السر خلف الباب حكايات اسما السيد6

الفصل الخامس عشر: الاسم الذي أخفته ياسمين

بقيت أحدق في ياسمين.

لم أجرؤ على الكلام.

ولأول مرة منذ عرفتها…

لم أرَ الهدوء المعتاد في عينيها.

كانت خائفة.

خائفة فعلًا.

في الخارج كانت أصوات عمر وسيف تتردد في الطابق العلوي.

صوت أبواب تُفتح.

وخطوات سريعة.

وبحث محموم عن الشخص المجهول.

أما داخل الغرفة…

فلم يبقَ سوى أنا وياسمين ونبيل.

قلت ببطء:

“إيه الحقيقة؟”

أغلقت ياسمين عينيها.

وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي يومًا.

ثم قالت:

“اسمي فعلًا مش ياسمين.”

ساد الصمت.

رغم أن الرسالة أخبرتني بذلك…

إلا أن سماعها منها كان مختلفًا.

سألتها:

“اسمك إيه؟”

ترددت لثوانٍ.

ثم أجابت:

“مريم.”

شعرت بالارتباك أكثر.

“ومين إنتِ؟”

نظرت نحوي طويلًا.

ثم قالت:

“أنا بنت كريم.”

في تلك اللحظة…

شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.

كريم.

الرجل الغامض.

الشريك الخامس.

صاحب الأرشيف.

صاحب الصوت الذي ظهر على الشاشات.

حدقت فيها غير مصدقة.

“إنتِ بنت كريم؟”

أومأت برأسها ببطء.

أما نبيل…

فلم يبدُ مصدومًا.

وهنا فهمت شيئًا.

هو كان يعرف.

من البداية.

التفت إليه.

“إنت كنت عارف؟”

لم يجب فورًا.

ثم قال:

“من أول ما شفتها.”

اشتعل الغضب داخلي.

“وسكت؟!”

أجاب بهدوء:

“لأنها ما كانتش العدو.”

في تلك اللحظة دخل عمر الغرفة.

وخلفه سيف.

كانا يلهثان.

قال سيف:

“مافيش حد فوق.”

لكن عمر لم يكن ينظر إلينا.

كان ينظر إلى ياسمين.

أو مريم.

وكأنه سمع آخر جملة.

ثم قال بهدوء:

“بنت كريم.”

لم تسأل ياسمين كيف عرف.

فقط أومأت.

وتحول وجه عمر إلى تعبير غريب.

ليس صدمة.

بل تأكيد.

كأنه كان يشك منذ زمن.

قال:

“عشان كده جيتي البيت.”

أخفضت رأسها.

“أيوه.”

جلست على الكرسي القديم قرب مكتب أبي.

وقالت:

“أبويا اختفى من سنين.”

“وآخر حاجة قالهالي…”

رفعت عينيها نحوي.

“…إني لازم أحميكي.”

تجمدت.

“أنا؟”

أومأت.

“قال إن ليلى أهم شخص في المعادلة كلها.”

شعرت بالاختناق.

كلما اقتربت من الحقيقة…

أصبحت أكثر غموضًا.

قلت:

“ليه أنا؟”

هزت رأسها.

“ماعرفش.”

“أبويا رفض يقولي.”

“كل اللي قاله…”

وتوقفت.

ثم أكملت:

“إن اليوم اللي الحقيقة كلها هتظهر فيه…”

“…هيبدأ منك.”

ساد الصمت.

ثم تذكرت شيئًا فجأة.

الشريط.

شريط الفيديو الذي تركه أبي.

نظرت إلى الصندوق.

وما زال الشريط بداخله.

قال نبيل فورًا:

“شغليه.”

وقال عمر في نفس اللحظة:

“لا.”

التفت الجميع نحوه.

كان ينظر إلى الشريط بتركيز شديد.

ثم قال:

“فيه حاجة غلط.”

“إيه؟”

سأله سيف.

اقترب عمر من الصندوق.

وأمسك الشريط.

ثم قلبه بين يديه.

وفجأة…

ابتسم.

ابتسامة صغيرة.

لكنها أقلقتني أكثر من أي شيء آخر.

قال:

“ده مش شريط.”

شعرت بالحيرة.

“إزاي؟”

ضغط بإصبعه على زاوية معينة.

فصدر صوت خافت.

“تك.”

وانفتح جزء مخفي من الغلاف البلاستيكي.

شهقت ياسمين.

أما أنا فشعرت بقلبي يقفز.

