روايه عطر وياسين
عطر اتجوزت وهي لسه بنت صغيرة…
ستاشر سنة، لسه صوتها فيه بحة طفولة، ولسه الدنيا كلها قدامها أسئلة مش فاهمة إجاباتها.
الجواز جه بسرعة، زي حاجات كتير بتحصل في بيوت العيلة
ابن عمها… شاب مسافر، “مستقبله بره”، والجوازة كانت أكتر اتفاق عائلي منها اختيار قلب.
ليلة الفرح خلصت،
وبعدها بأيام قليلة…
سافر.
سافر قبل ما يعرفها،
قبل ما تقعد قدامه وتحكي،
قبل ما يحس إنها مش مجرد “عروسة”،
دي روح بتكبر.
وعطر فضلت.
سبع سنين عدّوا.
سبع سنين وهي بتكبر لوحدها.
تتعلم، تفهم، تتوجع، تقف على رجليها.
كانت كل سنة بتعدي بتشيل من وشها ملامح الطفلة
وتحط مكانها نظرة أهدى، أعمق.
مش جمال بس… نُضج.
كبرت وهي متجوزة على الورق،
لا مطلقة ولا زوجة بجد.
اس,مها مربوط باس,م حد مش موجود.
كانت بتقف قدام المراية أحيانًا،
تبص لنفسها وتستغرب: “دي أنا؟”
بقى عندها رأي،
بقى عندها صوت،
وبقى عندها قلب يعرف يعني إيه يختار.
—
وفي يوم…
رجع.
دخل البيت اللي سابه من سبع سنين
وهو فاكر إنه هيلاقي نفس الطفله اللي اتجوزها عشان يرضي أبوه .
لكن اللي شافها… كانت بنت جميلة مكتملت الانوثه.. تسحر اي عين تشوفها.
عطر كانت حاسه ان قلبها هيخرج من مكانه.. جوزها رجع بعد السنين دي وبقى قدامها أخيرا.
ياسين كان واقف قدامها، متلخبط. مش عارف يقول إيه.
معقول السبع سنين تتغير كده..
كان بيكدب عيونه وبيقول لنفسه يمكن مش هيا..لحد ما س,مع اس,مها.
صوت مرات عمها بتنادي عليها: تعالي يا عطر عشان نجهز الاكل.. جوزك زمانه علي وصول.
أتأكد ان هي عطر مراته.. اللي كان جاي وناوي يتكلم مع ابوه في موضوع طلاقها.. كان شايف ان هو دكتور ناجح ومشهور ودرس في الخارج.. وهي بنت فلاحة بسيطة يتيمة اتربت في بيت عمها.. كان فاكر انها جاهلة وميعرفش انها هتبقى دكتورة زيه.
قربت منه وسلمت عليه بثبات: إزيك يا ابن عمي.. حمد لله على سلامتك.
اتصد,,م من جمالها وصوتها الرقيق
ومن ثباتها.
من الطريقة اللي بتتكلم بيها.
من إن عينيها ما كانتش بتدور عليه،
كانت ثابتة على نفسها.
قال اس,مها: “عطر…”
ردت ببساطة: “أيوه عطر .”
وارتفع صوتها وهي بتقول: الدكتور ياسين رجع يا مرات عمي.
—
بعد وقت في بيت الحاج حمدان الهلالي
البيت كان هادي زيادة عن اللزوم.
الهدوء اللي بيبقى قبل الكلام التقيل.
ياسين كان قاعد قدام أبوه، ضهره مستقيم، هدومه شيك، ساعة غالية في إيده، وشه ملامحه متغيرة… مش متوتر، لا، أقرب لواحد حس,م قراره.
الحاج حمدان حط الشاي قدامه وقال: – اشرب يا ياسين… شكلك جاي من السفر وجواك كلام كتير .
ياسين ما مدّش إيده.
فضل ساكت شوية، وبعدين قال: – يا بوي… أنا عايز أتكلم معاك في موضوع مهم.
الحاج حمدان رفع عينه وبصله بتركيز: – خير يا دكتور؟
ياسين أخد نفس طويل: – أنا… عايز أطلق عطر.
الكوباية وقفت في نص السكة.
الحاج حمدان ما شربش، بس نزلها على الترابيزة ببطء.
– تطلّق مين؟
– عطر… بنت عمي.
سكت البيت كله.
حتى الساعة اللي على الحيطة صوتها بقى أوضح.
الحاج حمدان اتكلم بصوت واطي، بس حاد: – وده كلام يتقال كده عادي؟ بعد سبع سنين جواز؟
ياسين حاول يبقى هادي: – يا بوي اس,معني للأخر.
– اتفضل… س,معني.
ياسين اتنهد: – أنا دلوقتي دكتور معروف، اس,مي بقى تقيل، وبقيت أتعامل مع ناس من مستوى تاني… مؤتمرات، سفر، علاقات.
الحاج حمدان ضم حواجبه: – وبعدين؟
– وبصراحة… عطر مبقتش مناسبة ليا.
الكلمة نزلت زي السكينة.
– إزاي يعني؟
– يعني يا بوي… عطر بنتي عمي جاهلة ومش مكمله تعليمها، عمرها ما عاشت اللي أنا عشته، ولا شافت اللي شوفته.
أنا محتاج واحدة… شبهي، تناسب مكاني.
الحاج حمدان ضـ,ـرب بعصايته الأرض: – مكانك؟!
وانت كنت إيه لما اتجوزتها؟!
– وانت اللي سيبتها طفلة وسافرت!
سبتها تكبر لوحدها وانت بتبني نفسك!
ياسين ضاق ص.دره: – أنا ما ظلمتهاش… أنا ما قربتلهاش.
– وكده تبقى عملت إيه يعني؟
سيبتها لا متجوزة بجد ولا مطلقة!
ناس تسأل: جوزك فين؟
وهي تسكت.
ياسين بص بعيد: – أنا شايف إن الطلاق أرحم.
– أرحم لمين؟ ليك؟
سكت.
الحاج حمدان كمل بصوت موجوع: – عطر استحملت، كبرت، شالت اس,مك، حافظت على بيتك…
وتيجي دلوقتي تقول “مش على مقاسي”؟
ياسين وقف: – أنا مش هعيش عمري كله مجاملة.
– وانت فاكر الجواز قميص يتفصّل على مزاجك؟
دي بني آد,,مة يا ياسين!
—
وراء الباب…
كانت عطر واقفة.
كانت طالعة تجيب ميه.
س,معت صوتهم ووقفت من غير ما تقصد.
وأول ما س,معت اس,مها…
قلبها وقع.
“مبقتش مناسبة ليه”
“مش على مقاسي”
حست إن السبع سنين اتحطّوا في جملة واحدة واتمسحوا.
إيديها كانت بترتعش،
بس د,,موعها ما نزلتش.
قالت في سرها: أنا فعلاً مش على مقاسك…
أنا أكبر.
رجعت خطوة ورا بهدوء
من غير صوت
ومن غير ما حد يحس.
دخلت أوضتها،
قفلت الباب،
وبصت لنفسها في المراية.
كانت شايفة ست…
مش البنت اللي اتجوزت وهي مش فاهمة.
ابتس,مت ابتسامة خفيفة، فيها وجع وفيها قوة: – خلاص يا عطر…
إنتِ س,معتي اللي يكفي.
الفصل التالت
باب الأوضة اتفتح بهدوء.
ولا صوت كعب، ولا حركة متوترة.
عطر خرجت.
كانت واقفة مستقيمة، كتافها مرفوعة، وشها هادي بشكل يخوّف.
الهدوء اللي بييجي بعد قرار اتاخد.
ياسين كان لسه واقف قدام أبوه،
والحاج حمدان باصص في الأرض، متقل عليه السنين فجأة.
عطر قربت خطوتين وقالت بصوت واضح: – مساء الخير.
الاتنين لفّوا في نفس اللحظة.
ياسين اتجمد.
مش متوقعها.
ولا متوقع النظرة دي.
الحاج حمدان اتلخبط: – عطر… إنتِ كنتي فين؟
ابتس,مت ابتسامة خفيفة: – كنت في أوضتي… وس,معت بالصدفة.
الصمت نزل تقيل.
بصّت لياسين مباشرة، من غير خوف: – س,معت كل حاجة.
ياسين حاول يتماسك: – وإنتِ واقفة تس,معي من ورا الباب؟
– لا…
كنت واقفة أس,مع حقي.
لفّت وشها للحاج حمدان: – يا عمي… أنا جاية أطلب منك طلب.
الحاج حمدان حس إن قلبه هيقع: – اتفضلي يا بنتي.
عطر أخدت نفس: – أنا عايزة أطلق من ياسين.
الكلمة طلعت ثابتة،
ولا رعشة،
ولا د,,معة.
ياسين اتصد,,م: – نعم؟!
كملت بهدوء: – أنا مش حاسة إننا مناسبين لبعض.
ياسين ضحك ضحكة قصيرة مستفزة: – بعد ما س,معتي كلامي… قررتي تعملي نفسك قوية؟
عطر بصتله ببرود: – لا…
أنا قررت ده قبل ما أس,معك.
بس كلامك أكدلي.
الحاج حمدان حاول يدخل: – يا عطر… استني، الكلام ده يتفكر فيه.
– فكرت فيه سبع سنين يا عمي.
رجعت تبص لياسين: – إنت أكبر مني بعشر سنين.
كبرت، اتعلمت، سافرت، عشت حياتك…
وأنا كنت واقفة في مكاني مستنياك.
صوتها كان هادي،
بس كل كلمة كانت بتلسع.
– دلوقتي؟
أنا كمان كبرت.
وبقيت أعرف يعني إيه راجل يناسبني…
ويعني إيه واحد لأ.
ياسين وشه احمر: – لأ…
استني هنا.
إنتِ فاكرة نفسك بتتكلمي مع مين؟
– مع جوزي…
اللي أنا طالبة الطلاق منه.
وقف فجأة، قرب منها خطوة: – لأ يا عطر.
أنا اللي أطلق، مش إنتِ.
وإنتِ مش هتطلعي من الجوازة دي.
رفعت حاجبها بهدوء: – غصب؟
– لأ…
عناد.
قرب أكتر، صوته بقى أوطى: – إنتِ فاكرة لما أقول إني مش مناسبك يبقى خلاص؟
لا يا عطر…
أنا مش هطلقك.
اتصد,,مت…
مش من القرار،
من النبرة.
قال بحدة: – أنا قررت أكمّل الجواز.
وهنبدأ من جديد.
الحاج حمدان زعق: – ياسين!
إنت اتجننت؟!
ياسين ما شالش عينه من عطر: – لا…
أنا اتجرحت.
عطر ابتس,مت…
ابتسامة وجع.
– غريبة.
أنا اللي عشت سبع سنين مهملة،
وأول مرة أختار نفسي…
تبقى إهانة؟
قربت منه خطوة: – إنت مش عايزني علشان بتحبني…
إنت عايزني علشان ما تحسش إنك اتكسرت.
الكلمة ضـ,ـربته في قلبه.
قال بعناد: – مهما كان السبب…
إنتِ مراتي.
– على الورق.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بثقة: – بس خلي بالك يا ياسين…
أنا مش البنت اللي سافرت وسِبتها.
وأي جوازة هتتفرض عليا…
أنا اللي هقفل بابها.
لفّت وشها ومشيت.
سيبت وراها
راجل لأول مرة يحس
إن السيطرة بتفلت من إيده.
والحرب…
لسه ما بدأتش.
—
الفصل الرابع
الحاج حمدان كان واقف ساكت،
عيونه رايحة جاية بين باب الصالة اللي خرجت منه عطر
وبين ياسين اللي واقف مشدود، عناده سابق عقله.
قال بصوت تقيل: – على فكرة يا ياسين…
في حاجة إنت ما تعرفهاش.
ياسين لفله بنفاد صبر: – إيه كمان؟
الحاج حمدان قرب خطوة، وبصله في عينه: – عطر بتدرس في كلية الطب.
الكلمة نزلت فجأة.
ولا تمهيد… ولا رحمة.
– إيه؟!
– زي ما س,معت.
طب بشري.
سنة رابعة.
ياسين حس إن الأرض مالت تحته: – طب؟!
إزاي؟
وإمتى؟
– وإنت مسافر.
وإنت مشغول بنفسك.
وإنت فاكر إن الزمن واقف مستنيك.
ياسين بلع ريقه: – يعني…
هتبقى دكتورة؟
– أيوه.
ودكتورة شاطرة كمان.
ضحكة قصيرة طلعت من ياسين، بس كانت مليانة غيظ: – لا…
واضح إنها لعبتها صح.
الحاج حمدان انفجر: – لعبتها؟!
دي بنت اجتهدت، تعبت، سَهرت، درست!
وإنت جاي تقلل منها؟
ياسين ما ردش.
لفّ ومشي بسرعة،
والغضب سابقه.
—
عطر كانت في أوضتها.
قاعدة على السرير،
إيديها متشابكة،
قلبها لسه بيدق بسرعة.
فجأة…
الباب اتفتح بعنف.
عطر انتفضت: – ياسين؟!
دخل من غير ما يستأذن،
وقفل الباب وراه.
المسافة بينهم كانت قصيرة…
قريبة زيادة.
عطر قامت بسرعة: – إنت إزاي تدخل كده؟
اطلع برّه!
بس هو ما اتحركش.
كان باصصلها بنظرة عمرها ما شافتها منه: – كنتي ناوية تخبي عليا إنك بتدرسي طب؟
صوتها طلع مهزوز رغم محاولتها تثبت: – حياتي…
ومش ملزمة أشرحلك.
قرب خطوة.
عطر رجعت خطوة ورا تلقائي.
– بقى دكتورة؟
وبتقولي أنا مش مناسبك؟
رفعت دقنها رغم الخوف: – آه.
مش مناسبني.
صوته بقى أوطى… أخطر: – اس,معي كويس يا عطر.
موضوع الطلاق ده…
ما يتفتحش تاني.
– وأنا لو فتحته؟
– ما تفتحيهوش.
سكتت لحظة، وبعدين قالت: – إنت بتهددني؟
– بحذرك.
القلب كان بيخبط في ص.درها،
بس عينها ما نزلتش.
– إنت فاكر إنك تخوفني؟
اللي استحمل سبع سنين غياب…
مش هيخاف من صوتك.
شد فكه بعصبية: – إنت مراتي،
وغصب عنك الجوازة دي هتتم.
– الجواز مش غصب.
– معايا؟
آه.
قرب أكتر…
وعطر قالت بسرعة: – لو قربت خطوة كمان، هصرخ.
وقف.
ثانية طويلة عدت.
وبعدين قال ببرود: – خليكِ فاكرة إن اللي بدأتيه ده…
أنا هخلّصه بطريقتي.
لف وفتح الباب: – وخلّي بالك،
كلامك ده لو طلع برّه الأوضة…
مش هيعدي.
وخرج.
عطر فضلت واقفة مكانها،
رجليها بترتعش،
بس د,,موعها نزلت غصب عنها.
مسحتها بسرعة وهمست: – لأ…
مش هيكسرك يا عطر.
وهي واقفة قدام المراية،
قالت لنفسها: – واضح إن المعركة بقت حقيقية.
—
الفصل الخامس
عدّى أسبوع.
أسبوع كامل عطر حاولت فيه ترجع لطبيعتها.
ذاكرتها مش ناسية،
بس عقلها قرر يركّز.
كانت في المستشفى.
لابسة بالطو أبيض، شعرها مرفوع، كارت التدريب متعلّق على ص.درها.
أول مرة تحس إنها في مكانها بجد.
الزحمة، صوت الأجهزة، خطوات سريعة في الممرات.
كل حاجة كانت بتديها إحساس إنها بتتقد,,م، ولو خطوة.
واقفة جنب دكتور شاب، زميلها في التدريب.
بيشرح لها حالة، وهي بتس,مع باهتمام، بتسأل، بتناقش.
وفجأة…
الصوت اللي وراها خلّى ضهرها يشد.
– عطر؟
القلب نزل في رجلها.
لفّت ببطء…
وعينيها وقعت عليه.
ياسين.
لابس بالطو دكاترة، اس,مه مكتوب بخط واضح،
واقف وراه اتنين دكاترة،
بس عينه عليها هي وبس.
الزميل ابتس,م بأدب: – دكتور ياسين، أهلاً.
ياسين ما ردش.
كان باصص لعطر ونظره مش مريح.
– إنتِ بتعملي إيه هنا؟
حاولت تحافظ على هدوئها: – تدريب عملي.
– هنا؟!
– آه… هنا.
الدكتور الشاب قال بلطف: – عطر معانا في الفريق، طالبة شاطرة جدًا.
الجملة كانت زيادة عن اللزوم.
وش ياسين شدّ.
مدّ إيده وشدّها من دراعها بعيد خطوة.
– تعالي معايا.
عطر اتفاجئت: – إنت اتجننت؟ سيب إيدي!
صوته على: – إنتِ ناسية نفسك؟
واقفالك مع رجالة وبتضحكي؟
الدكاترة حوالين المكان بدأوا يبصوا.
الدكتور الشاب اتدخل: – لو س,محت يا دكتور، احنا في مستشفى.
عطر سحبت دراعها بقوة: – إنت مالكش حق تكلمني بالطريقة دي هنا.
قرب منها، صوته واطي بس نا,,ر: – أنا جوزك.
– لأ.
إنت راجل مش عارف حدوده.
اتصد,,م.
أول مرة ترد عليه كده قدّام ناس.
قال بغيظ: – المكان ده مش مناسبك.
– لأ…
ده أنسب مكان ليا.
– وأنا شغال هنا.
– وأنا بتدرّب هنا.
زيي زي أي حد.
بص حواليه، حس بالعيون.
الإحراج بدأ يلمس غروره.
قال بنبرة تحذير: – آخر مرة أشوفك واقفة بالشكل ده.
عطر رفعت راسها: – وآخر مرة تشدني من دراعي.
لو حصلت تاني…
أنا مش هسكت.
لحظة صمت.
وبعدين سابها ومشي،
خطواته سريعة،
غضبه مستخبي تحت وقار مزيف.
عطر كانت واقفة، قلبها بيدق،
بس زميلها قال بهدوء: – إنتِ كويسة؟
هزّت راسها: – أيوه…
كويسة.
بس جواها كانت عارفة حاجة واحدة:
المعركة خرجت من البيت…
ودخلت حياتها.
—
الفصل السادس
عطر رجعت البيت وهي مرهقة.
اليوم كان تقيل،
واللي حصل في المستشفى لسه بيدوّر في د,,ماغها.
أول ما دخلت…
عينها وقعت على الشنطة.
شنطة هدومها.
مقفولة، جاهزة، متحطّة جنب باب الأوضة.
قلبها دق بعنف.
– إيه ده؟
الحاج حمدان كان واقف، وشه متعب، وصوته واطي: – ياسين خد قرار.
قربت خطوة: – قرار إيه؟
– هتعيشي معاه في بيته.
الدنيا لفت.
– نعم؟!
– هو جوزك يا عطر…
ومينفعش ترفضي.
صوتها علي لأول مرة: – وأنا؟
رأيي فين؟
الحاج حمدان بص للأرض: – حاولت أتكلم…
بس هو مصر.
عطر حسّت إن كل حاجة بتتشد من تحت رجليها.
بس ما عيطتش.
ما زعقتش.
قالت بهدوء موجوع: – تمام.
شالت الشنطة بنفسها.
خرجت.
—
العربية كانت ساكتة.
ياسين سايق،
ولا كلمة.
وصلوا البيت.
بيت واسع، هادي، بارد.
مش بيت…
أكتر شبه فندق.
عطر دخلت، حطت الشنطة، ولسه بتلف تبص
س,معته بيقفل الباب وراه.
– من النهارده ده بيتك.
لفّت تبصله: – مؤقت.
ابتس,م ابتسامة مفيهاش دفء: – لأ…
نهائي.
قرب خطوة: – وأنا قررت…
نتمّم جواز.نا دلوقتي.
الكلمة وقفتها.
– إيه؟
– سبع سنين كفاية انتظار.
عطر رجعت خطوة ورا، صوتها ثابت رغم الرعشة: – لأ.
– لأ إيه؟
– لأ…
مش هيحصل.
– إنتِ مراتي.
– آه.
بس مش ملكك.
قرب أكتر: – متخلينيش أزعّل.
رفعت إيدها فورًا: – وقف.
وقف.
الصوت كان صغير…
بس حاس,م.
– اس,معني كويس يا ياسين.
أي حاجة غصب…
مش جواز.
سكت.
– أنا جيت هنا علشان اتفرض عليا.
بس اللي جوا الأوضة دي…
أنا اللي أحدده.
بص في عينها،
ولأول مرة شاف حاجة مختلفة.
مش خوف…
تحذير.
قال بغيظ: – إنتِ فاكرة نفسك قوية؟
– أنا قوية.
بس محترمة نفسي.
قربت من الباب: – أنا هنام في أوضة لوحدي.
وأي محاولة تقرّب…
هتبقى نهاية كل حاجة.
سابته واقف.
والباب اتقفل.
ياسين فضل مكانه،
حاسس إن السيطرة اللي كان فاكرها مضمونة
بتتزلق من بين صوابعه.
والبيت الهادي…
بقى مليان توتر.
—
الفصل السابع
تاني يوم عدى بهدوء غريب.
عطر صحيت بدري،
لبست وخرجت من أوضتها وهي متوقعة صدام…
لكن مفيش.
المطبخ كان نضيف،
ريحة قهوة،
وصوت واطي لمزيكا هادية.
ياسين كان واقف على الرخامة،
لابس عادي،
ولا في وشه حدّة امبارح.
– صباح الخير.
وقفت مكانها ثانية: – صباح النور.
حط قدامها فنجان: – عملتلك قهوتك…
من غير سكر، زي ما بتحبي.
اتصد,,مت.
هي فعلًا ما بتحبش السكر.
– شكراً.
قعدت،
وهو قعد قصادها، بس على مسافة.
– أنا فكرت كتير امبارح،
– قالها وهو باصص في الفنجان
– ومش عايز نكمل بالعند.
رفعت عينها: – وبعدين؟
– وبعدين قررت أديكي مساحتك.
مش هضغط،
ومش هفرض.
الكلام كان هادي…
زيادة عن اللزوم.
عدّى يوم…
وبعده يوم.
ما دخلش أوضتها.
ما رفعش صوته.
بقى يسأل: – محتاجة حاجة؟
– رجعالك متأخر؟
– تحبي أعدي أجيبلك كتابك؟
حتى في المستشفى،
بقى يتعامل معاها رس,مي… محترم.
ولا مرة قرب.
عطر بدأت تلخبط.
كانت كل مرة تفتكر صوته العالي،
تلاقيه دلوقتي واطي.
تفتكر قب,,ضته،
تلاقي إيده ممدودة بالمساعدة.
في ليلة…
كانت قاعدة تذاكر،
ود,,ماغها تقيلة.
خبط خبطتين خفيفين: – ينفع أدخل؟
سكتت لحظة: – اتفضل.
دخل، وقف بعيد: – لاحظت إنك ما أكلتيش.
عملت شوربة… لو حابة.
ابتس,مت من غير ما تقصد: – تعبت نفسك.
– علشانك.
الكلمة دخلت قلبها بهدوء.
قعدوا ياكلوا في صمت.
مش تقيل…
مريح.
قال فجأة: – عارفة؟
أنا غلطت لما سيبتك.
رفعت عينها: – الاعتراف متأخر.
– بس صادق.
سكتت.
القلب خان العقل لحظة.
ابتدت تفتكر: هو مش دايمًا كان وحش…
يمكن كان تايه…
يمكن أنا استعجلت.
وهو كان شايف ده في عينيها.
ابتسامة صغيرة ظهرت: – أنا مش مستعجل على حاجة.
خدي وقتك.
اللين كان أخطر من القسوة.
وفي أوضتها، قبل ما تنام،
عطر مسكت الموبايل،
فتحت صور قديمة.
صورة فرحها.
هي صغيرة… وهو مبتس,م.
همست لنفسها: – يمكن…
يمكن نقدر نبدأ من جديد؟
لكن في العمق…
كان في صوت صغير بيحذرها: خلي بالك…
مش كل اللين أمان.
—
الفصل الثامن
عدّى شهر.
شهر كامل وياسين كل يوم أحسن من اللي قبله.
كلامه هادي،
ضحكته دافية،
وجوده ما بقاش خانق.
بقى يس,مع.
بقى يهتم.
بقى يسأل عن يومها بجد.
وعطر؟
قلبها… خانها.
كانت بتقول لنفسها: يمكن اتغير.
يمكن الوجع اللي فات كان سوء تفاهم.
يمكن أنا ظلمته.
الليل كان هادي.
قاعدين قصاد بعض،
نور خافت،
كلام بسيط عن الدراسة، عن الشغل، عن ذكريات قديمة.
ضحكت.
ضحكة طالعة من القلب.
ياسين بصّ لها بنظرة مختلفة: – وحشتيني… حتى وأنا جنبك.
القلب دق.
قرب.
وعطر ما بعدتش.
ما قالتش لأ…
ولا قالت آه.
سابت اللحظة تمشي…
وسابت نفسها تصدّق.
ولأول مرة،
حست إنها زوجة بجد.
مش مفروضة…
مختارة.
نامت وهي مبتس,مة.
—
الصبح…
صحيت بهدوء.
مدّت إيدها…
السرير فاضي.
قعدت.
لفّت تبص.
على الكومودينو…
ورقة.
قلبها شدّ.
مسكتها، قرت:
“بقيتي مراتي رس,مي يا عطر.
وخدت منك اللي أنا عايزه.
مش ياسين الهلالي اللي واحدة زيك تعصي عليه.”
الإمضا:
ياسين
الورقة وقعت من إيدها.
الدنيا سكتت.
لا عياط.
لا صريخ.
بس إحساس تقيل نزل في ص.درها.
إحساس إنها اتخدعت.
اتسرق أمانها… مش بس ثقتها.
همست بصوت مكسور: – إنت لعبت بيا…
الحنان كان تمثيل.
اللين كان فخ.
والقرب… كان وسيلة.
قامت ببطء.
بصّت لنفسها في المراية.
وش شاحب…
بس العين فيها حاجة جديدة.
مش ضعف.
غضب هادي.
مسحت د,,معة نزلت غصب: – خلاص يا عطر…
اللي جاي مش حب…
اللي جاي حساب.
—
الفصل التاسع
عطر كانت لسه ماسكة الورقة…
لسه الكلمات بتوجع.
قامت بسرعة.
لبست.
قررت تمشي.
قربت من الباب،
لفّت المفتاح…
ما اتفتحش.
حاولت تاني.
ولا حركة.
شدّت المقب,,ض بعصبية: – إيه ده؟!
قلبها بدأ يدق بسرعة.
قربت من الشباك…
السور عالي.
الباب مقفول من برّه.
همست بخوف: – ياسين…؟
مفيش رد.
قعدت على الكنبة،
الوقت بيمشي تقيل.
لحد ما س,معت المفتاح.
الباب اتفتح…
وياسين دخل.
وقفت قدامه فورًا: – إنت قافل عليّا من برّه ليه؟!
بص لها بهدوء مستفز: – علشان ما تمشيش.
– إنت حابسني؟!
– لأ…
أنا بحمي بيتي.
ضحكت ضحكة مخنوقة: – بيتك؟
وأنا إيه؟
– مراتي.
– مراته؟!
ولا سِجنه؟
قرب منها، صوته واطي: – اس,معي كويس يا عطر.
من النهارده…
مش هتخرجي تاني.
جس,مها اتجمد: – إيه؟
– هتعيشي هنا.
بيتك،
وجوزك،
وخد,,مته.
الكلمة وقعت عليها زي الطوبة.
– إنت بتتكلم عني كأني حاجة!
– كزوجة.
وده دورك.
قالها ببرود: – وأنا عايز عيال…
كتير.
وده هيبقى شغلك.
عطر رجعت خطوة،
عينها اتوسعت من الصد,,مة: – إنت مجنون؟!
أنا عندي جامعة!
مستقبلي!
ابتس,م: – كان.
مش هيبقى.
– إنت ما تقدرش!
– أقدر.
وانتي شايفة.
صوتها كسر: – إنت بتقت,,لني بالحيا!
– لأ…
أنا برس,م حياتك.
السكوت نزل.
عطر حست فجأة إن الهوا تقيل.
إن الحيطان قربت.
إن كل صورة حلمتها بتقع واحدة واحدة.
المستشفى…
الجامعة…
الطموح…
اس,مها على البالطو الأبيض.
كلهم بيبعدوا.
د,,موعها نزلت أخيرًا: – ليه؟
عملتلك إيه؟
بص لها ببرود قاسي: – لأنك فكرتي إنك تقدري تعصي ياسين الهلالي.
سكتت.
وفي اللحظة دي…
مش بس عرفت إنه لعب بمشاعرها،
لا…
عرفت إنها دخلت حرب.
بس وهي واقفة مكسورة،
كان في حاجة لسه ما ماتتش جواها.
وعد.
مش هخلص هنا.
—
الفصل العاشر
عطر ما هربتش في لحظة تهوّر.
هربت في لحظة وعي.
استنت اللحظة اللي ياسين خرج فيها،
خدت شنطة صغيرة،
ولا ورقة… ولا أثر.
مشيت من البيت
وكأنها بتطلع من حياة كاملة.
اختفت.
لا موبايل مفتوح،
ولا حد يعرف مكانها غير شخص واحد…
حد وثقت فيه.
—
ياسين جنّ.
لفّ عليها في كل حتة.
سأل في المستشفى.
سأل في الجامعة.
راح بيت عمها.
حتى زملتها.
ولا حد نطق.
اس,مها بقى صدى
من غير عنوان.
—
بعد أسابيع…
دخل أبوه.
الحاج حمدان الهلالي
راجل تقيل، كلامه محسوب.
قعد قدام ياسين وقال: – خلص الليلة دي يا ياسين.
ياسين بصله بعصبية: – خلص إيه؟
– تطلّق عطر.
وقف: – مستحيل.
– ده طلبها.
الكلمة خبطت فيه.
– فينها؟
– مش مهم تعرف.
المهم تعرف إن اللي عملته… ما يتسكتش عليه.
– أنا عايز أقابلها.
– هي مش عايزة تشوفك.
ياسين حس لأول مرة
إن الأرض بتنسحب من تحت رجله.
– أنا جوزها!
– كنت.
دلوقتي؟
إنت سبب هروبها.
سكت لحظة،
وبعدين قال: – لو طلقتها…
هترجع؟
أبوه بصله بحس,م: – لأ.
الضغط زاد.
البيت كله عليه.
اس,مه بدأ يتلطخ.
وفي الآخر…
وقّع.
الطلاق تم.
من غير ما يشوفها.
من غير ما يس,مع صوتها.
من غير ما يقول كلمته الأخيرة.
ودي كانت أقسى حاجة عليه.
—
عطر رجعت.
رجعت الجامعة.
رجعت البالطو الأبيض.
رجعت تحلم… بحذر.
كانت أهدى.
أنضج.
وفي عينها وجع قديم.
لكن جس,مها بدأ يتغير.
إرهاق.
دوخة.
تأخير.
وقفت قدام التحليل…
وإيدها بترتعش.
خطين.
قعدت على الكرسي
وكأن الدنيا وقفت.
همست: – لأ…
مش خوف.
صد,,مة.
هي حرّة.
مطلّقة.
راجعة حياتها.
…
وحامل.
قلبها اتشد بين حاجتين:
وجع اللي فات
وروح لسه ما شافتش الدنيا.
مسكت بطنها بإيد مرتعشة: – إنت مالكش ذنب…
وكان أول سؤال حقيقي يظهر: هتعمل إيه يا عطر؟ باقي اجزاء الرواية هتنزل حصري استنونا.