ضرتي الكركوبه حكايات اسما السيد 4

الجزء السابع
عدّى أسبوع كامل…
والخبر كان مالي كل المواقع الاقتصادية.
“إيقاف إدارة مجموعة المنصور مؤقتًا.”
“تحقيقات موسعة في مخالفات مالية.”
“رئيسة مجلس إدارة المجموعة القابضة ترفض التعليق.”
لكن محدش كان عارف…
مين هي رئيسة مجلس الإدارة.
اسم ليلى كان لسه متخبي عن الإعلام.
وده كان بطلب منها شخصيًا.
هي ماكانتش عايزة فضيحة.
كانت عايزة حقها.
وبس.
—
أما كريم…
فكان بيصحى كل يوم على كارثة جديدة.
أول بنك رفض يجدد التسهيلات.
بعده اتنين.
وبعدين كل الموردين وقفوا التعامل.
حتى أصحابه…
اللي كانوا كل يوم قاعدين على سفرة بيته…
اختفوا.
كل واحد بقى يقفل موبايله أول ما يشوف اسمه.
وفي يوم…
قرر ينزل الشركة القديمة.
يمكن يلاقي حد يقف جنبه.
دخل من الباب الجانبي.
ولقى عم سيد…
أقدم موظف في الشركة.
الراجل اللي اشتغل مع أبوه أكتر من تلاتين سنة.
أول ما شاف كريم…
قال بحزن:
— خسارة يا باشا.
كريم قرب منه.
— عم سيد…
إنت أكتر واحد فاهم اللي بيحصل.
قولي الحقيقة.
عم سيد سكت شوية.
وبعدين قال:
— الحقيقة كان لازم تعرفها من زمان.
— يعني إيه؟
— فاكر أول يوم جبت فيه ليلى الشركة بعد الجواز؟
هز كريم راسه.
— أيوه.
— فاكر أبوك عمل إيه؟
بدأ كريم يفتكر.
أبوه أول ما شاف ليلى…
قام من على كرسيه.
وسلم عليها واقف.
وكان بيقول للموظفين:
“احترموا الهانم.”
وقتها افتكر إنه بيجامل مرات ابنه.
عم سيد ابتسم بحزن.
— مكنش بيجاملها.
كان بيحترم صاحبة المكان.
اتجمد كريم.
— يعني…
إنت كنت عارف؟
— كل الإدارة القديمة كانت عارفة.
بس كنا حالفين قدام أبوك…
إن السر يفضل مدفون.
لحد الوقت المناسب.
قعد كريم على أول كرسي.
وحط وشه بين إيديه.
وقال:
— وأنا كنت بعاملها…
كأنها ملهاش قيمة.
رد عم سيد:
— وهي كانت كل مرة تقول لأبوك…
“سيبه يتعلم بنفسه.”
—
في نفس الوقت…
كانت ليلى قاعدة مع والدتها.
بعد شهور طويلة…
حست إنها مرتاحة.
أمها كانت بتحضرلها الأكل اللي بتحبه.
وقالت وهي بتحط الطبق قدامها:
— كلي يا بنتي.
إنتِ بقيتي ضعيفة.
ابتسمت ليلى.
— نفسي مسدودة.
الأم بصتلها بحنان.
— لسه بتحبيه؟
سكتت ليلى.
لكن دموعها سبقتها.
قالت بصوت مكسور:
— كنت مستعدة أسيب كل الفلوس.
وكل الشركات.
وأعيش معاه في شقة إيجار.
لو كان حبني.
ولو وقف جنبي.
بس اللي وجعني…
إنه اتفرج.
سابهم يهينوني.
وأنا حامل بابنه.
الأم مسكت إيد بنتها.
وقالت:
— اللي يكسر قلبك مرة…
هيكسره ألف مرة.
أوعي تنسي.
—
في الناحية التانية…
كانت سما بتقلب في درج مكتب كريم.
بتدور على أي ورقة.
أي حساب.
أي مفتاح خزنة.
لكنها ما لقتش حاجة.
دخل عليها كريم فجأة.
— بتعملي إيه؟
ارتبكت.
— بدور على أوراق.
— كدابة.
قالها وهو بيقرب منها.
— إنتِ بتدوري على فلوس.
سما رفعت راسها.
— وأفرض؟
أنا مش هستنى أغرق معاك.
ابتسم كريم لأول مرة.
بس كانت ابتسامة مرة.
— أهو…
عرفت أنا كنت بالنسبة لك إيه.
مجرد حساب بنكي.
سما ردت بعصبية:
— وإنت كنت إيه؟
كنت رامي مراتك…
وعايش معايا.