لأن داخل الشريط…

كان يوجد مفتاح صغير جدًا.

ذهبي اللون.

ومربوط بخيط أحمر قديم.

نظر إليه نبيل.

وشحب وجهه فورًا.

وقال:

“لا…”

التفت إليه عمر.

“إيه؟”

ابتلع ريقه.

ثم قال جملة أربكت الجميع:

“أنا أعرف المفتاح ده.”

“منين؟”

نظر إلى المفتاح طويلًا.

ثم قال:

“لأن فيه واحد زيه بالضبط.”

“فين؟”

رفع عينيه نحونا.

وقال:

“في خزنة كريم.”

ساد الصمت.

ثم أضاف:

“والخزنة دي…”

توقف للحظة.

“…موجودة تحت الأرشيف.”

في نفس اللحظة…

رن هاتف عمر.

نظر إلى الشاشة.

وتغير لون وجهه بالكامل.

قال سيف بسرعة:

“مين؟”

لكن عمر لم يجب.

ظل يحدق في الاسم الظاهر على الشاشة.

وكأنه يرى مستحيلًا.

ثم همس:

“كريم.”

الجميع تجمد.

لأن الرقم المتصل…

كان مسجلًا باسم الرجل الذي يفترض أنه ميت منذ عشرين عامًا.

الفصل السادس عشر: المكالمة المستحيلة

ظل الهاتف يرن في يد عمر.

مرة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

ولا أحد في الغرفة تجرأ على الكلام.

كان الاسم ظاهرًا بوضوح على الشاشة:

كريم

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

سيف اقترب خطوة.

وقال بصوت منخفض:

“ده مستحيل.”

أما نبيل…

فبدا وكأنه رأى شبحًا.

وقال:

“الرقم ده اتقفل من عشرين سنة.”

لكن الهاتف استمر في الرنين.

نظر عمر إلى الجميع.

ثم ضغط زر الإجابة.

ووضع الهاتف على السماعة الخارجية.

ساد الصمت.

ثانية.

ثانيتان.

ثم جاء الصوت.

صوت رجل.

هادئ.

واضح.

وقال:

“أخيرًا.”

شعرت بأن قلبي توقف.

كان نفس الصوت الذي سمعناه في الأرشيف.

نفس النبرة.

نفس الهدوء.

قال عمر:

“مين؟”

جاء الرد فورًا.

“إنت عارف مين.”

تبادل الجميع النظرات.

أما ياسمين فبدأت دموعها تنزل دون كلام.

قالت بصوت مرتجف:

“بابا؟”

ساد الصمت لثوانٍ طويلة.

ثم جاء الرد.

“مريم.”

شهقت.

وأغلقت فمها بيديها.

لأن الرجل عرف اسمها الحقيقي.

ولم ينادها بياسمين.

بل مريم.

وفي تلك اللحظة فقط…

بدأت أصدق أن المتصل قد يكون فعلًا كريم.

أو شخصًا يعرف كل شيء عنه.

قال نبيل فجأة:

“لو إنت كريم فعلًا…”

“قولنا فين كنت كل السنين دي؟”

ضحكة خافتة خرجت من السماعة.

ثم قال الصوت:

“سؤال غلط.”

“إيه؟”

“الأهم تسألوا… مين اللي مات.”

شعرت ببرودة تسري في ظهري.

لأن هذه الجملة أعادتنا إلى نفس اللغز القديم.

الج*ثث.

الاختفاءات.

الأسماء المزيفة.

والأشخاص الذين يفترض أنهم ماتوا.

قال سيف بعصبية:

“كفاية ألغاز.”

“إنت فين؟”

ساد الصمت للحظة.

ثم قال كريم:

“قريب.”

“قريب فين؟”

“أقرب مما تتخيلوا.”

في تلك اللحظة…

صدر صوت خافت من الهاتف.

صوت أعرفه جيدًا.

توقفت أنفاسي.

لأنه لم يكن صوت رجل.

ولا صوت سيارة.

ولا ضوضاء شارع.

كان صوت ساعة حائط.

ساعة قديمة.

تصدر نفس النغمة التي كانت موجودة في بيت أبي.

نفس الساعة الموجودة في الصالة.

رفعت رأسي بسرعة.

ونظرت نحو باب الغرفة.

ثم نحو الممر.

ثم نحو السقف.

وشعرت بأن الدم ينسحب من وجهي.

قلت بصوت منخفض:

“هو هنا.”

