أمانى السيد 2 عاجز
مشيت في الشارع والشنطة في إيدي، خطوتي كانت سريعة وكأني بهرب من المكان ومن السنين اللي ضاعت فيه. دموعي اللي حبستها جوة الأوضة بدأت تنزل تاني، بس المرة دي ما كانتش دموع حزن على الفراق… كانت دموع قهر على العبط والنعمة اللي كنت عامية عنها.
وفجأة، وقف في دماغي شريط قديم زي الصدمة… افتكرت الحباية اللي كان بيدهاني كل يوم الصبح بإيده، وهو بيبتسم ابتسامة هادية ويقولي:
ـ “خذي يا نسمة يا حبيبتي، مش عايزين نستعجل على الخلفات دلوقتي، لما نؤم نفسنا الأول ونقف على رجلين ثابتة… أنتِ عارفة الظروف وأنا مش عايز أظلمك ولا أظلم العيل معانا.”
ياااااه على الغفلة! يااااه على العبط اللي كنت عايشة فيه!
وقفْت في نص الشارع ومسكت راسي بإيديا الاثنين، كنت عايزة أصرخ بعالي صوتي. أتاريه ما كانش خايف عليا ولا على العيل… أتاريه ما كانش عايز يربط نفسه بيا بعيل! كان بيضمن إن السكة تفضل فاضية للي في باله، كان بياخد احتياطاته عشان لما يخف ويرمي الخدامة اللي شالته، يخرج من غير أي التزام ولا نقطة دم تربطه بيا!
افتكرت لما كنت بتحايل عليه وأقوله: “يا عمر النفس مشتاقة لحتة عيل يملا علينا البيت”، كان يزعق ويتحجج بالظروف، وأنا بحبني وعقلي الصغير أصدقه وأقول “معلش، خايف على مستقبلنا”.
افتكرت كل مرة كنت برفض فيها أشتري لنفسي حتة قماشة أو بلوزة جديدة عشان أوفر فلوس الجمعية اللي أديهاله بحجة “بنأمن مستقبلنا”.
افتكرت لما كنت بمسح الجزمة بتاعته بإيدي قبل ما يخرج، ولما كنت بقوم من أحلى نومة في عز البرد عشان أعمله أكل سخن أو أحطله الكمدات.
قعدت على أول رصيف قابلني، والناس رايحة وجاية، وأنا بتكلم مع نفسي بصوت واطي وضحكة مكسورة مليانة حسرة:
ـ “قد إيه كنتِ عبيطة يا نسمة… قد إيه كنتِ عمياء وبتبصي تحت رجليكي! ده ما كانش بيحبك ولا يوم واحد، ده كان بيبني سعادته على أنقاض صحتك وطفولتك وأحلامك. كنتِ فاكرة روحك شريكة عمره، طلعتِ مجرد محطة، خادمة بدرجة زوجة لحد ما يوصل للي عايزها.”
بس في وسط كل الكسرة دي، حسيت بحاجة جواه بتتغير. الوجع لما بيزيد عن حده بيتحول لقوة… قمت من على الرصيف، نفضت هدومي، وشديت الشنطة في إيدي وأنا بصة للمستقبل من غير غمامة. العبيطة دي ماتت خلاص على السلم اللي نزلت بيه شايلانه… واللعبة دي انتهت، ومن هنا ورايح مش هتكون غير “نسمة” جديدة خالص.