يعني متعملش فيها ملاك.
سكت كريم.
لأنه لأول مرة…
ما لقاش رد.
—
بعد يومين…
وصل استدعاء رسمي لكريم.
لحضور جلسة مجلس الإدارة.
المحامي قاله:
— لازم تحضر.
دي آخر فرصة.
دخل القاعة.
لقى ليلى قاعدة في مكانها.
لكن المرة دي…
كانت لابسة بدلة سودا.
وشكلها كان أكثر قوة.
المستشار حسام بدأ الكلام.
— البند الأول…
مراجعة المخالفات.
بدأ يعرض تحويلات مالية.
سيارات فارهة.
رحلات.
قصور.
كلها مدفوعة من حسابات الشركة.
كريم حاول يتكلم.
— دي كانت مصروفات إدارة.
المراجع المالي رد:
— لا.
دي كانت مصروفات شخصية.
ثم ظهرت صورة.
كانت سما.
لابسة طقم ألماس.
بفاتورة تتجاوز خمسة ملايين جنيه.
ومدفوعة من حساب الشركة.
ليلى بصت لكريم.
وقالت بهدوء:
— فاكر العقد ده؟
قال بصوت منخفض:
— أيوه.
— كنت بتقولي…
إنه من أرباحك.
نزل كريم عينيه في الأرض.
لأنه لأول مرة…
اكتشف إن حتى الهدايا اللي كان بيجيبها لعشيقته…
كانت من فلوس مراته.
ساد الصمت.
ثم قالت ليلى:
— عندي سؤال واحد.
رفعت صورة تانية.
كانت تسجيل كاميرات الفيلا.
لقطة سما وهي بتدلق المية الوسخة عليها.
ولقطة كريم واقف بيتفرج.
قالت وهي باصة في عينه:
— لو رجع بيك الزمن…
كنت هتعمل إيه؟
فضل كريم ساكت.
ثواني طويلة.
ثم وقف.
وبص لكل الموجودين.
وقال بصوت مهزوز:
— كنت همسك إيدها…
وأخرجها من البيت.
حتى لو هسيب كل اللي ورايا.
بس للأسف…
أنا فهمت ده…
بعد ما خسرت كل حاجة.
نزلت القاعة في صمت ثقيل.
أما ليلى…
فكانت أول مرة تشوف في عينيه…
ندمًا حقيقيًا.
لكنها كانت تعرف…
أن الندم وحده…
لا يمحو الإهانة.
الجزء الثامن
انتهت الجلسة…
لكن محدش قام من مكانه.
الكل كان باصص على كريم.
الرجل اللي كان من كام أسبوع…
يدخل أي مكان الناس تقومله.
بقى واقف…
مش عارف يبص في وش حد.
جمع أوراقه ببطء.
ولف علشان يمشي.
لكن صوت ليلى وقفه.
— أستاذ كريم.
وقف مكانه.

لف ببطء.
بصلها.
قالت بهدوء:
— استنى.
فيه حاجة لازم تشوفها.
المستشار حسام ضغط زر في الريموت.
والشاشة الكبيرة اشتغلت.
ظهر تاريخ من خمس سنين.
“حفلة توقيع أكبر صفقة استثمار.”
ظهر كريم وهو واقف قدام الكاميرات.
بيتكلم بكل ثقة.
— الصفقة دي نتيجة تعب خمس سنين.
ومجهودي أنا وفريقي.
بعدها ظهر فيديو تاني…
من نفس اليوم.
لكن من كاميرا داخلية.
ليلى قاعدة في أوضة اجتماعات.
قدامها خرائط.
وأرقام.
وعقود.
وأكتر من عشرين خبير أجنبي.
وهي اللي بتشرح تفاصيل الصفقة.
وأبو كريم واقف جنبها…
وبيسجل ملاحظات.
الفيديو خلص.
وساد الصمت.
المستشار قال:
— الصفقة اللي خلت مجموعة المنصور تكبر…
حضرتك يا أستاذ كريم…
ولا حضرتك كتبت فيها سطر واحد.
كلها كانت من إعداد الأستاذة ليلى.
وبناءً على طلبها…
تم إعلان اسمك أنت قدام الإعلام.
علشان صورتك كرجل أعمال تكبر.
كريم حس إن أنفاسه اتقطعت.
بص لليلى.
وقال:
— ليه؟
ليه تعملي كده؟
ردت بهدوء.
— لأنك كنت جوزي.
وكنت عايزة الناس تحترمك.
مش تهينك.
سكت.
ونزلت دموعه لأول مرة قدام الناس.
—
خرج من الشركة…
وركب عربيته.