التفت الجميع نحوي.

“إيه؟”

قالها عمر.

أشرت نحو خارج الغرفة.

“الصوت.”

“صوت إيه؟”

“الساعة.”

ثم خرجت مسرعة إلى الممر.

وتبعني الجميع.

ركضنا نحو الصالة الرئيسية.

وكان الهاتف ما يزال على السماعة.

وصوت كريم ما يزال يسمع.

لكن شيئًا غريبًا حدث.

كلما اقتربنا من الصالة…

ازداد الصوت وضوحًا.

صوت الساعة.

وصوت أنفاس شخص.

قريب جدًا.

قريب لدرجة مرعبة.

وصلنا إلى الصالة.

وكانت الساعة القديمة معلقة كما أتذكرها.

لكن تحتها مباشرة…

كان يوجد باب صغير في الأرض.

باب لم أره في حياتي.

مفتوح.

وكأنه فُتح منذ دقائق فقط.

توقف الجميع.

أما الهاتف…

فما زال يعمل.

وجاء صوت كريم مجددًا:

“كويس.”

“وصلتوا.”

شعرت بأن قلبي يدق بعنف.

قال عمر:

“إنت تحت؟”

لم يجب.

بل قال شيئًا آخر.

شيئًا جعلني أتجمد مكاني.

“ليلى…”

“نعم؟”

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال:

“الرسالة اللي أبوكي سابها ناقصة.”

شعرت بالصدمة.

“إيه؟”

“في صفحة أخيرة.”

نظرت بسرعة إلى الأوراق التي ما زالت بيدي.

وبدأت أقلبها.

ورقة.

ثم أخرى.

ثم وجدت شيئًا لم أنتبه له.

ورقة صغيرة مطوية داخل الغلاف.

مخفية بعناية.

فتحتها بسرعة.

وكان مكتوبًا فيها بخط أبي:

لو وصلتي للمرحلة دي…

فاعرفي إن كريم نجح.

ولو كريم اتصل بيكي بنفسه…

يبقى كل اللي حواليكي ما يعرفوش الحقيقة كاملة.

وحتى أنا ما كنتش أعرفها كلها.

شعرت أن أنفاسي تتسارع.

وأكملت القراءة.

الشخص اللي بيدوروا عليه من ثلاثين سنة…

مش فؤاد.

ومش كريم.

ومش نبيل.

ومش عادل.

توقفت.

ثم نزلت عيناي إلى السطر الأخير.

وعندها فقط…

شعرت بأن الأرض اختفت من تحتي.

لأن أبي كتب اسمًا واحدًا فقط.

اسم شخص موجود معنا منذ بداية القصة.

شخص لم يشك فيه أحد.

شخص وقف بجانبي في كل خطوة.

وشخص كان ينظر إليّ الآن مباشرة…

بينما تتسع عيناه ببطء عندما أدرك ما قرأته.

يتبع…الفصل السابع عشر: الاسم الموجود في الرسالة

تجمدت يدي فوق الورقة.

وشعرت بأن الجميع يراقبني.

ينتظر.

يتساءل.

من هو الاسم؟

ومن الشخص الذي ظل أبي يحذر منه طوال هذه السنوات؟

قال سيف بعصبية:

“ليلى… قولي.”

لكن الكلمات لم تخرج.

كنت أحدق في السطر الأخير فقط.

مرة.

ثم مرتين.

ثم عشر مرات.

لأن الاسم المكتوب كان مستحيلًا.

اسم شخص لم أتخيل يومًا أن يكون جزءًا من هذا كله.

ثم رفعت رأسي ببطء.

ونظرت إلى صاحب الاسم.

كان واقفًا أمامي مباشرة.

عمر.

ساد الصمت.

صمت كامل.

حتى نبيل بدا مصدومًا.

أما ياسمين فتراجعت خطوة للخلف.

بينما قال سيف:

“إيه؟”

ناولته الورقة.

قرأها.

ثم اتسعت عيناه.

لأن الجملة كانت واضحة جدًا.

إذا وصلتِ إلى هنا…

فاسألي عمر عن الليلة التي اختفى فيها كريم.

فقط.

لم يتهمه أبي.

لم يقل إنه خائن.

لم يقل إنه عدو.

لكنه خصه وحده بالذكر.

بعد كل هذه الأسماء.

بعد كل هذه الأسرار.

وهذا وحده كان كافيًا ليزرع الشك.

رفع سيف رأسه نحو أخيه.

“يعني إيه الكلام ده؟”

ظل عمر صامتًا.

ثانية.

ثانيتين.

ثم قال:

“كنت عارف إن اليوم ده هييجي.”

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

“يعني إيه كنت عارف؟”

أغلق عينيه للحظة.

ثم جلس على أقرب كرسي.

كأن حملًا ثقيلًا جدًا سقط فوق كتفيه.

وقال:

“لأني كنت هناك.”

توقفت أنفاسي.

“فين؟”

“ليلة اختفاء كريم.”

ساد الصمت مجددًا.

ثم بدأ عمر يحكي.

قبل عشرين سنة.

في الليلة التي اختفى فيها كريم.

اجتمع الشركاء الخمسة.

فؤاد.

أبي.

نبيل.

عادل.

وكريم.

في أحد المواقع التابعة للمشروع.

وكان عمر وقتها شابًا صغيرًا.

لكنه كان قريبًا من والده.

ويرافقه في بعض الاجتماعات.

قال:

“كنت آخر واحد شاف كريم.”

شعرت بأن قلبي يقفز داخل صدري.

“وبعدين؟”

نظر إلى الأرض.

ثم قال:

“اتخانقوا.”

“مين؟”

“كلهم.”

“على إيه؟”

تنهد.

“على الأرشيف.”

في تلك الليلة.

كما قال عمر.

اكتشف كريم شيئًا خطيرًا جدًا.

شيئًا لم يكن موجودًا في الملفات.

ولا في الخزائن.

ولا في الصندوق.

بل في أصل المشروع نفسه.

شيئًا جعل كريم يقرر إيقاف كل شيء.

لكن الآخرين رفضوا.

فحدثت مواجهة عنيفة.

ثم غادر كريم غاضبًا.

وخرج عمر خلفه.

وقال:

“كنت عايز أهديه.”

“ولحقته؟”

سألته.

أومأ.

“أيوه.”

ثم صمت.

وهنا شعرت أن الجزء الأهم لم يُقل بعد.

قلت:

“وبعدين؟”

رفع رأسه ببطء.

ونظر إليّ مباشرة.

وقال:

“لقيت حد مستنيه.”

شعرت بأنفاسي تتوقف.

“مين؟”

لكن قبل أن يجيب…

صدر صوت من الهاتف الموضوع على الطاولة.

صوت كريم.

لأول مرة منذ دقائق.

وقال بهدوء:

“قول الحقيقة كلها يا عمر.”

تجمد الجميع.

أما عمر…

فأغلق عينيه.

كأنه كان يخشى هذه اللحظة أكثر من أي شيء آخر.

ثم قال بصوت منخفض:

“الشخص اللي كان مستني كريم…”

وتوقف.

ثم أكمل:

“ماكانش واحد.”

“إيه؟”

“كانوا اتنين.”

ساد الصمت.

ثم تابع:

“واحد منهم كان عادل.”

“والتاني؟”

شعرت بأن قلبي يكاد يخرج من صدري.

أما عمر فظل ينظر إلى الفراغ.

ثم قال الاسم أخيرًا.

اسم جعل نبيل يشحب.

وجعل ياسمين تضع يدها على فمها.

وجعل سيف يقف فجأة من مكانه.

لأن الاسم كان:

فؤاد الحديدي.

والدهم.

الرجل الذي ضحى.

واختفى.

وعاد.

وكان الجميع يعتبره الضحية الكبرى.

قال سيف بعنف:

“كداب!”

لكن عمر لم يرد.

فقط أخرج شيئًا من جيبه.

شيئًا صغيرًا.

قديمًا.

معدنيًا.

ثم وضعه على الطاولة.

تقدمت نحوه.

ونظرت إليه.

ثم شعرت بصدمة جديدة.

لأنه كان ساعة جيب قديمة.

وفي ظهرها نقش واضح جدًا.

حرفان فقط:

ف.ح

فؤاد الحديدي.

ثم قال عمر:

“لقيتها جنب المكان اللي اختفى فيه كريم.”

وفي تلك اللحظة…

جاء صوت كريم من الهاتف مرة أخرى.

لكن هذه المرة لم يكن هادئًا.

بل بدا حزينًا.

ومتعبًا.

وقال:

“وأخيرًا بدأنا نقرب من الحقيقة.”

ثم ساد الصمت لثوانٍ.

قبل أن يضيف جملة جديدة غيّرت كل شيء:

“بس لسه ما سألتوش السؤال الصح.”

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *