حكايه ماهر وهند 2
الجزء الأخير
الكاتبة ملك إبراهيم
سكتت ثانية، وبعدين قالت: “الحل عندي.”
ماهر رفع حاجبه.
“تتجوز.”
ماهر قام وقف وقال: “نعم؟ اتجوز؟ أمي، إنتِ بتهزري؟”
“اسمعني للآخر. هتتجوز هند.”
ماهر ضحك ضحكة خالية من الفرح: “المربية؟”
صفية وقفت قصاده وقالت: “أيوه المربية….. وعندي 3 أسباب.
أولاً، تحمي البت الغلبانة دي من أهلها الجعانين اللي عايزين يبيعوها.
ثانياً، بنتك. چودي لقت فيها أم. البنت نطقت اسمها قبل اسمك. عايز تقطع صلتها بيها وتردها للخرس تاني؟
ثالثاً، أنت. تتجوزها على الورق، تظهر بيها في مناسبة تبع الشغل، الناس تقول ماهر الصرفي فاق وبدأ حياة جديدة. ترجع هيبتك، وترجع شركتك، وتقطع لسان شريف واللي زيه.”
ماهر سكت. كلام أمه منطقي. بارد، عملي، زي الصفقات. مفيهوش ريحة مشاعر.
قال وهو باصص للشباك: “سيبيني أفكر للصبح.”
الفجر، ماهر نزل يشرب مية. لقى الصالون ضلمة إلا من نور أباجورة صغير.
چودي كانت نايمة على الكنبة، مقرفصة زي القطة، وراسها في حجر هند اللي نايمة على الأرض جنبها وساندة ضهرها على الكنبة. واضح إن چودي جالها كابوس وهند خدتها في حضنها وناموا مكانهم.
المنظر ده كسره.
الصبح، دخل على أمه وقال كلمة واحدة: “موافق.”
بعد ساعة، هند كانت قاعدة في الصالون قدام ماهر وصفية. وشها لسه مخطوف من خناقة خالها.
ماهر اتكلم، صوته كان زي التلج: “اسمعي. هنتجوز بكرة. بس في شروط.”
رفع عينه بص لها. عينه مفيهاش أي حاجة غير البرود.
“أولاً، أوضتك في الجناح الغربي. الجناح بتاعي خط أحمر. متقربيش منه.
ثانياً، ملكيش دعوة بشغلي، ولا بفلوسي، ولا بطلع إمتى ولا برجع إمتى.
ثالثاً، چودي أولويتك. أي حاجة تخصها تتعمل من غير ما ترجعيلي.
رابعاً، والأهم… متتعشميش في أي حاجة. لا كلمة حلوة، ولا معاملة أزواج، ولا قلب. أنا قلبي مات مع ندى. فاهمة؟”
كل كلمة كانت طوبة بتتبني بيها حيطة بينهم.
هند بصت لچودي اللي كانت صاحية وقاعدة جنبها، ماسكة في طرف عبايتها.
بلعت الغصة اللي في زورها وقالت بصوت واطي بس ثابت: “فاهمة يا باشمهندس. موافقة.”
صفية ضربت كف على كف وقالت: “لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يهدي سركم.”
تاني يوم، المأذون قاعد في الصالون. مفيش زينة، مفيش معازيم، مفيش فرحة.
ماهر لابس بدلة سودا، دقنه لسه طويلة بس متساوية. وشه زي الصخر.
هند لابسة فستان بسيط محتشم، لونه بيج. كانت حلوة، بس الخوف في عينيها طفى أي نور.
“قبلت زواجك يا ماهر.”
“قبلت زواجك يا هند.”
كلمتين باردين، خلصوا بيهم العقد.
ماهر مضى من غير ما يبص لها. هند مضت وإيديها بتترعش، ودمعة نزلت على الورقة بهتت الحبر.
الزغروطة الوحيدة اللي طلعت كانت طفولية ومكسرة.
چودي كانت واقفة ورا كنبة، شافت هند لابسة فستان حلو، وماهر قاعد.
جريت على هند، وحضنتها من رجلها، وبصت لماهر وقالت بصوتها الجديد اللي يدوب طالع: “بابا… ماما هند.”
وبعدين حطت إيديها الصغيرة على بقها وحاولت تطلع صوت، طلع متلخبط ومكسر: “لي… لي لي”.
محاولة زغروطة فاشلة، بس خلت قلب هند يتقطع.
الحاجة صفية دمعت وضحكت في نفس الوقت.
هند نزلت على ركبها وحضنت چودي وباست راسها.
ماهر بس اللي كان واقف، باصص لهند.
نظرة باردة، فاضية، مفيهاش حتى رفض. فيها فراغ.
كأنه بيبص على صفقة مضاها وهو خسران، بس مضطر.
ساب الصالون وطلع على جناحه، وقفل الباب وراه بالراحة.
صوت الباب وهو بيتقفل كان أعلى من الزغروطة الطفولية.
يتبع…
—
الفصل الرابع: كسر الجليد
البيت كان ماشي بقوانين ماهر. صمت، وبرود، وحدود. هو في جناحه، وهند في الجناح الغربي، وچودي بتتنقل بينهم زي فراشة خايفة. كتب الكتاب ما غيرش حاجة غير إن الدبلة بقت في إيد هند. بس الورق لما يتبل، الحبر بيسيح.
الساعة كانت تلاتة الفجر لما ماهر صحي على صوت باب جناحه بيتخبط بجنون. فتح لقاه هند، وشها مخطوف، وعينيها حمرا.
“چودي سخنة نار. جسمها بيغلي.”
ماهر قلبه وقع. جري وراها على أوضة البنت.
چودي كانت نايمة في السرير، وشها أحمر، ونفسها سريع، وشعرها الكيرلي لازق على جبينها من العرق.
ماهر وقف متسمر. اتشل. آخر مرة بنته تعبت كانت ندى اللي بتتصرف. هو كان كبيره يشيل ويجري على المستشفى. دلوقتي ندى مش موجودة، وهو مش عارف يحط إيديه فين.
“نطلب الدكتور؟ نروح مستشفى؟” صوته كان مهزوز.
هند ماردتش عليه. جريت على الحمام، ملت طبق مية فاترة بشوية خل، وجابت فوطة. قعدت على حرف السرير، وحطت الفوطة على راس چودي، وبدأت تمسح وشها وإيديها بالراحة. ريحة الخل الخفيفة ملت الأوضة.
“بسم الله الشافي. بسم الله الشافي.”
كانت بتوش وهي بتعمل كمدات، وبإيديها التانية ماسكة إيد چودي الصغيرة وبتضغط عليها.
ماهر فضل واقف عند الباب، حاسس إنه ضيف تقيل في مشهد مش فاهمه.
“أجيب لها خافض؟”
هند هزت راسها من غير ما تبص له: “اديتلها. هتنزل بالكمدات والدعا.”
وقعدت. طول الليل قاعدة. تقرأ قرآن بصوت واطي، وتبدل الفوطة كل شوية، وكل ما چودي تترعش من السخونية، هند تميل عليها وتطبطب على ضهرها.
على الفجر، الحرارة نزلت. چودي نفسها انتظم ونامت.
ماهر اللي كان رايح جاي في الطرقة زي المجنون، دخل الأوضة.
لقي هند نايمة على الأرض، ساندة راسها على حرف السرير، وإيديها لسه ماسكة إيد چودي. كانت مفرهدة، ووشها دبلان من السهر.
ماهر وقف لحظة يبص. المنظر ده عمره ما شافه. مش منظر مربية بتاخد مرتب. ده منظر أم.
شال خصلة شعر كانت لازقة على خدها وهو بيغطيها بالبطانية اللي على الكنبة، من غير ما يصحيها، وخرج ساكت.
لأول مرة يحس إن الأوضة الغربية اللي في آخر الجناح مش فاضية.
تاني يوم الضهر، تليفون ماهر مابطلش رن.
شريف بيتصل. السكرتيرة بتصرخ.
“يا باشمهندس، كارثة. صفقة أرض الساحل طلعت مضروبة. الورق مزور، والبنك حاجز على فلوس الشركة. الصحافة هتنشر بالليل.”
ماهر قفل السكة في وشه. الدنيا اسودت. الشركة. شقى عمره. اسم أبوه.
قام لبس أول بدلة وقعت في إيده، من غير ما يسرح دقنه ولا شعره. نزل جري، وساق العربية بنفسه لأول مرة من يوم الحادثة.
وصل الشركة. الموظفين كلهم بيبصوله. الراجل اللي مات رجع.
دخل مكتبه القديم. كل حاجة زي ما هي. اللوح، الملفات، وصورة ندى بالفستان الأصفر على المكتب.
قفل الباب، وسند ضهره عليه، ونزل على الأرض.
مسك الصورة وقال بصوت مكسور: “سامحيني. ضيعت كل حاجة. ضيعت البنت، وضيعت الشركة، وضيعت نفسي. كان لازم أموت أنا.”
دفن وشه في كفيه واترج. البرواز وقع من إيده على الأرض اتكسر مية حتة. بس الدموع مابتنزلش. قلبه متحجر من يومها.
الباب خبط.
“مش عايز أشوف حد!” زعق.
الباب اتفتح سنة، وإيد دخلت حطت ملف على المكتب واختفت.
ماهر رفع راسه. كان ملف صفقة الساحل، اللي نسيه في البيت.
قام يبص مين، ملقاش حد. بس على الملف، كانت محطوطة ورقة مرسومة بألوان شمع.
رسم چودي.
مرسوم فيها تلات أشخاص ماسكين إيدين بعض. واحد طويل ليه دقن، وواحدة صغيرة بشعر كيرلي، وواحدة لابسة طرحة. وتحت الرسمة، هند كانت كاتبة بخطها: “بابا + چودي + ماما هند”.
ماهر مسك الورقة، وعينه وقعت على التفصيلة. إيديه هو وهند ماسكين إيدين چودي في النص.
الورقة دي غرقته. الحبر كان بيسيح من عرقه، والورق اتبل.
رمى الورقة وقام زي المجنون.
ساق لحد المقابر.
وقف قدام قبر ندى. الرخام الأبيض مكتوب عليه “ندى كمال. أم چودي”.
نزل على ركبه، وصرخ بصوت خلع قلب التربي: “ليه؟ ليه سبتيهملي؟ ليه مأخدتنيش معاكي؟”
خبط بإيده على الأرض: “أنا اللي قت*لتها! كنت بكلمها، وسرحت ثانية. ثانية واحدة بس كانت كفاية أخسركم كلكم!”
كان بيكلم التراب، وبيكلم نفسه، وبيكلم ربنا.
حس بخطوات وراه. لف لقى هند واقفة بعيد، على أول الممر. صفية كانت كلمتها: “الحقينا يا هند، ماهر في المقابر ومش في وعيه”.
زعق فيها: “جيتي ليه؟ جاية تشمتي؟ جاية تشوفي الراجل المكسور؟”
هند قربت خطوتين، ووقفت. ماخافتش من صراخه. صوتها كان ثابت، ودافي زي كمدات امبارح.
“أنا مش جاية أشمت يا باشمهندس. جاية أقولك إنك غلطان.”
“غلطان؟ أنا اللي كنت سايق!”
“والقدر فين؟”
الكلمة خبطت فيه.
هند كملت: “لو كانت غلطتك لوحدك، كانت چودي ماتت معاها. بس ربنا سابها لك. سابها لك أمانة. وسابك ليها. عشان تعيشوا. مش عشان تندفنوا أنتو الاتنين بالحيا.”
ماهر بص لها، وعينه فيها نار ودموع محبوسة.
“بطلي كلام كتب. أنا اللي قت*لتها.”
هند بلعت ريقها وقالت: “طب قولي، ندى لو كانت مكانك، كانت هتعمل إيه؟ كانت هتموت نفسها على اللي فات، ولا كانت هتحضن بنتها وتكمل؟”
السؤال ده كسره.
ندى كانت هتحضن چودي. كانت هتعيش.
ماهر حط وشه بين كفيه، وجسمه كله اتهز.
ولأول مرة من يوم الحادثة، من 6 شهور و18 يوم، الدموع نزلت.
عياط راجل كبير، مكتوم، يوجع. عياط بيغسل 6 شهور سواد.
هند مقربتش. ممدتش إيدها. ماطبطبتش.
بس فضلت واقفة. جنبه. سند من غير ما تلمسه. سابته ينزل كل اللي في قلبه لحد ما صوته اتنبح وسكت.
بالليل، ماهر رجع الفيلا متأخر. هدومه عليها تراب المقابر، وعينه حمرا.
وهو طالع على جناحه، عدّى من قدام الجناح الغربي. باب أوضة هند كان موارب، والنور الخافت طالع.
وقف لحظة. سمع صوت واطي.
بص من فتحة الباب.
هند كانت ساجدة على سجادة الصلاة، وشها على الأرض، وكتفها بيتهز من العياط.
كانت بتدعي بصوت مسموع، مكسور: “يارب… يارب أنت العالم بحاله. يارب اشفه. اشفي قلبه واشفي بنته. يارب اجعلني سبب خير. سبب بس إنه يرجع يضحك، وإن البنت دي تنسى الوجع. يارب أنا ماليش غيرك، وهو وبنته مالهمش غيرك. حنن قلبه علينا، وحنن قلبنا عليه.”
ماهر اتسمر مكانه.
الكلام ده ماكانش ليه. كان لربنا.
بس هو سمعه.
سمع واحدة بتدعي له هو. الراجل اللي قالها “متتعشميش”، اللي قالها “قلبي مات”.
بيدعي له في سجدتها، وهي ماتعرفش إنه سامع.
لأول مرة من يوم ما دخلت بيته، ماهر شاف هند.
مش المربية. مش البنت الغلبانة. مش الصفقة اللي على الورق.
شاف واحدة شايلة همه، وهم بنته، وبتصلي عشانه.
سحب نفسه بشويش، وطلع على جناحه من غير ما يعمل صوت.
بس قلبه المتحجر، حس بيه لان أول مرة. حس إن في شرخ صغير، ونور بيتسرب منه.
يتبع…
—
الفصل الخامس: العودة
بيت مبني من جديد
ماهر صحي بدري. مش من الكوابيس، صحي عشان الشمس دخلت من الشباك اللي سابه مفتوح امبارح. بص في المراية. اللحية اللي كانت مغطية وشه شهور، شافها النهاردة تقيلة على قلبه.
فتح الدرج، طلع مكنة الحلاقة القديمة. وقف قدام الحوض، وشغل المية السخنة. صوت الموس وهو بيعدي على وشه كان زي ما يكون بيكحت السواد اللي على قلبه. مع كل طبقة بتقع، كان حاسس إنه بيرجع بني آدم.
خلص، بص لنفسه. ماكانش الوسيم بتاع زمان، كان في خطوط جديدة حوالين عينه، وشعرة بيضا طلعت في جنب راسه. بس كان هو. ماهر.
نزل تحت، لقى هند في المطبخ بتعمل فطار لچودي. أول ما شافته وقفت متسمرة.
“صباح الخير.” صوته كان لسه خشن من النوم، بس فيه حياة.
هند ابتسمت نص ابتسامة وقالت: “صباح النور يا باشمهندس. نورت.”
قعد على السفرة لأول مرة من شهور. شرب قهوة، وبص لها وهي بتسرح لچودي.
قال فجأة: “فاكر صفية قالت إنك خريجة تربية طفولة… وقفتي ليه؟ تحبي تكملي دراسة؟ ماجستير مثلاً؟”
المعلقة وقعت من إيد هند. بصت له كأنه بيتكلم عبري.
“أنا؟”
“أيوه إنتِ. لو حابة، الشركة تتكفل بالمصاريف. وده مش جميلة، ده حقك.”
ماردتش. عينيها لمعت. كمل فطاره وسابها متلخبطة.
بعد الضهر، كان في برج الصرفي. دخل الشركة، والموظفين كلهم وقفوا.
شريف كان قاعد في مكتبه، أول ما شافه وشه جاب ألوان.
ماهر مادالوش فرصة يتكلم. رمى ملف قدامه على المكتب.
“الشئون القانونية خلصت التقرير. دي استقالتك عشان أحمي اسمك، ودي صورة من عريضة البلاغ للنيابة العامة. اختلاس، تزوير، وإضرار متعمد بمال الشركة. الأمن مستنيك تحت. لو ممضيتش حالاً، البلاغ ده هيكون على مكتب النائب العام كمان ساعة. اختار.”
شريف قام مفزوع: “إنت اتجننت؟ أنا اللي شيلت الشركة على كتافي!”
ماهر قرب من وشه، وصوته واطي بس يخوف: “إنت اللي كنت هتدفنها. وكنت هتدفن بنتي معاك. امضي واخرج من هنا، ومش عايز أشوف خلقتك تاني غير في المحكمة.”
شريف مضى وهو بيترعش وخرج بيجر أذيال الخيبة، وماهر قعد على كرسيه. لف بيه وبص من الإزاز البانوراما. القاهرة كلها تحتيه. رجع.
بالليل في الفيلا، كانوا بيجهزوا أوضة چودي الجديدة. هينقلوها من أوضة البيبي لأوضة بنات كبيرة.
ماهر واقف في النص، الصنايعية حواليه.
شاور لهند وقال: “تعالي. تحبي ندهن الحيطة لون إيه؟”
هند اتفاجئت: “أنا؟”
“أيوه إنتِ. إنتِ اللي عارفة چودي بتحب إيه.”
قربت وهي مترددة، وقالت: “موف فاتح. چودي بتحب الفراشات.”
ماهر بص للصنايعي: “سمعت؟ موف فاتح، واطبع عليه فراشات.”
وبعدين مد إيده خد فرشة الدهان واداها لهند: “ابدئي إنتِ. دي مملكتكم.”
ماكانتش نظرة الورق المتبل. كانت نظرة اتنين شركا بيبنوا بيت.
عدى 3 شهور على جوازهم الحقيقي. في يوم، هند كانت قاعدة بتراجع كتب، لما حست بدوخة. التحليل قال كلمته: حامل.
بعد أسبوع، كانوا التلاتة في أوضة چودي الجديدة. السرير كبير، والحيطة موف بفراشات.
چودي نطت على السرير وهي لابسة بيجامة جديدة وقالت بصوتها اللي بقى أوضح كل يوم: “حدوتة! عايزة حدوتة قبل النوم.”
ماهر قعد على طرف السرير وقال: “أنا هحكي.”
هند ضحكت وقالت: “لا أنا. صوتك يخوف العفاريت.”
“نعم؟ ده أنا صوتي كان بيخلي ندى تنام في ثانية.”
أول ما قال اسم ندى، سكت. الغصة القديمة حاولت تطلع. بص لهند بخوف.
لكن چودي حطت إيدها الصغيرة على بقه وقالت ببراءة: “كمل يا بابا. ماما ندى كانت بتحب حواديتك.”
الجملة نزلت على قلبه زي المية الساقعة. هند ابتسمت بهدوء، ودمعة فخر نزلت من عينها. مفيش غيرة، مفيش ضيق.
ماهر خد نفس، وكمل: “كان يا ما كان، كان فيه أميرة صغيرة…”
چودي نامت قبل ما الأميرة تلاقي التاج.
الأوضة سكتت. نور الأباجورة خافت.
عين ماهر جت في عين هند من فوق راس چودي.
لأول مرة، مفيش حواجز. مفيش عقد. مفيش شروط. مفيش “باشمهندس” و”مربية”.
كان فيه راجل وست، تعبوا، واتكسر، وسندوا بعض لحد ما وصلوا هنا.
هند قامت بشويش، غطت چودي. ماهر قام وراها.
عند باب الأوضة، وقفوا.
ماهر مد إيده، صوابعه اتشنجت كأنه نسي إزاي يلمس حد، وبعدين لمس صوابع إيدها. لمسة خفيفة، بس كانت أول لمسة حقيقية.
همس: “شكراً… على كل حاجة.”
هند ماردتش. بس مسكت إيده، وشدت عليها.
وفي الليلة دي، الجناح الغربي مابقاش خط أحمر.
الحيطة اللي بناها في قلبه، وقعت.
واتجوزوا. بجد المرة دي. بفرحتهم هم، وبزغروطة صفية اللي كانت بتعيط، وبضحكة چودي اللي كانت شايلة الورد.
—
بعد سنة من جوازهم الحقيقي
الصحافة والكاميرات مالية المكان. مشروع “كمباوند ندى” السكني الجديد بيفتتحوه النهاردة. أكبر مشروع عملته الشركة من سنين.
ماهر واقف على المنصة، لابس بدلة كحلي، دقنه متحددة، وعينه فيها حياة.
مسك المايك وقال: “المشروع ده… على اسم أغلى الناس. على اسم البداية. ندى كمال الصرفي. كانت النور اللي دخل حياتي، وعلّمتني يعني إيه حب. ولو كانت هنا، كانت هتبقى فخورة.”
سكت لحظة، وبص للصف الأول.
“والنهاردة، أنا ممتن. ممتن للماضي اللي علمني، وممتن للحاضر اللي سندني. والمشروع ده شريكتي فيه قاعدة هناك.” وشاور بإيده ناحية هند.
الكاميرا سابته، وراحت على الجنينة.
چودي عندها 6 سنين دلوقتي. شعرها الكيرلي مربوط بفيونكة موف، ولابسة فستان أبيض. بتجري وبتضحك بصوت عالي، صوت مالى الدنيا. بتلعب مع بنت الجيران.
هند واقفة جنب الشجرة، لابسة فستان واسع، وإيديها على بطنها اللي بانت. في الشهر السابع. وشها منور، وجمالها بقى هادي وصافي.
ماهر نزل من على المنصة، شال چودي وحطها على كتفه، ولف بيها. چودي بتصرخ من الضحك: “بابا تاني! طيرني تاني!”
ماهر نزلها، وراح لهند. باس راسها قدام كل الناس، وحضنها من غير كلام.
الحاجة صفية واقفة بعيد، ساندة على عصاية، ولابسة عباية جديدة. كانت بتمسح دمعة فرح بتنزل غصب عنها، وبتتمتم: “الحمد لله. الميت الله يرحمه، والحي من حقه يعيش. وآدي الحي عاش، وأحلى عيشة.”
چودي جريت على الكاميرا اللي بتصور الحفلة. وقفت قدامها، نفشت فستانها، وشاورت على هند وماهر وقالت بكل ثقة، وبضحكة مالية وشها:
“دي ماما هند… وبابا رجع يضحك.”
الكاتبة ملك إبراهيم
تمت
—