اشتريت نفسي الجزء الأول بقلم نورهان العشري2

اشتريت نفسي الجزء الثاني بقلم نورهان العشري ❤️

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “عايز يطلق!”

أمي صرخت وضربت على صدرها:

“يطلق؟! بعد ما أهانها وضربها بدل ما ييجي يصلح غلطته عايز يطلق؟! هو فاكر بنات الناس لعبة في إيده وإيد أمه؟!”

في اللحظة دي، بالرغم من الصدمة اللي شلت حركتي وبالرغم من الوجع اللي حسيت بيه و إن روحي بتتسحب مني إلا إن في حاجة جوايا اتدب فيها الروح.. الوجع اتحول لكتلة نار، والدموع اللي كانت مغرقة عيني نشفت فجأة. بصيت لعمي علي ولقيت نفسي بقوم أقف بثبات مكنتش أعرف إنه جوايا، وبصوت قوي، خالي من أي رجفة، قولتله:

“كويس أنه قالك كدا. قوله كتر خيرك.. و قوله بتقولك وفرت عليها القضايا. يجهز نفسه عشان نروح للمأذون نطلق رسمي طلاق مفيش منه راجعه.حكايات نورهان العشري

الشارع كان زحمة، بس مكنتش مركزة غير مع صوت دقات قلبي اللي كانت بتضرب في صدري زي الطبلة. كنت ماشية جنب بابا خطوة بخطوة، نفس الخطوات اللي مشيناها من 8 سنين وأنا طايرة من الفرحة ومكسوفة وعيني مش نازلة من عليه.. بس المرة دي كنت بصه قدامي. راسي مرفوعة، ضهري مفرود، ولابسة نضارتي الشمس عشان أداري أي أثر للوجع.

جواد كان ماشي قدامنا ببدلته الميري، هيبته اللي كانت بتخليني زمان اترعش من كتر الاعجاب مأثرتش فيا النهاردة. كنت حاسة بنار بتاكل فيا نار الكسرة، ونار الـ 8 سنين اللي ضاعوا هدر، بس حلفت ميت يمين ولا دمعة تنزل.. ولا دمعة تخليه يحس إنه لسه كاسرني.

دخلنا مكتب المأذون. الأوضة كانت ضيقة، ريحة الورق القديم والخشب مالت المكان. قعدت على الكرسي بكل برود، وحطيت رجل على رجل. جواد قعد قصادي، وعينيه كانت بتتحرك عليا بـ دهشة مكنش قادر يخبيها. هو كان متوقع إيه؟ متوقع إني هنهار؟ هعيط؟ هترجاه عند رجله عشان خاطر العيال وعشان خاطر حلم طفولتي؟

المأذون بدأ يجهز الورق، وطلب بطاقتي. مدت مأيدي بكل ثبات وادتهاله. لما جه وقت الإمضاء، مسكت القلم بـ إيد ثابتة، إيد مهتزتش لثانية واحدة، ومضيت بسرعة وكأني بمضي على عقد بيع شقة مش عمري!

بعد ما مضيت، نزلت القلم بهدوء، وسندت ضهري لورا، وبصيت في عينيه.. بصيتله بـ جمود و هدوء قا.تل، عين في عين، ومستنياه ينطق. مستنياه يرمي اليمين اللي كان فاكر إنه سيف على رقبتي.

جواد كان وشه بيجيب ألوان، الغضب والدهشة والاستنكار كانوا باينين في حواجبة المعقودة ونفسه العالي. نظراتي الباردة كانت بتدبح كبريائه كـ ظابط راجل متعود الكلمة كلمته. حكايات نورهان العشري

في اللحظة دي، عمي علي اللي كان قاعد جمبنا وبيهز في رجله بتوتر، مقدرش يستحمل الصمت المشحون دا، فك ياقة قميصه واتدخل بصوت مخنوق:

“يا ولاد.. استهدوا بالله، أن أبغض الحلال عند الله الطلاق.. فكروا كويس، في بينكم عشرة وأولاد، والبيوت مبيتهدش بالسهولة دي.”

قبل ما جواد حتى يفتح بوقه أو يفكر، رديت بلهفة وجمود، كلام طلع زي الرصاص قاطع لكل حبل رجوع:

“النصيب اتقطع لحد كدا يا عمي.. خلينا ننفصل وكل واحد يعيش حياته صح، ويعرف يلحق اللي فاته!”

حسيت أن كلمة “يلحق اللي فاته” نزلت على جواد زي الكر.باج. الكلمة استفزته لدرجة إنه اتنفض في مكانه، وعينيه بقت تطلع شرار. هو فهم كويس أنا قاصدة إيه.. قاصدة إني كنت عايشة في سجن، وإني ندمانة على كل ثانية ضيعتها معاه، وإني هبدأ أعيش بجد بعد ما اخلص منه. حكايات نورهان العشري

جواد حس إن كرامته اتهانت في مق.تل، مكنش قادر يستوعب إن “ولاء” الجارية اللي كانت بتدور في فلكه، هي اللي مستعجلة على الخلاص. حبس غضبه المكتوم، ومكنش قادر يقلل من نفسه أو يبان ضعيف أو مك.سور قدام عمي والمأذون.

بصلي بنظرة كلها غل وقسوة، وضغط على سنانه لدرجة إن عروق رقبته ظهرت، وبصوت جهوري طالع من قاع قهر كبريائه قال:

“أنتِ اللي اخترتِ يا ولاء.. وأنتِ طالق.”

الكلمة طلعت منه.. رنت في ودني، هزت الجدران، بس مهزتش فيها شعرة. فضلت باصة في عينيه بنفس الابتسامة الباردة الساخرة، وقمت وقفت، ولميت حاجتي، وبصيتله النظرة الأخيرة وقُلت في سري:

“عهد عليا يا جواد.. هخليك تندم ندم عمرك. حكايات نورهان العشري

عدا شهر.. شهر كامل وأنا حابسة نفسي في الأوضة. الحيطان كانت بتضيق عليا، والليل كان بيمر عليا زي الموت البطيء. الشهر دا كنت بنام والدموع على خدي، وأصحى ألاقيها غرقت مخدتي من تاني. الوجع مكنش بيهدا، كان زي جمرة نار قايدة في نص صدري، كل ما أقول انطفت، تفتكر عيني لقطة القلم، أو رنة كلمته “أنتِ طالق”، فـ تولع من جديد. كنت ببص لنفسي في المراية وأحس بالشفقة والخزي، 15 سنة حب و8 سنين جواز خلصوا في قعدة مأذون مكملتش ربع ساعة!

وفي يوم، الباب خبط ودخل بابا. قعد جمبي على السرير، وبص في وشي الدبلان وعيني المنفوخة من العياط. خد إيدي بين إيديه وطبطب عليا بحنان أب عاش عمره كله يربيني عشان يشوفني ملكة، مش مكسورة بالمنظر دا. حكايات نورهان العشري

بابا اتنهد تنهيدة شايلة هموم الدنيا وقال بصوت قوي وفيه عشم:

“لحد امتى يا ولاء؟ لحد امتى هتفضلي دافنة نفسك بالحيا عشان خاطر واحد ميستاهلكيش؟ أنتِ بنتي أنا، ولاء الشاطرة، الذكية، اللي كان الكل بيحلف بأدبها وعقلها. فوقي يا بنتي وقومي على حيلك، الوجع مش عيب، بس الاستسلام ليه هو اللي غلط. أنتِ معاكي شهادة كبيرة، ليسانس حقوق يعني تقدري تقفي في المحاكم وتجيبي حق المظلومين، فما بالك بحقك أنتِ؟”

بصيتله وعيني اتملت دموع، لكنه ضغط على إيدي وقال بابتسامة فخر:

“أنا مسبتكيش الشهر اللي فات دا عشان تضيعي، أنا كنت برتبلك للي جاي. كلمت المستشار فريد المنشاوي، صاحبي المحامي الكبير اللي مكتبه له اسمه في البلد، وحكيتله عنك والراجل رحب جداً وقالي خليها تيجي من الأسبوع الجاي تبدأ تدريب معايا في المكتب. عايزك تقوي يا ولاء، وتوري الدنيا كلها أنتِ مين.” حكايات نورهان العشري

كلام بابا حسيت إنه زق فيا روح جديدة، روح كانت بتموت وبتطلع في الروح. وقبل ما استوعب، الباب اتفتح ودخلت أختي “منى”. كانت شايلة شنطتها وفي عينيها نظرة إصرار وتحدي، قربت مني وشدتني من إيدي وقالت بصوت كله طاقة وفرحة مصطنعة عشان تخرجني من اللي أنا فيه:

“يالا يا لولو، مفيش قعاد في الأوضة تاني! قاطعين تذاكر للدنيا من النهاردة. يالا بينا هننزل نعمل شوبينج لسيادة المحامية، ومنها نطلع على البيوتي سنتر نعمل نيولوك يغير المود دا خالص.. مش عايزة اعتراض، يالا قومي اغسلي وشك!”

فعلاً، نزلت معاها وكأني منقادة، كنت ماشية في المحلات وسط الهدوم والألوان، أختي تنقي وتختار وتقولي “دا هيليق عليكي” و”دا لونه يجنن عليكي”. اشترينا هدوم كتير أوي، بدل فورمال، وفساتين، وحاجات مكنتش بجرؤ ألبسها وأنا مع جواد عشان مكنش بيحبني ألفت النظر. حكايات نورهان العشري

وبعدها دخلنا الكوافير. قعدت على الكرسي والمراية قدامي، وبدأت الكوافيرة تشتغل في شعري. قررت أغير كل حاجة.. غيرت لون شعري لدرجة دافية تليق على بشرتي السمرا اللي حماتي و بناتها كانوا بيعايروني بيها، وقصيت أطرافه المجهدة من الهم.

وأنا باصة لنفسي في المراية بعد ما خلصت.. الشكل كان مبهر. كنت جميلة، بجد جميلة، والنيولوك مغير ملامحي ومخلياني قوية و واقفة في نفسي. منى كانت ورايا بتقولي:

“بسم الله ما شاء الله، قمر يا ولاء، قمر!”حكايات نورهان العشري

ابتسمت لأختي في المراية، ابتسامة مرسومة بدقة.. بس الحقيقة؟ الحقيقة إن الوجع جوه قلبي كان لسه كبير أوي أوي أوي. كان وجع ملوش علاقة بالهدوم الجديدة ولا بلون الشعر. كان وجع على الروح اللي اتهانت، على السنين اللي اتسرقت، على الخد اللي علم عليه قلم الغدر. كنت حاسة إن شكلي من بره بقى كله قوة و ثقة بس من جوه.. أنا لسه بنزف ومكسورة.

أنا هبتدي حياتي. بس قلبي لسه كان بينبض بـ قهر وشجن ميعلمش بيه إلا ربنا. مشيت مع أختي وأنا بجر رجل بره ورجل جوا الماضي لسه بس كان في حاجة واحدة أكيدة.. الخطوة اللي جاية مش هتبقى خطوة رجوع، دي خطوة بداية الحر.ب اللي هخليه يندم فيها على كل لحظة وجع عيشنى فيها.حكايات نورهان العشري

مر شهر كامل على وجودي في مكتب المستشار فريد المنشاوي. شهر كنت برمي فيه نفسي وسط القضايا، والمحاضر، وكتب القانون، بهرب من وجع قلبي للشغل لحد ما عيني تغفل من التعب. و النيولوك الجديد البدلة الفورمال والنيولوك الجديد والوقفة الثابتة بقوا سلاحي قدام الدنيا.

وفي يوم، كنت نازلة من التاكسي ورايحة على المكتب، الشارع كان زحمة والجو حر. وأنا بعدي الرصيف، عيني جت في عينه صدفة.. جواد!

كان واقف جمب عربيتة بيتكلم في الموبايل ببدلته الميري. أول ما عينه جت عليا، الموبايل نزل من على ودنه ببطء، وملامحه اتصلبت. الصد.مة شلته في مكانه. تاهت عينيه في شكلي الجديد؛ شعري اللي لونه اتغير، لبسي الأنيق، النضارة الشمس، والمشية الواثقة اللي مفيهاش ذرة انكسار. كان باصصلي وكأنه بيشوف واحدة تانية خالص غير “ولاء” اللي سابها من شهرين بتبكي دم، حكايات نورهان العشري

قلبي دق بسرعة البرق، وحسيت بنغزة ووجع عصرني من جوا بس في ثانية، افتكرت القلم والمهانة. رفعت راسي، ثبت نظرتي، وبصيتله بنظرة باردة، خالية من أي مشاعر.. نظرة غريب بيعدي جمب غريب. مدتلوش وش ولا حتى هديت خطوتي، كملت طريقي وسبته واقف مكانه ورايا وعينيه هتطلع عليا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *