امانى السيد كامله

وقعت على الكرسي وأنا مش حاسة برجلي، الدنيا بتلف بيا.. خالد مش بس خانني، ده بيخطط يسرق نجاحي ويديه لواحدة تانية على طبق من فضة.
خالد ساب الأوضة ورزع الباب وراه، وسابني غرقانة في دوامة من الوجع والذهول. قعدت على الأرض والرسالة لسه بتنور في عيني زي الخنجر. “أنثى بتعرف تنسيني تعب اليوم”.. الكلمة دي كانت أصعب من الخيانة نفسها، كأنه بيعاقبني على شطارتي ووقفتي جنبه.
فتحت الدرج وطلعت أجندة الحسابات القديمة، الأجندة اللي فيها كل مليم دفعته وكل تصميم رسمته بإيدي. بصيت لصورنا القديمة وإحنا بنفتتح أول معرض صغّير، كان لبسه بسيط وعينه فيها لمعة امتنان ليا.. ودلوقتي اللمعة دي بقت جحود.
مسحت دموعي فجأة، وحسيت بنار تانية بدأت تقيد جوايا.. مش نار القهر، دي نار “أماني” اللي مابتقبلش الهزيمة.
تاني يوم الصبح..
خالد نزل المعرض بدري وهو فاكر إنه كسرني. لبست أشيك طقم عندي، وحطيت ميك آب يخبي أثر السهر والدموع، ونزلت على المعرض. أول ما دخلت، الموظفين كلهم وقفوا باحترام.. أنا اللي معلماهم، وأنا اللي عارفة تفاصيل كل قطعة خشب بتدخل المعرض.
خالد كان واقف مع واحد من الموردين، ولما شافني، ملامحه اتوترت:
“أماني؟ إيه اللي جابك هنا؟ مش قولتلك ارتاحي في البيت؟”
رديت بابتسامة باردة جداً وصوت مسموع للكل:
“أرتاح؟ وإزاي أرتاح والمعرض محتاج مراجعة؟ أصل فيه “تعديلات” كتير هتحصل الفترة الجاية يا خالد.. الموردين اللي واقفين دول، العقود بتاعتهم باسمي أنا، والتوكيلات اللي بنشتغل بيها باسم ‘أماني سيد’.. نسيت ولا إيه؟”
خالد وشه اصفرّ وبدأ يلعثم:
قربت منه وهديت صوتي: “خالد، أنا محتاجة أتكلم معاك في المكتب.. فيه حسابات وتوكيلات لازم نراجعها، والمعرض الجديد اللي كنت ناوي تفتحه، لازم نفهم أرباحه هتمشي إزاي.”
خالد بص لي ببرود شديد، وبص للموظفين اللي واقفين يراقبوا الموقف، وحس إن هيبته بتتهز، فمسكني من دراعي وخدني لزاوية بعيدة وقال بغيظ مكتوم:
“أماني، ملوش لزوم الشوشرة دي قدام الناس. اطلعي دلوقتي وأنا لما أخلص شغل هجيلك البيت وهنتكلم في كل اللي أنتِ عايزاه.. مش عايز فضايح هنا.”
“فضايح يا خالد؟ أنا جاية أسأل عن حقي في تعبي وشقايا!”
خالد ضغط على دراعي أكتر وقال بلهجة فيها تهديد: “قولتلك اطلعي دلوقتي، وهعملك كل اللي أنتِ عايزاه.. بس مش هنا. يلا يا أماني، بلاش تصغرينا قدام الموردين.”
استسلمت للحظة، وقولت يمكن فعلاً لما يقعد معايا في البيت يحس بغلطه ويحاول يصلح اللي انكسر. رجعت البيت، وقعدت استناه.. الساعات كانت بتمر كأنها سنين، والولاد ناموا، وأنا عيني على الباب.
دخل خالد الساعة اتنين بالليل، وكان رامي مفاتيحه ببرود تام. قمت وقفت قدامه وقولت بلهفة:
“خالد، أنا فكرت.. أنا عايزة حقي في المعارض، وعايزة نصيبي اللي حطيته يرجع لي قانوني وباسمي، والمعرض الجديد ده يتلغى فوراً، وتبعد عن الست دي.”
خالد قعد على الكنبة، وولع سيجارة ببطء شديد، وبص لي بضحكة سخرية مريرة هزت كياني:
“خلصتي؟ بصي يا أماني.. الكلام اللي قولته الصبح في المعرض كان عشان أمشيكي بس، لكن دلوقتي إحنا في بيتنا. مفيش مليم هيخرج من المعرض، ومفيش نصيب هيرجع.. الفلوس اللي كنتِ بتقولي عليها دهب وورث، أنا صرفتها كلها في الشغل وكبرت بيها اسمي أنا.. ‘خالد’ وبس.”
وقفت مذهولة: “يعني إيه يا خالد؟ بتسرقني عيني عينك؟”
خالد قام وقف وقرب من وشي بكل جبروت وقالي:
“أنا ما بسرقش حد، أنا اللي تعبت وبنيت، وأنتِ كنتِ مجرد ‘ممول’ والفلوس دي ردتهالك في الستر والعيشة اللي أنتِ فيها.. المعرض الجديد هيتفتح، والست اللي جرحت مشاعرك دي هتكون هي اللي في وش المدفع.. وأنتِ هنا ليكي الأكل والشرب والولاد.. ولو مش عاجبك، اخبطي راسك في أتخن حيطة، وأعلى ما في خيلك اركبيه.. أنتِ ولا حاجة من غيري يا أماني.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *