دكتوره نساء امانى سيد2

طول الليل، الشقة كانت عاملة زي المقبرة. الحاجة أمينة قافلة على نفسها أوضة الضيوف، ومريم في أوضتها بتسمع صوت خطوات كريم وهو رايح جاي في الصالة، بيكلم نفسه وبيشرب سجاير ورا بعض لحد ما الصالة اتملت دخان.

الساعة 8 الصبح بالدقيقة، جرس الباب رن.

دخل المعلم مصطفى، خال كريم، راجل ضخم ملامحه قاسية، ووراه الشيخ رضوان، كبير العيلة والراجل اللي كلمته سيف على رقبة الكل. ما حدش فيهم شرب حتى كوباية مية. المعلم مصطفى بص لكريم اللي كان واقف بهدوم البيت وعينه حمرا من قلة النوم، وقال له بلهجة مافيهاش نقاش:

ـ خمس دقايق والاقيك قدامي في العربية يا كريم.. وإلا قسماً بالله أطلعك بالبيجامة قدام العمارة كلها.

نزلوا التلاتة، ومعاهم الحاجة أمينة، وسابوا مريم في البيت.

في محل كماليات العربيات، المشهد كان مهين لأقصى درجة لكريم. صاحب المحل وقف يضحك بسخرية وهو بيبص للكاوتش والجنوط:

ـ يا حاج مصطفى، الكاوتش ده نزل على الأسفلت ومشي.. والجنوط اتركبت، يعني بقت مستعملة. أنا مش فاتحها جمعية خيرية، لو هرجعهم هخصم 20 ألف جنيه من تمنهم!

كريم وشه جاب ألوان، وحاول يتكلم:

ـ 20 ألف إيه؟ ده أنا لسه مركبهم أول امبارح!

رد المعلم مصطفى بحدة أسكتته:

ـ اخرس خالص! ما اسمعش صوتك.

لف لصاحب المحل وفاوضه لحد ما نزل الخصم لـ 15 ألف جنيه. المعلم مصطفى طلع رزمة فلوس من جيب الجلابية، كمل بيهم الـ 74 ألف جنيه كاملين، واداهم لأخته أمينة قدام عينين كريم اللي كان واقف زي التلميذ المذنب.

وقبل ما يركبوا العربية، المعلم مصطفى طلّع دفتر إيصالات أمانة من درج التابلوه، ورماه في حجر كريم.

ـ تمضي على الإيصال ده بالـ 15 ألف اللي دفعتهم من جيبي، وتدفعهم أول الشهر.. وإلا ورب الكعبة حبسك هيكون على إيدي مش إيد حد غريب.

مضى كريم وهو بيترعش، ورجعوا البيت بعد العصر.

كان متوقع إن مريم، بحكم العادة والأصول، تكون طابخة وليمة تستر بيها شكله قدام خاله والشيخ رضوان، خصوصاً إن دي أول مرة يدخلوا بيته من سنين. كان متخيل إنها هتخاف من الفضيحة وتلم الدور.

لكن مريم كانت بتحضّر العشا اللي وعدته بيه. عشا الشهود التلاتة.

الساعة 7 بالليل، قعد المعلم مصطفى، والشيخ رضوان، والحاجة أمينة، وكريم على السفرة.

مريم خرجت من المطبخ شايلة الصواني. حطت الأكل بهدوء وثبات.

بصل متقطع بخل.. عيش بلدي.. حلة رز مصري.. وطبقين كبار فيهم “عدس بجُبة”، وشوية بطاطس مسلوقة ومتحمرة في نقطتين زيت.

الصمت نزل على السفرة زي حجر تقيل.

كريم عينيه وسعت، ووشه احتقن بالدم. بص لمريم كأنه عايز يقتلها، وبص للأكل، وبعدين بص لخاله اللي كان رافع حاجبه باستغراب شديد.

المعلم مصطفى سأل بصوت خشن:

ـ إيه ده يا بنتي؟ هو كريم ما سابلكيش مصروف تجيبي بيه لحمة ولا فراخ وإحنا ضيوفكم؟

قبل ما كريم يفتح بقّه بحرف ليفضحها أو يبرر، مريم وقفت في مكانها، وحطت قدام المعلم مصطفى الآلة الحاسبة، وفوقيها إيصال بـ 1500 جنيه.

ـ ده مصروف البيت بتاع الشهر كله يا معلم مصطفى. كريم بيه، المدير اللي بيركب جنوط بـ 46 ألف جنيه من فلوس مرض أخته، سابلي أول البارح 1500 جنيه وقال لي دبري بيهم أكل وشرب وفواتير ومنظفات لمدة 30 يوم.. وقال لي أنا عايز آكل لحمة كل يوم.

الشيخ رضوان شهق بخفوت وبص لكريم بصدمة:

ـ 1500 جنيه إيه يا ابني؟ ده ما يجيبوش عشا ليلة واحدة لضيوفك! إنت بتستعبد البنت؟

كريم انفجر وحاول يقلب الترابيزة:

ـ إنتِ بتفضحيني قدام خالي يا مريم؟ إنتِ ست قليلة الأصل! أنا بحوش عشان مستقبلنا، أنا مرتباتي بتروح في التزامات الشغل!

هنا مريم ابتسمت ابتسامتها الباردة اللي بتجننه، ومدت إيدها في جيب الإسدال، وطلعت ظرف أبيض مقفول.

ـ التزامات الشغل؟ تصدق أنا كمان صدقت زيك كده يا شيخ رضوان؟ قولت يمكن مضغوط، يمكن عليه ديون.. لحد ما اكتشفت إن الجنوط دي ماكانتش بس عشان المنظرة الكدابة.

بصت لكريم في عينه، وكملت بصوت واثق:

ـ أنا ما فتشتش في جيوبك يا كريم، بس إنت من غبائك ناسي إن الإيميل بتاعك مفتوح على اللاب توب بتاعي من يوم ما كنا بنقدم على ورق الشقة دي.

كريم وشه بهت تماماً، وحس إن في ماء بارد اتدلق على ظهره.

فتحت مريم الظرف وطلعت منه ورقتين مطبوعين وحطتهم قدام الحاجة أمينة.

ـ كريم مش بس سرق فلوس عملية أخته عشان يركب كاوتش.. كريم كان بيحوش وبيستخسر في بيته اللقمة، عشان يدفع مقدم شاليه في الساحل باسم “ريهام”.. السكرتيرة الجديدة اللي اتعينت معاه في نفس القسم من 4 شهور.. واللي عقد الجواز العرفي بتاعهم مبعوت له سكانر على الإيميل عشان يراجعه!

الورق كان واضح.. والإمضاءات واضحة.

المعلم مصطفى وقف على حيله، والكرسي وقع وراه بكركبة مرعبة…

الكرسي لما وقع بكركبة في الصالة، الصوت يرّ في البيت كله زي الرعد.

المعلم مصطفى مسك كريم من ياقة قميصه بكل قوته، ورفعه عن الأرض وهو بيرتعش من الغضب.

ـ شاليه بريكام؟ وجواز عرفي من ورا أهلك ومراتك؟ ياللي ما فيكش ريحة الرجولة! بتجوع مراتك اللي صايناك 8 سنين وتسرق أختك العيانة عشان تصرف على واحدة السكرتيرة؟

كريم كان بيشهق، وشه أزرقّ من الخنقة، ويديه بتحاول تفك إيد خاله. بص لمريم بذهول وصدمة، مش مصدق إن مريم، الهادية الشاطرة اللي كانت بتسكت على أي حاجة، هي اللي تجهز للضربة القاضية دي وبكل البرود ده.

ـ يا خال.. افهمني.. الورق ده ملعوب فيه! دي مريم بتفبرك الشاتات عشان تنتقم مني!

ردت مريم وهي واقفة جنب السفرة، عينها ثابتة وصوتها زي الجليد:

ـ مفبركة؟ طب تحب أفتح الإيميل قدام الشيخ رضوان دلوقتي؟ ولا أطلب لك “ريهام” على السبيكر نبارك لها على مقدم الشاليه اللي اندفع من دم أختك ومن أكل البيت؟

الحاجة أمينة كانت قاعدة على الكنبة، حاطة إيدها على قلبها وبتتنفس بصعوبة. أختها العيانة في البلد، وابنها اللي كانت فاكراه سندها طلع حرامي وندل ومخبي عليهم بلاوي. بصت لكريم بكسرة نفس وقالت بصوت مبحوح:

ـ نزل إيدك منه يا مصطفى.. الراجل ده مابقاش لينا فيه حاجة.. ده نسى دينه وأصله وناسه.

المعلم مصطفى زق كريم بقوة، كريم وقع على السجادة وجنبه الآلة الحاسبة والإيصالات اللي اتطارت في الهواء.

وقف الشيخ رضوان، وهو بيسند دقنه على عصايته، وبص لكريم بقرف وقال له:

ـ يا بني.. ربنا قال: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”.. إنت لا عاشرت بالمعروف، ولا صنت الأمانة، ولا جيت على نفسك عشان أهلك. إنت أكلت الحرام وجوعت حلالك.

لف الشيخ رضوان لمريم وقال لها:

ـ يا بنتي.. حقك علينا كلنا. البنت الأصيلة اللي تصون بيتها 8 سنين وما تتكلمش، ما تتكافأش بكده. إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟ وكلمتك هي اللي تمشي.

مريم بصلتهم كبرياء.. ما نزلتش دمعة واحدة. خرجت من جيب الإسدال ورقة ثانية مطبوعة، بس المرة دي كانت من المحامي.

ـ أنا مش هرفع قضايا ولا هعمل فضايح في المحاكم يا شيخ رضوان. أنا شغال في أرشيف المكتبة، وبعرف أحفظ حقوقي كويس. كريم هيطلقني هدوء وبإحسانه.. وهينازل لي عن مؤخري، وعن الشقة دي بتمكين كامل.. أو الورق ده هيروح بكرة الصبح لمجلس إدارة شركة السيراميك اللي شغال فيها، ومعاه بلاغ للنيابة العامة بتهمة خيانة الأمانة واستيلاء على أموال أخته بمستندات التحويل.

كريم وقف على حيله، وشه مشوه بالغل والخوف:

ـ شقة إيه ومؤخر إيه؟ إنتِ تتجننتِ؟ الشقة دي أنا دافع فيها شقا عمري!

قاطعه المعلم مصطفى وهو بيقرب منه وبيشمر أكمام جلابيته:

ـ هتمضي وتتنازل يا كريم.. ورجلك فوق رقبتك! وإلا قسمًا بالله العظيم أطلعك من هنا على القسم، والإيصال الأمانة اللي معايا بالـ 15 ألف هسجنك بيه قبل ما تطلع الشمس!

كريم لقى نفسه محاصر من كل جهة. أمه بايعاه، خاله بيهدده بالسجن، كبير العيلة شايفه نذل، ومريم.. مريم اللي كان فاكرها ضعيفة ومستسلمة، طلعت معيدة شبكة محكمة تماماً وقافلة عليه كل منافذ الهروب.

قعد كريم على الكرسي بكسرة، مسك القلم بآيادي بترتعش.. ومضى على إقرار التنازل وعلى ورقة الطلاق الرسمي قدام الشيخ رضوان والمعلم مصطفى.

أول ما حط القلم على الترابيزة، مريم سحبت الورق بثبات، وبصت له وقالت:

ـ قدامك ساعتين تلم هدومك وحاجتك الشخصية من البيت وتطلع بره.. البيت ده مابقاش بيتك.

لكن كريم، وهو بيلم هدومه في الشنطة والغل بيحرقه، كان بيفكر في حاجة واحدة بس: “ريهام” والشاليه والشركة.. كان فاكر إنه لسه معاه كارت أخير ينقذ بيه اللي فاضل من حياته.. وماكانش يعرف إن مريم خبية له مفاجأة ثانية في الشغل بكرة الصبح، هتخليه يتمنى لو كان أكل العدس وسكت.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *