملة تردد: “فندم.. بالصدفة وأنا براجع التقارير، قرأت إن محامي كريم منصور قدم طلب إفراج صحي بعد ما صحته تدهورت في السجن.. والطلب اترفض للمرة التانية.”
وقفت ثانية واحدة، وبصيت لها بابتسامة هادية جدًا.. ابتسامة حد ما بقاش يحس بأي طاقة اتجاه الماضي، لا كره ولا حقد ولا حتى شفقة.
قلت لها بنبرة واثقة وصوت حاسم: “الأخبار دي ما تهمناش يا مي.. كريم وسارة بقوا مجرد أرقام في أرشيف قضية مقفولة من زمان. افتحيلي ملف توسعات السنة الجاية.”
مي ابتسمت بذهول وإعجاب، وقفلت الفولدر فورًا: “تحت أمرك يا فندم.”
خرجت من المبنى، كانت الشمس ساحرة وصافية. ركبت عربيتي، وبصيت للسما من الشباك. حسيت بنسيم خفيف بيلطّف وشي، كأن روح أبويا بتطبطب على كتفي وبتهمسلي: “جدعة يا نادية.. كملي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *