قيد عائلي حكايات انجي 2
روحت البيت والدنيا كلها بتلف بيا، فتحت الباب ولقيت بنتي قاعدة قدام التلفزيون وبتدور بعينها عليا أول ما دخلت. جرت ناحيتي كالعادة وقالت بفرحة: “ماما! كنتي فين؟ طنط هدى جارتنا جابت لي كيكة وهي ماشية وقالت إنك زمانك جاية.”
ابتسمت غصب عني، ونزلت لمستواها وخدتها في حضني وأنا شادة عليها جامد كأنهم هيحاولوا ياخدوها مني. حسيت بسخونة دمعة نزلت على رقبتها، فبعدت بسرعة ومسحتها بظهر إيدي عشان متخدش بالها، وقولت بصوت دافي: “كنت في مشوار مهم يا حبيبتي.. معلش أسفة إني أخرت عليكي.”
قالت ببراءة وهي بتلعب في شعري: “طيب بابا مش ناوي يكلمني؟ بقا له كتير أوي مش بيسأل، هو السفر بياخد وقت أوي كده؟”
الجملة نزلت على قلبي زي السكينة الباردة، بس المرة دي مكنش ينفع أبكي قدامها. بصيت في عيونها الحلوة وقولت بثبات أول مرة أحسه: “بابا مشغول يا حبيبتي، بس بطلي قلق.. أنا معاكي ومش هسيبك أبدًا، وكل حاجة وحشة هتروح.”
بعد ما دخلت أوضتها ونامت، قعدت على السرير وطلعت التليفون، وفتحت ريكورد قديم من سنة فاتت لما كان قاعد معانا وكان بيضحك معها. سمعت صوته وهو بيوعدها إنه هيجبلي ويعمل لها، وحست بوجع خفيف في قلبي، بس بسرعة مسحت الدموع وقفلت الفون. الوقت ده مكنش وقت حزن ولا دموع، ده وقت حساب.
تاني يوم الصبح بدري، لقيت تليفوني بيرن. رقم غريب، فتحت بسرعة وأنا حاسة إن فيه مصيبة جديدة. جاني صوت واحدة بتقول بخوف وتلجلج: “الو.. مدام إنجي؟ معلش أنا بكلمك من غير ما تعرفيني، بس أنا… أنا السكرتيرة القديمة بتاعة جوزك اللي استقالت من شهر، وفي حاجات لازم تعرفيها لو لسه ناوية تجيبي حقك، الراجل ده بيجهز لسفرية كبيرة ومعه عقود بيع نهائية لكل حاجة يوم الخميس الجاي!”
قومت من مكاني زي الملدوغة، وعقلي بيبرق من الخوف والسرعة، وقولت لها بصوت مش مصدقة: “تقولي إمين؟ الخميس الجاي؟ انتي متأكدة من كلامك ده؟”
قالت بلهفة: “متأكدة وأقسم بالله العظيم وشايفه بعيني العقود بتتمضي.. الحقيه قبل ما يطير بالفلوس وما تعرفيش تطلعي بحاجة!”
…..
قفلت التليفون وأنا حاسة إن الهوا كله خلص من صدري، بصيت للساعة اللي فوق الكومودينو لقيتها لسه سبعة الصبح، والخميس بكره. يعني مفيش وقت للتردد، ولا ثانية واحدة للضعف.
لبست أسرع ما عندي، ونزلت جري من البيت ركبت تاكسي وطرت على مكتب المحامي وأنا بكلم نفسي بصوت عالي من كتر التوتر: “يا رب الحق.. يا رب ميكنش هرب.”
دخلت على مكتبه من غير ميعاد، والسكرتيرة حاولت توقفني بس فتحت الباب ودخلت ووشي أصفر وعيوني طايرة من الخضة. المحامي قام مفزوع من على مكتبه وقال بقلق: “مدام إنجي! في إيه؟ إيه اللي جابك في الصبح بدري كده؟”
حكيتله كل كلمة قالتها السكرتيرة وأنا نفسي مقطوع، وقولت بصوت بيترعش من الغضب والخوف: “الخميس بكره.. هيسافر ويبيع كل حاجة.. الحقنا يا استشاري.. بالله عليك ما تضيعش ثانية.”
قعد مكانه بسرعة، وفتح اللاب توب بتاعه وعينيه بتتحرك على الشاشة بسرعة البرق، وبعدين ضرب كف بكف وقال بجدية شديدة: “تمام.. طالما ناوي يسافر بكره، يبقى مش ه نستنى لما النيابة تطلب التحريات البطيئة دي. إحنا هنقدم بلاغ عاجل دلوقتي حالا للنائب العام ومعاه أمر منع من السفر فوري، وهنطلب تحريات مباحث الأموال العامة ومطار القاهرة بصفة مستعجلة.”
مسك تليفونه وبدأ يكلم وكيل النائب العام بلهجة كلها ثقة وجدية، بيشرح الموقف والأوراق اللي تثبت إن فيه تهريب لأموال وأصول ثابتة قبل السفر بساعات. وأنا قاعدة قدامه إيدي على قلبي، ببص للأوراق اللي على المكتب وبقول لنفسي: “يا أنا يا إنت يا فلان.. والمرة دي مش هرحمك.”
……..
اقترب المحامي مني بعد ما قفل المكالمة، وابتسامة ثقة بانت على وشك، وقال بصوت حاسم: “اتفضلي معايا.. مش هينفع نقعد نستنى هنا، قدامنا ساعة بالكتير ونكون عند قاضي الأمور المستعجلة ووكيل النائب العام عشان ناخد أمر نهائي بالمنع من السفر وتجميد كل الأرصدة والعقارات قبل ما يحط إبرة في قش.”
وقفت وجويا طاقة عجيبة من الإصرار، مشيت وراه وثبت خطواتي. ركبنا العربية وعلى مدار الساعة دي مكنش فيه في دماغي غير صورة بنتي وهي بتسألني عليه، وإزاي إنسان ممكن يبيع ضحكة بنته عشان طمعه وجشعه.
دخلنا مبنى النيابة، وهناك كانت الحركة سريعة وخاطفة، المحامي قدم المستندات الأصلية وشهادة السكرتيرة اللي أثبتت نية الهروب والتسريعات اللي تمت في الخفاء. القاضي قرا الورق بعين فاحصة ومجرد دقايق، ورفع إيده ووقع بختم النسر على قرار منع من السفر فوري وتجميد شامل لكل الأصول والممتلكات والشركات المرتبطة باسمه، مع إخطار مصلحة الجوازات ومطار القاهرة الدولي حالاً.
خرجت من مكتب وكيل النائب العام ومعايا نسخة مصدقة من القرار، بصيت للسما وخدت نفس طويل حار، حسيت إن جبل كان على صدري وانزاح. فتحت تليفوني وكلمت المحامي وأنا ببتسم لأول مرة من سنين: “كده اللعبة انتهت يا محترم.. استعد، بكرة الخميس ميعادنا في المطار.”
………
يوم الخميس الصبح، الساعة كانت لسه مجاوزتش السابعة، وكنت واقفة قدام بوابة المطار ومعايا نسخة رسمية من قرار النائب العام ومذكرة تجميد الأصول، ومعايا ظابط مباحث تنفيذ الأحكام اللي المحامي نسق معاه من بالليل.
قلبي كان بيدق بعنف، وكل خطوة كنت بخطوها جوه صالة السفر كانت بتفكرني بكل سنة ضاعت، وبكل دمعة نزلت من بنتي وهي مستنية أب مكنش همه غير نفسه. بصيت للظابط وقلت بصوت حاسم: “متأكد إنه في الرحلة دي؟”
بصلي باهتمام وقال بثقة: “بيانات التحريات والتأكيد اللي جالي من المصدر صحيحة مية في المية، هو جوه في صالة كبار الزوار بيخلص إجراءات سفره ومعه شنطة السفر النهائية.”
مشينا بخطوات ثابتة لحد ما وصلنا لمنطقة الجوازات. وهناك، أول ما لمحته واقف قدام كاونتر السفر وماسك جواز سفره في إيده، حسيت الدنيا كلها وقفت. كان لابس بدلة شيك وواقف بكل غرور وثقة، كأنه رايح رحلة ترفيهية ومش هارب وفاره بفلوسنا وبدمار بيتنا.
الظابط تقدم منه بسرعة، حط إيده على كتفه وقال بصوت عالي نسبياً جاب آخر الصالة: “فلان الفلاني؟”
التفت بسرعة، ووشه اتصفر أول ما شاف الظابط، وعيونه اتسعت من الصدمة لما لمحني واقفة وراه ومثبتة عيني في عيونه. حاول يبتسم بسابتسامة مهزوزة وقال بصوت مرتعش للظابط: “في إيه يا باشا؟ أنا مسفر لظروف شغل!”
طلعت الورقة وختم النسر قدام وشه وقلت بصوت هادئ وقوي مفيش فيه أي رجفة: “الشغل خلص يا فلان.. والطيارة اللي هتركبها النهاردة مش بره البلد، دي للمحكمة عشان تحاسب على كل قرش سرقته.”
……..
الصدمة رسمت نفسها على وشه بكل تفاصيلها، حاول يتكلم، يبرر، أو يزعق زي ما متعود يعمل، بس الكلمات خانته واتبلع لسانه لما شاف أمين الشرطة بيتقدم منه وبيهمس في ودنه وهو بيقفل الكلبشات في إيده: “اتفضل معانا يا فندم، الرحلة اتأجلت والنيابة في انتظارك.”
الناس اللي كانت حوالينا في صالة السفر بدأت تبص وتهمس، بس أنا مكنش في عيني غير نظرة واحدة؛ نظرة الانتصار. بصيت له نظرة أخيره وهو بيتاخد قدام عيني، وقولت بصوت واطي لنفسي: “الظلم آخره خرائط مسدودة، وحق بنتي ودموعي ميروحوش هدر أبدًا.”
رجعت البيت في نفس اليوم، بس الإحساس كان مختلف تمامًا. فتحت باب الشقة ودخلت، لقيت بنتي لسه نايمة نومة هادية ومطمئنة. قربت منها، وبستها على جبهتها، وعدلت الغطا عليها، وحسيت ساعتها إن كاهلي اتخفف منه حمل السنين.
طلعت التليفون، وبعت رسالة قصيرة للمحامي: “تم بحمد الله.. بكرة نبدأ أول خطوة لإرجاع كل حق ضاع.”
ورد عليا برسالة كلها ثقة: “ومعاكي لحد ما ترجعلك كل حاجة، النوم بكرة هيكون طعمه تاني خالص يا مدام إنجي.”
قعدت جنب شباك أوضتي، بصيت للسما الصافيه، وابتسمت وأنا حاسة إن الشمس طلعت أخيرًا في حياتنا من جديد، وإن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد، وبدأنا نكتب من أول وجديد حياة تليق بينا وبكرامتنا.
تمت
حكايات انجى الخطيب