لكنه ما اتحركش.
فضل يبكي.
بكاء حقيقي.
بكاء راجل اكتشف…
إنه ضيع أكبر نعمة في حياته بإيده.
—
في الفيلا…
كانت سما قاعدة مع دولت.
المحامي دخل عليهم.
وقال:
— فيه أخبار مش كويسة.
دولت شهقت.
— تاني؟
المحامي فتح ملف.
— المحكمة وافقت على التحفظ على الفيلا.
ولازم تسلموها خلال أسبوع.
سما قامت تصرخ.
— نعم؟!
أروح فين؟
المحامي رد بمنتهى البرود.
— دي مشكلتكم.
خرج.
وسابهم في صدمة.
سما بصت لدولت.
وقالت:
— كل ده بسبب مرات ابنك.
دولت لأول مرة…
ردت عليها بعصبية.
— اخرسي.
إنتِ السبب.
لو ما دخلتيش حياته…
مكنش حصل ده.
سما اتعصبت.
— أنا؟
هو اللي جري ورايا.
دولت صرخت.
— وإنتِ وافقتي.
البيت كله اتحول لخناقة.
وكل واحدة بترمي اللوم على التانية.
—
أما ليلى…
فرجعت بيت والدتها.
دخلت أوضتها.
ولقت صندوق خشب قديم.
كانت محتفظة بيه من أيام جوازها.
فتحته.
طلع منه صور.
أول رحلة ليهم.
أول عيد ميلاد.
أول بيت.
أول عربية اشتروها.
وقفت عند صورة معينة.
كانت يوم كتب الكتاب.
كريم كان بيبصلها فيها…
كأنه شايف الدنيا كلها.
دموعها نزلت.
وقالت لنفسها:
— إمتى اتغير؟
دخلت عليها والدتها.
وشافت الصور.
قعدت جنبها.
وقالت:
— ارميهم.
ليلى هزت راسها.
— مش قادرة.
الأم سألتها.
— لو رجع ندمان…
هتسامحيه؟
ليلى سكتت.
دقيقة.
اتنين.
ثم قالت:
— قلبي لسه بيحبه.
بس كرامتي…
مش قادرة تنسى.
—
في اليوم التالي…
استيقظت ليلى على ألم شديد.
حطت إيدها على بطنها.
حست بانقباضات قوية.
والدتها جريت عليها.
— مالك يا بنتي؟
قالت بصوت متقطع.
— بطني…
بتوجعني.
بعد دقائق…
كانت عربية الإسعاف بتنقلها للمستشفى.
الدكتور كشف عليها بسرعة.
وبص لوالدتها.
وقال بجدية:
— الضغط النفسي اللي مرت بيه أثر عليها.
لازم ترتاح تمامًا.
لأن فيه خطر على الحمل.
في نفس اللحظة…
وصل الخبر لكريم.
كان قاعد لوحده.
أول ما عرف إنها في المستشفى…
قام يجري من غير ما يفكر.
وصل بعد أقل من نص ساعة.
لكن أول ما حاول يدخل أوضتها…
وقفه الحارس.
— آسف.
ممنوع.
قال برجاء لأول مرة:
— دقيقة واحدة…
بس أطمن عليها.
الحارس رد بهدوء.
— دي تعليمات الأستاذة ليلى.
كريم سند راسه على الحيطة.
وأغمض عينيه.
وهمس بصوت مكسور:
— حتى حق إني أطمن عليها…
ضاع مني.
وفي اللحظة دي…
فتح باب الأوضة.
وخرج الدكتور.
بص لكريم.
وقال جملة…
خلت قلبه يقع بين رجليه:
— لو الضغط النفسي استمر…
ممكن نخسر الطفل.
اتجمد كريم مكانه…
وحس إن الدنيا كلها بتلف حواليه…
لأنه أدرك أخيرًا…
أن أخطاءه لم تعد تهدد زواجه فقط…
بل أصبحت تهدد حياة ابنه أيضًا.
الجزء التاسع
وقف كريم قدام باب أوضة العناية…
ورجليه مش شايلينه.
كل كلمة قالها الدكتور…
كانت بتدوي في دماغه.
“ممكن نخسر الطفل.”
أول مرة في حياته…
يحس بالخوف بالشكل ده.
مش خوف على شركة.
ولا فلوس.
ولا منصب.
خوف على ابنه…
اللي لسه ما شافوش.
قعد على أقرب كرسي.
وحط وشه بين إيديه.
وفضل يردد:
— يا رب… بس تقوم بالسلامة.
—
جت والدة ليلى بعد شوية.
أول ما شافته…
وقفت مكانها.
كريم قام بسرعة.
وقال بصوت كله رجاء:
— بالله عليكي…
طمنيني عليها.
ردت ببرود:
— لما كانت واقفة قدامك هدومها مبلولة…
طلبت منك كلمة واحدة.
ماقولتهاش.
دلوقتي جاي تطمن؟
قال وهو منزل راسه:
— أنا غلطت.
والله غلطت.
قالت بحزم:
— الغلط له وقت يتصلح.
إنت جيت بعد ما كل حاجة اتكسرت.
وسابته وراحت ناحية الأوضة.
—
بعد ساعة…
خرج الدكتور.
ابتسم ابتسامة بسيطة.
وقال:
— الحمد لله…
قدرنا نسيطر على الحالة.
لكن لازم المريضة ترتاح تمامًا.
ممنوع أي انفعال.
وممنوع أي ضغط نفسي.
ولو حصل أي توتر تاني…
الوضع هيبقى أخطر.
كريم تنفس لأول مرة.
وقال:
— ينفع أشوفها؟
الدكتور بصله.
— القرار ليها.
مش ليا.
—
في أوضة ليلى…
كانت لسه تحت تأثير المهدئ.
فتحت عينيها ببطء.
ولقت أمها ماسكة إيدها.
ابتسمت بتعب.
— البيبي؟
قالت أمها وهي تمسح دموعها:
— بخير يا حبيبتي.
ارتاحت ليلى.
وحطت إيدها على بطنها.
وهمست:
— الحمد لله.
الأم قالت بهدوء:
— كريم برا.
واقف من ساعة.
عايز يشوفك.
غمضت ليلى عينيها.
وسكتت.
الأم سألتها:
— أقول له يدخل؟
فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين قالت:
— لا.
مش دلوقتي.
أنا مش مستعدة أشوفه.
—
خرجت الأم.
ولقت كريم واقف مكانه.
بصلها بلهفة.
— قالت إيه؟
ردت بهدوء:
— قالت لأ.
الكلمة كانت كفيلة تكسره.
لكن ما اعترضش.
قال:
— تمام…
أنا هستنى.
ولو يوم…
أو شهر…
أو سنة.
هستنى.
—
في نفس الوقت…
كانت سما في الفيلا…
بتلم هدومها.
بعد ما عرفت إن كريم طلب محامي الطلاق.
صرخت وهي تكسر المراية:
— مستحيل!
بعد كل اللي عملته عشانه…
يرميني؟
دخلت دولت عليها.
وقالت:
— خلصي.
المحضر هيجي بكرة.
سما لفت ناحيتها بغضب.
— إنتِ فرحانة؟
ردت دولت:
— لا.
أنا ندمانة.
ندمانة إني ظلمت ليلى.
وندمانة إني صدقتك.
أول مرة…
سما ما لقتش رد.
—
في اليوم التالي…
وصل المستشار حسام للمستشفى.
دخل أوضة ليلى.
وحط قدامها ملف.
قال:
— يا فندم…
دي آخر قضية.
لو وقعتي هنا…
كل ممتلكات كريم الخاصة هتتحجز لتعويض حضرتك.
ليلى فتحت الملف.
فضلت تبص فيه شوية.
ثم قفلته.
قال المستشار باستغراب:
— مش هتمضي؟
قالت وهي باصة من الشباك:
— لا.
استغرب أكتر.
— ليه؟
قالت بهدوء:
— أنا هاخد حقي.
لكن مش هاخد لقمة عيش حد.
البيت اللي اشتراه قبل الجواز يفضل ليه.
والعربية باسمه تفضل ليه.
أنا مش بانتقم.
أنا برد كرامتي.
ابتسم المستشار.
وقال بإعجاب:
— عشان كده…
حضرتك طول عمرك كبيرة.
—
في آخر اليوم…
كان كريم واقف في ممر المستشفى.
ومعاه وردة بيضا واحدة.
مش باقة كبيرة.
ولا هدية غالية.
مجرد وردة.
كتب عليها بخط إيده:
“سامحيني… حتى لو عمرك ما رجعتيلي.”
طلب من الممرضة توصلها.
دخلت الممرضة الأوضة.
وحطت الوردة جنب سرير ليلى.
ليلى بصتلها.
وبصت للورقة.
وسابتها مكانها…
من غير ما تلمسها.
لكن بعد ما خرجت الممرضة…
نزلت دمعة هادئة من عينها.
لأنها عرفت…
إن كريم أخيرًا بدأ يفهم…
أن الاعتذار الحقيقي…
مش بالكلام.
بل بالثمن…
اللي الإنسان بيدفعه مقابل أخطائه.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *