ورث مراتي روماني مكرم 3
الكل في الصالة كتم نفسه، وعينين أمي وشيرين اتعلقت بـ بوق عبير وهي مستنية الكلمة اللي هتطلع منها. أنا نفسي كنت واقف مذهول، مش فاهم مراتي بتخطط لإيه ولا إيه السر وراء الـ 100 ألف ومفتاح الشقة اللي حطيتهم على الطربيزة.
عبير أخدت نفس طويل، وبصت لـ أمي وقالت بـ نبرة كلها ثقة وأصول: “الشقة دي مش لـ شيرين تتجوز فيها يا أمي.. الشقة دي أنا هبيعها! ومحدش من إخواتي الرجالة هيعترض، لأنها حقي الشرعي اللي مفيش مخلوق ليه كلمة فيه. الـ 100 ألف جنيه دول مقدم، وباقي فلوس الشقة لما تتباع، أنا وحسن هنشتري بيهم شقة تمليك باسم شيرين وطه، شقة على قد حالهم، 90 أو 100 متر في منطقة هادية، تبدأ فيها حياتها بـ كرامتها، وتتكتب باسمها عشان تأمن مستقبلها.”
أمي برقت عينيها والذهول لجم لسانها، وشيرين حطت إيدها على بوقها وهي مش مصدقة اللي بتسمعه.
عبير كملت كلامها وبصت لـ شيرين بـ حنية: “أنا ميرضنيش يا شيرين بيتي يتخرب ولا جوزي يتهد حيله مابين حقه وحق أمه، وميرضنيش برضه إنك تتكسري في ليلة دخلتك بـ كلمة تطلع من هنا ولا من هنا. شقة أبويا 250 متر، واسعة وكبيرة وتجيب تمن حلو يشتري شقة لـ شيرين مستورة وتمليك، ويفضل معايا قرشين كمان أأمن بيهم عيالي.. وبكده، طه يدخل شقة تمليك لـ مراته بـ راس مرفوعة، ومحدش يعيره بـ ورث حما أخوها ولا يفتكر إننا بنتفضل عليه.”
أمي دموعها نزلت غصب عنها، وبصت لـ عبير بـ نظرة مكنتش متوقعها.. نظرة ندم وخجل من نفسها. قامت من مكانها وخطت خطوتين، وبدلت قسوتها بـ حضن طويل لـ عبير وهي ب weتبكي وتقول: “سامحيني يا بنتي.. طمع الأمومة عَمى عيني، كنت شايفة مصلحة بنتي وعاوزة أسترها وعميت عن حقك وشقا أبوكي. أنتِ طلعتي أصيلة وبنت ناس، وصنتي جوزك وأهله في وقت أنا كنت هخرب فيه بيته بـ إيدي.”
عبير طبطبت على ضهر أمي وقالت: “يا أمي أنتِ مقامك كبير، وأنا مقدرة إنك عاوزة تفرحي بـ شيرين، بس الأصول مابتزعلش حد.. وإحنا أهل، واللُقمة الهنية تقضي مية زي ما قولتِ لـ حسن.”
شيرين اترمت في حضن عبير وهي ب weتبكي من الفرحة وتعتذر لها عن كل كلمة زعجتها. أنا كنت واقف في وسط الصالة، دموعي نازلة من الفرحة والفخر بـ الست اللي ربنا كافأني بيها في الدنيا. قربت من عبير وبست راسها قدام أمي وأختي، وقولت لها: “طول عمري عارف إنك أصيلة يا عبير، بس اللي عملتيه النهارده فوق راسي ليوم الدين.”
التفتت لـ شيرين وقولت لها: “هاتي تليفونك يا شيرين.. لازم نكلم طه فوراً.”
شيرين جابت التليفون وإيدها ب weتترعش، طلبت رقم طه، والمرة دي الخط فتح من أول رنة، بس صوته كان حزين ومخنوق: “أيوة يا شيرين.. أظن إحنا قولنا كل حاجة في الرسالة، ومفيش داعي للـ كلام تاني عشان منجرحش بعض.”
أخدت التليفون من إيد شيرين وقولت بـ صرامة وفرحة في نفس الوقت: “اسمع يا طه.. اقفل بوقك ده خالص، وتلبس بدلتك وتجيلنا على بيت والدتي فوراً. إحنا مابنبيعش رجالة بـ السهولة دي، والموضوع اتأصل بـ أصول ربنا اللي ترضيك وترضي كرامتك. تعال وأنت هتعرف إن ربنا لما ب weيقفل باب، ب weيفتح مليون باب بـ الرضا.”
طه سكت ثواني، وصوته اتغير: “في إيه يا أبكار يا حسن؟ فهموني.”
قولت له: “لما تيجي هتعرف، مستنيك يا راجل يا ابن الأصول.”
ساعتين والبيت كان مليان حركة، أمي قامت وعملت شربات، وشيرين وشها نور تاني، وعبير قاعدة جنبها بتضحك معاها وتواسيها. الباب خبط، وكان طه، ومعاه والدته.. دخلوا والوجوه كانت متقبلة، بس طه كان لسه عينه في الأرض من الحرج.
قعدنا كلنا، وعبير هي اللي بدأت الكلام وشرحت لـ طه خطتها، وفهمته إن الشقة الجديدة هتكون تمليك لـ شيرين ومن مالها الخاص، ومحدش ليه منّة عليه، وإنها اشترت راجل يحافظ على أخت جوزها.
طه بص لـ عبير وبصلي، وعينيه لمعت بـ دموع الفرحة وقال: “أنا مش عارف أقول إيه.. أنا عمري ما شوفت حد بـ النبل ده والشهامة دي. أنا شايل جمايلكم دي فوق راسي ليوم الدين، والشقة دي هتبقى ملك شيرين، وأنا هجهزها بـ أحسن جهاز يرفع راسها قدام الدنيا كلها.”
الكل فرح، والزغاريط رجعت تملى البيت تاني بـ حق بجد، مش زغاريط مجاملة. اتفقنا إننا هنبدأ في إجراءات بيع الشقة الـ 250 متر من بكره، ونبدأ ندور على الشقة الجديدة لـ شيرين وطه.
تاني يوم الصبح، نزلت أنا وعادل أخو عبير عشان نعرض الشقة لـ البيع ونجيب سمسار يعاينها. الشقة كانت في مكان حيوي جداً وتمنها يعمل مبلغ محترم. السمسار جه وعاين، وقالنا: “الشقة لقطة يا جماعة، وتجيب رقم كبير في السوق دلوقتي، وخلال يومين هجيب لكم المشتري الجاهز بـ فلوسه.”
ارتحت جداً وحسيت إن الأمور بتتحل بـ سلاسة والكل راضي. ورجعت البيت بـ الليل وأنا مطمن.
بس وتاني يوم العصر، وأنا قاعد مع عبير والعيال بـ نخطط لـ شكل حياتنا الجديدة بـ الـ 500 ألف اللي في البنك والقرشين اللي هيفضلوا من بيع الشقة، تليفوني رن.. كان رقم عادل أخو عبير الكبير.
فتحت الخط وأنا مستني يقولي السمسار لقى مشتري، بس صوت عادل كان مقلوب 180 درجة، ونبرته فيها صدمة وغضب هز أركان الأوضة وهو بيقولي:
“الحق يا حسن.. السمسار كلمني، وبيقول إن الشقة الـ 250 متر عليها قرار إزالة ومشاكل في المحاضر من سنين، وأبويا الله يرحمه مكنش يعرف، وفوق كل ده، في واحد حاطط إيده على الشقة وغير كالون الباب ورافض يدخل أي حد!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء السادس
الدم هرب من عروقي، والتليفون كان هيقع من إيدي وأنا بسمع كلام عادل. بصيت لـ عبير اللي كانت قاعدة جنبي ومبتسمة، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قولت لـ عادل بصوت متوتر والكل مذهول: “أنت بتقول إيه يا عادل؟ قرار إزالة إيه ورجل مين اللي حاطط إيده عليها؟ الشقة دي أبوك الله يرحمه شاريها من سنين طويلة وورقها كله سليم ومقفولة ومحدش دخلها!”
عادل زعق في التليفون وعروقه باينة من صوته: “أنا مش فاهم حاجة يا حسن! السمسار راح يفتح الباب للمشتري اللي معاه، لقى الكالون متغيّر، ولما خبط، طلعله راجل ضخم ومعاه اتنين وبتقولوا الشقة دي بتاعتنا وإحنا واضعين يد عليها من شهور، ومعانا ورق يثبت.. ولما السمسار هدد بالشرطة، الراجل قاله أعلى ما في خيلكم اركبوه، والشقة دي عليها قرار إزالة أصلاً من الحي عشان العمارة فيها خلل في الأدوار الأخيرة! أنا مستنيك عند الشقة فوراً يا حسن، مش هسيب حق أبويا يضيع!”
قفلت السكة وأنا ببلع ريقي بـ صعوبة. عبير وقفت وشها جاب ألوان وقالت بـ لهفة: “في إيه يا حسن؟ أخويا عادل ماله؟ والشقة مالها؟”
مقدرتش أخبي عليها، قولت لها وكل كلمة بتطلع بـ مرار: “عادل بيقول إن الشقة في حد حاطط إيده عليها ومغيّر الكوالين، وبيقولوا إن عليها قرار إزالة من الحي.. أنا لازم أنزل فوراً أشوف المصيبة دي!”
عبير صرخت ولطمت على صدرها: “يا مصيبتي! حد يسرق شقا أبويا؟ قرار إزالة إيه؟ ده أبويا ميت وهو فاكر إنه مأمننا! أنا جاية معاك يا حسن!”
نزلت أنا وعبير زي المجانين، وطول الطريق مكنتش بوقف تدوير في دماغي.. مين ده اللي يتجرأ ويحط إيده على شقة مقفولة وباسم ناس؟ وإزاي حكاية قرار الإزالة دي مظهرتش وقت إعلام الوراثة وقسمة الورث؟
وصلنا العمارة، لقيت عادل واقف تحت وبيلف حوالين نفسه وزي المبرشم من كتر الغضب، وجنبه السمسار ووشه مقلوب. أول ما عادل شافنا، جِري علينا وقال: “الكلاب قفلوا الباب من جوه ورافضين يفتحوا، والسمسار سأل في الحي بـ معرفته، وقاله فعلاً في محضر قديم وقرار إزالة للملحق والأدوار العالية والعمارة عليها نزاع قضائي من سنة!”
عبير عيطت وقالت: “يعني إيه يا عادل؟ الشقة ضاعت؟ شقا أبويا بح؟”
طلعت أنا وعادل على السلم والدم ب weيغلي في عروقنا. وصلنا الدور بتاع الشقة، وبدأت أرزع على الباب بـ كل قوتي: “افتح يا اللي جوه! افتح بدل ما أهد الباب فوق دماغك! دي شقة ملكنا وبورق رسمي!”
بعد كام دقيقة من الرزع والزعيق، الباب فتح حتة صغيرة بـ السلسلة، وظهر من وراه وش راجل غليظ الملامح، وبص لنا بـ برود وقال: “عايزين إيه يا شطار؟ وبتزعقوا كده ليه؟”
عادل زقه وقال: “افتح يا حرامي يا نصاب! دي شقة أبويا الله يرحمه، أنت مين ودخلت هنا إزاي؟”
الراجل ضحك بـ سخافة وفتح الباب على وسعه، وظهر وراه اتنين رجالة متبتين في الصالة وكأنهم أصحاب المكان، وقال بـ ثقة تامة: “أبوك مين يا شاطر؟ الشقة دي إحنا شاريينها بـ عقد بيع ابتدائي وصحة توقيع من شهور، من صاحب العمارة الأصلي اللي كان بايع لأبوك! وأبوك الله يرحمه مكملش الأقساط اللي عليه وفي بند بفسخ العقد.. وإحنا وضع يد دلوقتي، والورق اللي معاكم بلوه واشربوا ميته، وفوق كل ده الشقة صادر ليها قرار إزالة يعني متسواش ملعوب!”
عبير صرخت فيه: “أنت كداب! أبويا دافع تمنها قرش بـ قرش، ومعانا الوصلات كلها! أنت نصاب وبتحط إيدك على شقة ناس ميتة!”
الراجل كشر وأسلوبه اتقلب لـ بلطجة: “كلمة زيادة وهرميكم من على السلم! ورونا هتعملوا إيه.. أعلى ما في خيلكم اركبوه، والمحاكم بيننا، عقبال ما تقضوا عشر سنين في المحاكم تكون العمارة اتهدت!” وقام قفل الباب في وشنا بـ قوة لدرجة إن الحيطة اتهزت.
وقفنا في الطرقة مشلولين، الصدمة كانت أكبر مننا كلنا. عادل قعد على السلم وحط راسه بين إيديه: “أبويا يضحك عليه؟ أبويا يتنصب عليه في السنين الأخيرة من عمره وميقولناش؟”
عبير كانت ب weتبكي بـ حرقة، وأنا وقفت أفكر.. الجوازة اللي اتصلحت، والشقة اللي كنا هنشتريها لـ شيرين وطه، وحلم الأمان اللي عاشت فيه عبير، كله اتهد في ثانية وبقينا في مواجهة مع بلطجية وقرارات إزالة ومحاكم.
أخدت عبير وعادل ونزلنا على قسم الشرطة فوراً عشان نعمل محضر إثبات حالة وتعدي على ملكية، وقضينا الساعات اللي وراها بين المكاتب والأوراق، والكل ب ببيقولنا: “موضوع وضع اليد والعقود الابتدائية ده ب بياخد وقت طويل في المحاكم، والحي لو نفذ القرار هيهد الأدوار المخالفة والشقة ه تروح!”
رجعنا بـ الليل والكسرة باينة على الكل. عادل سابنا وروح وهو مش قادر يتكلم، ودخلت أنا وعبير بيتنا وإحنا مهدودين. عبير اترمت على السرير وهي مش قادرة تنطق، حلم الشقة التمليك لـ شيرين طار، وحقها نفسه بقا في علم الغيب.
تاني يوم الصبح، تليفوني رن.. كانت أمي.
بصيت للشاشة وخفت أرد، أمي مستنية أخبار السمسار والمشتري عشان نفرح شيرين، ومش عارف هقولها إيه! فتحت الخط بـ صوت مخنوق: “أيوة يا أمي.”
أمي قالت بـ لهفة وفرحة: “أيوة يا حسن يا حبيبي.. طه جاب أهله وبيرتبوا عشان ينزلوا يشوفوا الشقق مع عادل والسمسار، وطه بيفكر في شقة قريبة مننا.. طمنوني، السمسار لقى مشتري لشقة عبير وبكام؟”
غمضت عيني وقولت والدموع ب weتخنقني: “ادعيلنا يا أمي.. الشقة طلعت مسروقة وفيها قرار إزالة، وفي بلطجية قاعدين جواها!”
أمي شهقت من الصدمة، وفي نفس اللحظة، لقيت عبير قايمة من على السرير وعينيها حمرا من قلة النوم، وبصتلي وقالت بـ صوت مبحوح بس فيه نبرة غريبة وجامدة:
“حسن.. سيبك من أمك دلوقتي واقفل السكة. الـ 500 ألف جنيه بتوعي اللي في البنك.. أنا هسحبهم كلهم بكره، بس الفلوس دي مش لـ شيرين وطه، الفلوس دي ليها سكة تانية خالص، وأنا اللي هجيب حق أبويا بـ إيدي!”