ضرتي الكركوبه حكايات اسما السيد 3

الجزء الخامس
الساعة كانت لسه عشرة إلا ربع.
وكريم واقف قدام البرج الزجاجي الضخم.
رفع راسه وبص للشعار المعلق فوق المبنى.
“AIG Global Investments.”
الشركة دي…
كان بيحاول من سنتين يدخل معاها شريك.
لكن في كل مرة…
الرد كان بييجي بالرفض.
ابتلع ريقه.
وقال لنفسه:
— يمكن هما اللي يساعدوني.
دخل من الباب الرئيسي.
وأول ما وصل للاستقبال…
قال بثقة:
— أنا كريم المنصور… عندي اجتماع الساعة عشرة.
البنت على الريسبشن ابتسمت باحترام.
— طبعًا يا فندم.
ثانية واحدة.
بصت على الكمبيوتر.
ثم رفعت رأسها.
— اتفضل معايا.
ركب الأسانسير.
لحد الدور الأخير.
الباب اتفتح.
لقى ممر طويل مفروش بالسجاد.
وآخره قاعة اجتماعات ضخمة.
أول ما دخل…
اتفاجئ إن أكتر من عشرين مديرًا واقفين.
وكلهم لابسين بدلات رسمية.
لكن الغريب…
إن محدش بصله.
ولا حد رحب بيه.
كأن وجوده وعدم وجوده واحد.
فضل واقف محتار.
وفجأة…
سمع صوت السكرتيرة.
— رئيسة مجلس الإدارة وصلت.
كل الموجودين وقفوا مرة واحدة.
الباب الكبير اتفتح.
ودخلت ست لابسة بدلة بيضا أنيقة.
شعرها مرفوع.
وخطواتها ثابتة.
كريم اتسمرت رجله في الأرض.
— ليلى؟!
كانت ليلى.
لكن مش ليلى اللي سابها امبارح.
ولا ليلى اللي خرجت من الفيلا هدومها مبلولة.
دي كانت ست تانية.
كل واحد في القاعة وقف احترامًا ليها.
واحد من المديرين قال:
— صباح الخير يا فندم.
ردت بابتسامة بسيطة.
— صباح الخير.
عدت من جنب كريم.
ولا حتى بصت له.
كأنه موظف صغير.
وقعدت على الكرسي الرئيسي.
السكرتيرة بدأت الاجتماع.
— البند الأول…
إعادة هيكلة مجموعة المنصور.
كريم قام من مكانه.
— لحظة…
هو إيه اللي بيحصل هنا؟
كل العيون اتجهت ناحيته.
ليلى رفعت رأسها لأول مرة.
وقالت بهدوء:
— اقعد يا أستاذ كريم.
دورك لسه مجاش.
اتعصب.
— إنتِ بتلعبي إيه؟
أنا جاي أفهم.
قالت للمستشار حسام:
— عرفه بنفسك.
وقف المستشار.
وشغل الشاشة.
ظهر هيكل الشركات.
شركة فوق شركة.
لحد ما وصل لاسم:
“مجموعة المنصور القابضة.”
ثم ضغط ضغطة واحدة.
ظهر اسم الشركة المالكة.
AIG Global Investments.
ثم ضغط مرة تانية.
ظهر اسم المالك النهائي.
ليلى عبد الرحمن.
فضل كريم باصص للشاشة.
كأنه مش مستوعب.
همس:
— مستحيل…
دي مؤامرة.
المستشار مدله ملف.
— دي مستندات الملكية.
ودي موافقات هيئة الاستثمار.
ودي العقود الموثقة من خمس عشرة سنة.
فتح كريم أول ورقة.
لقى توقيع والده.
وفي آخر الصفحة…
جملة بخط إيده.
“أشهد أن ليلى هي المالك المسيطر على جميع الأسهم، وأني مجرد المدير التنفيذي حتى يحين الوقت المناسب.”
رجفت إيد كريم.
وقلب الورقة التانية.
لقى عقد جوازه.
وفيه بند غريب.
“لا يحق للزوج التدخل في ملكية الزوجة أو إدارة شركاتها.”
افتكر.
اليوم اللي اتجوز فيه.
المأذون طلب منه يوقع على ورق كتير.
وهو مضاش من غير ما يقرأ.
حس إن رجله مش شايلاه.
بص لليلى.
وقال بصوت مكسور:
— يعني…
كل ده…
كان بتاعك؟
ردت بهدوء:
— من قبل ما أعرفك بسنين.
— وأبويا؟
— كان أمين على حقي.
ولحد آخر يوم في عمره…
نفذ وعده.
قعد كريم على الكرسي.
أول مرة في حياته…
يحس إنه صغير.
قال بصوت واطي:
— ليه مخبيتيش الحقيقة؟
ابتسمت ليلى.
بس كانت ابتسامة كلها وجع.
— أنا مخبيتهاش.
إنت…
عمرك ما سألت.
كنت دايمًا مقتنع…
إن النجاح بتاعك.
وإن الست اللي في بيتك…
ملهاش غير المطبخ.
ثم فتحت درج المكتب.
وأخرجت فلاشة صغيرة.
وحطتها قدامه.
— دي تسجيلات الكاميرات.
بتاعة امبارح.
كل لحظة.
من أول ما دخلت الفيلا.
لحد ما سما دلقت عليا المية.
ولحد ما إنت وقفت تتفرج.
بلع ريقه.
مد إيده.
لكنها سحبت الفلاشة قبل ما يمسكها.
وقالت:
— لا…
دي هتشوفها في المحكمة.
ساد الصمت في القاعة.
ثم قالت للمحامين:
— اتفضلوا… ابدأوا الإجراءات.
في اللحظة دي…
أدرك كريم…
إن خسارته ما كانتش الشركة.
ولا الفلوس.
خسارته الحقيقية…
كانت الست الوحيدة…
اللي وقفت جنبه من أول يوم…
ولما احتاج منها الرحمة…
لقى بابها اتقفل.
الجزء السادس
خرج كريم من برج الشركة…
لكن المرة دي…
ما كانش نفس الشخص اللي دخله.
ركب عربيته…
وقعد أكتر من عشر دقايق ماسك الدريكسيون.
من غير ما يدورها.
كان باصص قدامه.
وصوت ليلى بيرن في ودانه.
“إنت عمرك ما سألت.”
الجملة دي…
كانت بتكسر فيه أكتر من أي إهانة.
افتكر أول سنة جواز.
لما كانت تقوله:
— تعالى نسافر يومين نريح.
كان يرد:
— أنا مش فاضي للكلام الفاضي ده… الشغل أهم.
افتكر لما كانت تيجي تديه رأيها في صفقة.
كان يضحك ويقول:
— إنتِ ست بيت… مالكيش في البيزنس.
وافتكر…
إن كل صفقة نجحت…
كانت بدأت بنصيحة منها.
لكن غروره…
كان بيخليه ينسب النجاح لنفسه.
—
رجع الفيلا.
دخل وهو ساكت.
سما أول ما شافته…
جريت عليه.
— عملت إيه؟
عرفت مين؟
كريم بصلها…
لكن لأول مرة…
ما شافش فيها الست اللي اتجوزها.
شاف السبب…
اللي خسره كل حاجة.
قال ببرود:
— اسكتي.
اتصدمت.
— نعم؟
— قلت اسكتي.
مش عايز أسمع صوتك.
حماته دولت خرجت من أوضتها.
— خير يا ابني؟
قعد كريم على الكنبة.
وحكى كل حاجة.
من أول لحظة دخل الشركة.
لحد ما شاف اسم ليلى على الشاشة.
كل كلمة كان بيقولها…
كانت بتنزل على دولت زي الصاعقة.
أما سما…
ففضلت تضحك.
ضحكة عصبية.
وقالت:
— لا…
مستحيل.
دي كانت قاعدة معانا في المطبخ.
بتعمل محشي.
إزاي تبقى مليارديرة؟
كريم بص لها باحتقار.
— لأننا كنا أغبيا.
مش هي.
—
في اللحظة دي…
رن جرس الباب.
دخل المحامي الشخصي للعيلة.
وشه كان شاحب.
قال:
— لازم نمشي من الفيلا.
دولت شهقت.
— نمشي؟!
المحامي فتح الملف.
— الفيلا مرهونة باسم الشركة.
والشركة خرجت من إدارتكم.
وأي ممتلكات مسجلة عليها…
هتتحجز.
سما صرخت.
— يعني هنترمي في الشارع؟
المحامي هز راسه.
— لو المحكمة أيدت القرارات…
أيوه.
دولت قعدت على الأرض.
وأول مرة…
بكت.
لكن كريم…
ما اتحركش.
لأنه كان عارف…
إن اللي بيحصل…
لسه البداية.
—
على الناحية التانية…
كانت ليلى في المستشفى.
الدكتور كان بيطمن على حملها.
ابتسم وقال:
— الحمد لله…
البيبي كويس.
لكن لازم تبعدي عن أي ضغط نفسي.
ضحكت بمرارة.
وقالت:
— هحاول.
خرجت من العيادة.
ولقت المستشار حسام مستنيها.
— يا فندم…
فيه خبر.
— خير؟
— كريم باعت يطلب يقابل حضرتك.
سكتت.
ثم قالت:
— رفض.
— بعت تاني.
— ارفض.
— وبعت معاه ورد.
ابتسمت بسخرية.
— يرميه.
المستشار قال:
— واضح إنه بدأ يندم.
ردت وهي بتمشي:
— الندم…
بعد ما تكسر القلب…
مالوش قيمة.
—
في نفس الوقت…
كانت سما قاعدة في أوضتها.
بتفتح الدولاب.
وتلم دهبها.
وشنطها.
وساعاتها.
دخلت عليها دولت فجأة.
— بتعملي إيه؟
قالت بسرعة:
— باخد حاجتي.
دولت شدتها من إيديها.
— يعني هتهربي؟
سما زقتها.
— كل واحد يشيل نفسه.
أنا مش هغرق معاكم.
دولت فقدت أعصابها.
وضربتها بالقلم.
سما ردت بقلم أقوى.
وفي ثواني…
الاتنين كانوا بيتخانقوا.
بيشدوا شعر بعض.
وبيكسروا الأوضة.
كريم دخل.
صرخ فيهم.
— كفاية!
وقفوا.
لكن سما قالت بمنتهى البرود:
— أنا غلطت…
لما اتجوزت راجل مفلس.
الكلمة نزلت على كريم كالنار.
قرب منها.
وبص في عينيها.
وقال:
— أنا اللي غلطت…
لما صدقت واحدة باعت نفسها عشان الفلوس.
سما شهقت.
— قصدك إيه؟
— قصدي…
إنك من النهارده…
مش مراتي.
اتجمدت مكانها.
— إنت بتهزر؟
— بكرة توصلك ورق الطلاق.
صرخت:
— بعد ما ضيعت حياتي؟!
قال ببرود:
— روحي دوري على غني غيري.
زي ما دورتي عليا.
خرج وسابها بتعيط.
—
بالليل…
كان كريم واقف قدام بيت صغير.
أول مرة ييجي المكان ده.
بيت أم ليلى.
فضل واقف قدام الباب.
ومتردد يخبط.
لحد ما الباب اتفتح.
وخرجت والدة ليلى.
أول ما شافته…
عرفته.
لكن وشها اتغير.
قالت بحدة:
— جاي ليه؟
نزل راسه.
وقال لأول مرة في حياته:
— عايز أشوف ليلى.
ردت من غير تفكير:
— بنتي ماتت بالنسبالك…
يوم ما وقفت تتفرج عليها…
وهي حامل…
والناس بتهينها.
وقبل ما يقفل الباب…
قال بصوت مكسور:
— بالله عليكي…
قوليلها إني عايز أعتذر.
ردت الأم وهي بتبصله باحتقار:
— الاعتذار…
كان ينفع…
قبل ما تخسرها.
أما دلوقتي…
فإنت مجرد واحد…
بيتمنى يرجع الزمن…
وده عمره ما هيحصل.
وقفلت الباب في وشه.
فضل كريم واقف مكانه…
لحد ما نزل المطر.
وهو لأول مرة…
ما حاولش يستخبى.
كان حاسس…
إن كل نقطة مطر بتنزل عليه…
أهون بكتير…
من الإحساس بالذنب اللي بيحرقه من جوه.
وفي نفس اللحظة…
كانت ليلى واقفة في شباك أوضتها.
شايفاه من بعيد.
وشايفة انكساره.
حطت إيدها على بطنها.
وهمست للجنين:
“أبوك عرف قيمتنا…
بس متأخر أوي.”
ونزلت دمعة هادئة من عينها…
لكنها مسحتها بسرعة.
لأنها كانت تعرف…
أن القادم…
هيكون أصعب على الجميع.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *