انا وجوزى حكايات رومانى مكرم 1

مرت ليلتين وأنا قاعدة على الكرسي الحديد برة الرعاية المركزة. مكنتش بدوق النوم، ولا يدخل بؤي نقطة مية. البنات كانوا عند جارتي في الشقة، وكل شوية يكلموني في التليفون: “بابا فين يا بابا؟ هو صالح نزل عشان يفسحنا ولا هيسافر تاني؟” وكنت ببلع دموعي وأقولهم: “بابا جاي يا حبايب قلبي.. بابا بس بيخلص شغل وجاي.”

في اليوم التالت، الدكتور سمحلي أدخل لصالح الرعاية لدقايق. دخلت وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني. صالح كان راقد، الأجهزة متوصلة بجسمه، ووشه دبلان وجفونه مقفولة. قعدت على الكرسي جنبه، ومسكت إيده الباردة وحطيتها على خدي.

“صالح.. حبيبى.. قوم عشان خاطري.” همست بصوت مبشوح: “قوم وأنا أوعدك مش هسيب حقك.. والله العظيم لو الدهب ده تحت الأرض هجيبه، بس قوم وقف على رجليك. البنات ملهمش غيرك.. أنا غلطت لما وثقت في غيرك، وغلطت لما أمن أهلي على شقاك.. قوم وسامحني يا صالح.”

صالح حرك صوابعه بالبطء، وجفونه اترعشت، وبعدين فتح عينيه ببطء شديد. عينيه كانت تاهية في السقف، وبعدين لفت وبصتلي. كان في عينيه حزن وكلام كتير مش قادر يقوله. شفايفه تحركت بصعوبة وصوت طالع بالعافية: “الـ… الدهب يا أمل.. شقايا..”

دموعي نزلت بغزارة وبست إيده: “يغور الدهب يا صالح.. يغور كل جنيه، المهم أنت تقوملي بالسلامة.”

صالح غمض عينيه بتعب، ونزل منها دمعة حارة حرقت قلبي، وقال بصوت مكتوم: “أنا اتقطعت يا أمل.. الغربة قطعت فيا، وأهلك كسروني.. أهلك أخدوا عرق أربع سنين ورموني في الشارع.. مش هسامح.. مش هسامح حد.”

الكلمات دي كانت زي السكاكين بتدبحني. خرجت من الرعاية وأنا متخذة قرار. مش هقف أتفرج وأنا شايفة جوزي بيموت بحسرته، وأخويا عايش حياته وبيتمتع باللي مش حقه. خرجت من المستشفى وركبت توكتوك ورحت مباشرة على قسم الشرطة.

دخلت القسم وأنا قلبي بيلتعد من الخوف، بس قسوة الموقف قتلت الخوف جوايا. طلبت أقابل رئيس المباحث، وبعد انتظار دخلت مكتبه. كان المقدم أحمد قاعد ورا مكتبه، زابط صارم بس ملامحه هادية.

“خير يا مدام.. في إيه؟” سألني وهو بيبص لوشي المجهد ودموعي.

قعدت قدامه وحكيتله كل حاجة من الأول.. من أول قطر، والسبائك والغوايش، والشنطة القماش اللي سلمتها لأمي، ولما صالح نزل والخبر اللي صدمنا، لحد ما صالح وقع بجاطة وراقد في المستشفى بين الحياة والموت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *