انا مش خدامة عند امك ج 2حكـايات ضحي
الجزء الثالث
وقفت منى على أول الشارع، الشايلا ياسين على دراعها بعد ما رفض يقعد في العربية من كتر العياط. الشارع كان زحمة، صوت العربيات والناس بيتدخل في أذنها كأنه طنين ملوش نهاية.
التليفون في إيدها ما بطلش زن. مكالمات ورا مكالمات من أحمد، ورسايل نازلة زي المطر من أخته سمر
إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تعاملي أمي كدة؟
قليلة الذوق ومتربيتيش!
أحمد لو راجل مش هيدخلك بيته تاني!
منى كانت بتبص للرسائل وعينيها بتغلي. مسحت الشاشة بصباعها وقفلت التليفون خالص. الصوت المكتوم اللي جواها كان بيقولها إن المرة دي مفيش رجوع، ومفيش طأطأة راس.
شالت ياسين، ومسكت يد العربية بإيدها التانية، ومشت خطوات بطيئة ناحية الموقف.
كانت محتارة… تروح فين؟
بيت أهلها؟ أبوه راجل كبير ومريض سكر، وأمها ست على باب الله، لو راحتلهم بالشكل ده والولد بيعيط وهدومها مليانة تراب ودهان، هيتخضوا والضغط هيعلى عليهم. هي عارفة إن أمها هتقولها معلش يا بنتي استحملي عشان بيتك وعيلك، وده بالذات الكلام اللي مش قادرة تسمعه دلوقتي. هي مش محتاجة حد يقولها استحملي الإهانة، هي محتاجة حد يفهم إن كرامتها اتداست.
افتكرت نورا… صاحبتها وحبيبتها من أيام شغل البيوتي سنتر.
نورا كانت الشغالة معاها، والوحيدة اللي فاهمة يعنى إيه منى، وفاهمة قيمتها وشغلها. مسكت التليفون فتحته بسرعة من غير ما تبص على رسائل أحمد، وطلبت رقم نورا.
ألو… إيه يا منى؟
صوت نورا طلع دافي ومنعش، عكس كل القرف اللي منى عايشة فيه من الصبح.
نورا… إنتِ فين؟
نورا حسّت بالرعشة في صوت منى وقالت بلهفة
مالك يا منى؟ صوتك فيه إيه؟ ياسين جرى له حاجة؟
لا… أنا في الشارع… ومحتاجة أجيعد عندك شوية لو ينفع.
تنفع إيه يا هبلة! إنتِ فين؟ أنا في الشقة لوحدي، تعالي فوراً!
بعد نص ساعة…
منى كانت قاعدة على الكنبة في صالة نورا.
نورا جابت مية دافية ونضفت وش ياسين وإيديه، وأكلته بسكويت باللبن لحد ما الولد هدي ونام في حضنها على السرير جوه.
خرجت نورا، وحطت قدام منى كوباية ينسون سخنة، وبصت لإيديها المحمرة والجلد القاشر من المنظفات.
فهميني بقى… إيه اللي حصل؟ إيه اللي وصلك للحالة دي؟ ده إنتِ كأنك كنتِ في حفرة!
منى مسكت كوباية الينسون بإيديها المترعشة، والدموع بدأت تنزل بسكوت. حكت لها كل حاجة… من أول ما أحمد كلمها وهو بيأمرها تروح تنضف، لحد كلام حماتها، وتطنيش أخته، ومعايرة جوزها ليها بقعدتها في البيت، لحد اللحظة اللي طفح بيها الكيل وقالت فيها كلمتها المدوية ومشيت.
نورا فضلت ساكتة، وعينيها بتوسع من الصدمة والڠضب.
أول ما منى خلصت، نورا ضړبت كف بكف وقالت بصوت طالع من قعر قلبها
يا نهار أسود ومندل! بقى أحمد اللي كان بيجي يقف تحت السنتر بالساعات يستناكي ويهادينا كلنا عشان نرضى عنه، يوصل بيه الحال يقولك إنتِ قاعدالك ومكيفة نفسك؟! وأمه اللي كانت بتتحايل عليكي عشان تعمليلها شعرها في الخطوبة ببلاش، دلوقتي شايفاكي خدامة؟
أنا مش زعلانة منهم يا نورا… أنا زعلانة من نفسي. زعلانة إني أهنت نفسي وسكت من الأول. من يوم ما قعدت في البيت مع ياسين، وأنا كل يوم بتمسح بيا الأرض بحجة إني مش بشتغل! كأن التربية والسهر والتعب ده كله ملوش قيمة!
نورا قربت منها ومسكت إيدها المحروقة من الصابون
قيمة إيه يا هبلة! إنتِ نسيتي إنتِ مين؟ إنتِ منى اللي كانت زباين الخليج وفنانات الأوبرا بيطلبوا اسمك بالاسم! إنتِ اللي يدك بتتلف في حرير! قعدتك في البيت عشان ابنك دي
موقع أيام نيوز
كانت مكرمة منك، مش تفضل منهم عليكي!
منى بصت لإيديها بكسرة
إيدي راحت يا نورا… اټدمرت من مواد التنفيذ والسابون الشديد.
ولا راحت ولا حاجة! إيدينا دي هي اللي كانت بتاكلنا عيش، وهي اللي هترجعك تقفي على رجلك تاني!
فجأة… التليفون رن بصوت عالي.
كان أحمد.
نورا بصت للشاشة وقالت
هتردي؟
منى هزت راسها بنفي
لا… مش هرد.
لا هتردي يا منى! بس هتردي وإنتِ واقفة على حيلك، مش وإنتِ بټعيطي! اسمعيني كويس… أحمد وأمه فاكرين إنك مالكيش حيلة، فاكرين إنك هتلفي تلفي وترجعي تبوسي إيد أمه عشان خاېفة من الشارع ومن كلام الناس. لازم يفهموا إن الله حق!
منى سحبت نفس عميق، وفتحت المايك وحطت التليفون على الترابيزة.
صوت أحمد طلع زاعق، مليان ڠضب وتوتر
إنتِ فين يا هبلة؟ إنتِ اټجننتي رسمي؟ سايبة البيت وواخدة الولد وماشية في الشوارع؟ فاكرة نفسك رايحة فين؟ افتحي الزفت ده وردي عليّ!
منى ردت بنبرة هادية جداً… هدوء أرعب أحمد نفسه
أنا في مكان نضيف يا أحمد. مكان محدش بيقولي فيه يا خدامة، ولا بيعايرني بالقعدة في البيت.
أحمد سكت ثانية متفاجئ من هدوئها، وبعدين كمل بعصبية متدارية
منى… بلاش جنان ورجوع للأطفال! أختي سمر اتصلت بيا وپتبكي، وأمي ضغطها عليّ وقاعدين بيموتوا من كلامك اللي زي الزفت! إنتِ قليل الأدب إزاي تقولي لأمي عندك بنت خليها تنظف؟ هي دي التربية؟
أختك سمر پتبكي؟
منى ضحكت ضحكة مکسورة مليانة تريقة
سمر اللي قاعدة في التكييف ومفضتش تنضف شقة أمها وپتبكي؟ طب وأنا؟ أنا اللي بقالي خمس ساعات بفرك الجبس بضوافري والولد بېموت من التراب… محدش بكى عليّ ليه؟ ولا أنا ماليش أهل يبكوا عليّ؟
إنتِ مراتي! يعني بيتي وبيتها واحد!
لا يا أحمد… بيتك غير بيتها. وأمك عندها بنت، Bنتها أولى ببرّها وتنضيف شقتها! أنا كتر خيري إني جيت أساعد بكرامتي، لكن طالما دخلتوا فيها معايرة وإهانة وطلعتوني شغالة وقاعدة في البيت باكل وبنام… يبقى خلاص. لحد هنا وخط أحمر!
أحمد زعق بصوت هز السماعة
خط أحمر إيه يا هبلة إنتِ؟ إنتِ فاكرة نفسك مين؟ إنتِ حتة كوافير سابقة لا راحت ولا جات! لولا إني اتجوزتك وقعدتك في بيت محترم، كان زمانك لسه وافقة على رجليكي عشر ساعات في السنتر!
الكلمة دي… كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير.
منى عينها لمعت بڼار غريبة. رفعت التليفون من على الترابيزة وقربته من بقها، وقالت بصوت ثابت زلزل أحمد في مكانه
الكوافير السابقة دي يا أحمد… هي اللي كانت بتصرف معاك على تجهيز الشقة لما كنت مش لاقي تكمل مهرك! الكوافير السابقة دي هي اللي كانت بتدفع من جيبها عشان نجيب عفش نضيف! والكوافير السابقة دي… هي اللي هترجع تشتغل تاني بكرة، وبتعبها وعرقها وهتوريكم كلكم هي تسوى إيه!
إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ مچنونة؟
أنا مش مچنونة… أنا فوقِت. ورقتك اللي بيني وبينك، لو ما جتش لحد عندي بكرة وبكرامتي وباعتذار رسمي منك ومن أمك قدام الشارع كله… اعتبر إن مفيش أحمد في حياتي تاني، والولد ده مش هتشوفه إلا بقانون ربنا والمحاكم!
منى! إنتِ بتهددي…؟
منى ما استنتش تكملة الجملة. قفلت السكة في وشه.
عملت له بلوك على الموبايل، وعلى الواتساب، وعلى كل حتة.
نورا كانت واقفة بتبصلها وبتقفص بإيدها بفخر
الله عليكِ! هو ده الكلام! هو ده المتربي اللي يوقف كل واحد عند حده!
منى قعدت على الكنبة، وحطت إيدها على وشها. كانت بتترعش، بس المرة دي مش من الضعف… كانت
بتترعش من الطاقة والحرية اللي حسّت بيهم فجأة.
نورا… أنا عايزة أرجع اشتغل.
نورا ابتسمت وقربت منها
ومين قالك إننا هنستنى لبكرة؟ صاحب السنتر الجديد اللي فتح في المهندسين كلمني الأسبوع اللي فات، وبيدور على ميك أب أرتيست وهير ستايلست تكون ثقيلة وشاطرة للمقامات العالية، وبيدفع أرقام خيالية. أنا هكلمه دلوقتي حالا!
منى بصت لإيديها…
مسحت التراب اللي كان لسه عليا، وبصت للباب اللي وراه ياسين نايم بسلام.
في نفس الوقت…
في شقة أم أحمد…
أحمد كان واقف وسط الصالة، ماسك التليفون ومش مصدق إن منى قفلت في وشه وعملت له بلوك.
أم أمد كانت قاعدة بتندب
شفت؟ شفت المتربية اللي اخترتها؟ بتقفل في وشك التليفون! دي عايزه تتكسر رقبتها يا أحمد! طلقها ورميها في الشارع، والعيال المليانة بنات تتمنى إشارة منك!
سمر أخته كانت واقفة بتقلب في موبايلها بغل
طلقها يا أحمد… دي فاكرة نفسها حاجة وهو ما تسواش بصلة. خليها تشبع بالقعدة في الشارع بالولد.
أحمد بص حواليه… الشقة لسه زي ما هي. المطبخ نص مخلص، والتراب مغطي الصالة، والشبابيك حالتها بالبلا.
بص لأمه وأخته وقال بصوت جاف مليان توتر
طلاق إيه يا أمي؟ إنتوا فاهمين هي قالت إيه؟ دي بتقول هترجع تشتغل وترفع قضايا! ومنى لما بتقول كلمة بتنفذها!
سمر ردت ببرود
وتعمل اللي تعمله! إحنا مش خايفين منها! قوم أنت بس نضف مع أمك الصالة عشان الشقة شكلها يقرف!
أحمد بص لأخته پغضب مكتوم
أنضف؟ ما تنضفي إنتِ يا سمر! مش إنتِ قاعدالنا هنا برضه ومخلصة شغلك؟
سمر اتنطرت
أنا؟ أنضف الجبس والتراب ده؟ أنا موظفة ومحترمة ومبمسحش أرضيات!
هنا… أحمد بدأ يحس بأول نغزة ندم.
بدأ يفتكر منى… منى اللي كانت بتصحى قبل الكل، وتنضف، وتطبخ، وتراعي الولد، وما كانتش بتفتح بقها بكلمة، والنهارده لما طلبوا منها تنضف خړابة كاملة، وكسروا نفسها بالكلمة، هي اللي شالت الشيلة ومشت.
رجع شقته فوق…
فتح الباب. الشقة كانت ضلمة وساكتة.
مفيش صوت ياسين وبيناغي، مفيش ريحة الأكل اللي منى كانت بتعمله، مفيش ضحكتها وهي بتتفرج على التلفزيون.
حط سرير الولد الصغير في الصالة، وبص للعبة اللي ياسين كان بيلعب بيها ومرمية على الأرض…
حس إن البيت فضي عليه فجأة، وإن اللقمة اللي كان بياكلها بسهولة، وراها ست كانت شايلة جبل ومحدش حاسس بيها.
تليفونه رن…
افتكرها منى… جرى على الموبايل بلهفة.
بس المتصل كان صاحبه في المصنع
إيه يا أحمد؟ الأقساط بتاعة العفش والشقة ميعادها بكرة… جهزت الفلوس؟
أحمد حط إيده على راسه بقلة حيلة.
كان مراهن إن مرتب منى القديم أو فلوسها اللي شايلها هي اللي هتسنده، بس دلوقتي… هي مشيت، وأخدت كل حاجة معاها.
وفي الناحية التانية…
كانت منى واقفة قدام المراية في شقة نورا.
ماسكة المقص والفرشة، بتشوف إيديها اللي بدأت تسترد عافيتها بعد ما حطت عليها كريم مرطب.
نورا دخلت عليها وهي بتضحك ومسكة الموبايل
جهزي نفسك يا معلّمة… صاحب السنتر مستنينا بكرة الساعة عشرة الصبح لمقابلة، وقال لي لو شغلها زي ما بتقولي، العقد هيتمضى في نفس اليوم وبمرتب وهيخليكِ تمسكي الفرع كله!
منى ابتسمت ابتسامة عريضة… ابتسامة ست عرفت قيمة نفسها، وحلفت إن محدش هيقدر يكسرها تاني.
بس هل أحمد وأمه هيسيبوها في حالها لما يعرفوا إنها نجحت ورجعت وقفت على رجليها؟
ولا الحړب يلا بتبدأ؟
يتبع…
الجزء الرابع
طلعت شمس يوم جديد، وشعاع الذهب دخل من شباك أوضة نورا، خبط في وش منى اللي كانت صاحية من أذان الفجر.
ما جاش ليها نوم طول الليل. كل ما تغمض عينها، تشوف وش أحمد وهو بېهينها، وتسمع صوت
حماتها وهي بتقولها إنتِ فاضية وقاعدة في البيت. بس مع كل فركة عين، كانت بتبص لياسين اللي نايم جنبها بسلام، وتنفسه المنتظم كان بيملاها قوة وتحدي.
قامت، غسلت وشها بمية باردة، ووقفت قدام المراية.
لمت شعرها بأسلوب أنيق، وحطت ميك أب خفيف بلمستها الاحترافية اللي كانت متميزة بيها. ملامح التعب القاسېة اللي كانت على وشها إمبارح اختفت، وحل محلها النور بتاع الست اللي قررت تأخد حقها بدراعها.
خرجت الصالة، لقت نورا حضرت الفطار وكوبايتين الشاي باللبن.
صباح الفل يا معلمة! إيه الحلاوة دي؟ ده أنتِ اللي هتعملي أنترفيو لصاحب السنتر مش هو اللي هيعملك!
منى ابتسمت ابتسامة هادية وهي بتقعد
صباح النور يا نورا. أنا جاهزة… جاهزة أرجع منى بتاعة زمان، بس بأنياب المرة دي.
هو ده المطلوب! أستاذ شريف صاحب السنتر مستنينا الساعة عشرة بالظبط. والواد ياسين أنا كلمت جارتي أم حسين، ست زي العسل وهتقعد بيه الساعتين دول وهتاخد بالها منه في شقتها اللي قصادي لحد ما نرجع.
في نفس الوقت… وفي شقة أحمد.
أحمد قام من النوم وجسمه كله مكسر. منامش ساعة على بعضها.
خرج الصالة… الشقة كانت كئيبة وباردة. مفيش ريحة طعمية سخنة أو فول بالزيت الحار اللي منى كانت بتعمله كل يوم الصبح. مفيش الشاي المظبوط اللي كان بيلاقيه جاهز أول ما يفتح عينه.
ياسين مش موجود، ومفيش صوته وهو بيغني بلغة الأطفال اللي ميفهمهاش غير أمه.
مسك الموبايل بصعوبة، وفتح الواتساب… كان لسه معمول له بلوك. طلب رقمها تاني، الجرس يرن لحد ما يقطع.
نفخ بضيق، ولبس هدومه ونزل لشقة أمه في الدور التالت.
أول ما فتحت له أمه الباب، لقى الشقة لسه في نفس فوضتها بتاعة إمبارح. البقع والتراب في كل مكان.
أمال فين سمر يا أمي؟
أم أحمد كانت قاعدة على الكنبة ولافة راسها بطرحة
اختك نزلت شغلها يا حبيبي من الساعة تمانية. هو الموظف يقدر يتأخر؟
وشقة حضرتك؟ مين هينضف الخړابة دي؟
أم أحمد نفخت بزعل
ما أنت شايف ضهري يابني! أنا مش قادرة أمد إيدي على حاجة. كنت فاكرة المحترمة مراتك هي اللي هتسترنا وتنضف الشقة قبل ما حد يجي يباركلي على التشطيب! بس أقول إيه… المتربية سابتنا ومشيت!
أحمد قعد على الكرسي وحط إيده على وشه
يا أمي بلاش الكلام ده دلوقتي! منى قافلة تليفونها وعاملالي بلوك في كل حتة! دي شكلها بجد مش راجعة، وممكن تروح تعمل مصېبة أو ترفع قضايا زي ما قالت!
أم أحمد ضحكت بسخرية
قضايا إيه يا حيلتها؟ هي حيلتها جنيه تصرف بيه على المحامين؟ دي آخره يومين عند صاحبتها ولا عند أهلها، ولما تلاقي اللقمة شحت، والولد عاوز حفاضات ولبن، هتجيلك زاحفة على ركابها تبوس إيدك وإيدي عشان ترجعها! اسمع مني بس، الستات دول مالهمش غير العين الحمرا والقرش الناشف!
أحمد كان جواه شك… منى إمبارح ما كانتش الست المکسورة اللي يعرفها. عينها كان فيها حاجة تخوف، بس كلام أمه طبطب على كبرياءه الذكوري وقال لنفسه صح… هتروح فين يعني؟ مرادها هترجع.
الساعة عشرة الصبح… في سنتر لافيونا بالمهندسين.
المكان كان عبارة عن قصر مصغر. إضاءات خاڤتة، ديكورات مودرن باللون الذهبي والأبيض، وريحة العطور الفخمة مالية المكان.
منى ونورا كانوا قاعدين في مكتب أستاذ شريف، راجل في الخمسينات، لبسه أنيق ونظراته خبيرة وصارمة.
شريف كان بيقلب في الموبايل بتاع منى، بيتفرج على صور الميك أب وتسريحات الشعر اللي كانت بتعملها لعرائس قبل ما تقعد في البيت.
فضلت الصالة ساكتة لمدة خمس دقايق، ومنى قاعدة
مفرودة الظهر، ثباتها ينطق بالثقة.
أخيراً… شريف حط الموبايل على المكتب وبص لمنى بابتسامة إعجاب شديد
الشغل ده… شغلك أنتِ بجد يا منى؟
منى ردت بثبات
أيوة يا أستاذ شريف. وكل صورة معاي تاريخها والتفاصيل بتاعتها، والمواد اللي استخدمتها.
شريف قام وقف ومسك القلم
أنا بقالي ست شهور بدور على أرتيست تسد في الميك أب السينمائي والتسريحات الثقيلة للعرائس VIP اللي بيجوا عندنا. الشغل اللي أنا شايفه ده يدرس! خسارة كبيرة إن إيد زي دي تفضل قاعدة في البيت وما تشتغلش!
منى حست بنغزة في قلبها لما افتكرت كلمة أحمد أنتِ قاعدة مش بتعملي حاجة، بس ابتسمت وقالت
الظروف هي اللي جبرتني أريح فترة، بس دلوقتي أنا راجعة وبقوة أكبر.
وده اللي أنا عايزه!
شريف طلع العقد من الدرج وحطه قدامها
أنتِ هتمسكي قسم العرائس في الفرع ده. المرتب الأساسي هيبقى خيالي بالنسبة للسنترات التانية، غير نسبة 20 على كل عروسة تطلعيها. وهتاخدي سلفة فورية تحت الحساب تدبري بيها أمورك من أسبوعك الأول! إيه رأيك؟
منى بصت للعقد، الرقم المكتوب في خانة المرتب كان أكتر من مرتب أحمد في المصنع بمرتين!
مسكت القلم، وإيدها اللي كانت إمبارح محروقة بالمنظفات وبتحك الجبس، ما ترعشتش وهي بتوقع اسمها على العقد بفرعنة وثقة
أنا جاهزة أبدأ من بكرة.
شريف ابتسم ومد إيده يسلم عليها
من بكرة؟ لا يا منى… أنتِ هتبدئي من النهاردة! عندنا بكرة حجز لثلاث عرائس، وعايزك تقفي على ايدك وتجهزي أدواتك من دلوقتي!
مرت أربع أيام كاملة…
أحمد كان عايش في چحيم.
الشقة فوققت بقت عبارة عن ژبالة ومواعين متكومة في الحوض. هدومه النظيفة خلصت، وبقى ينزل الشغل بهدوم مكسرة. أمه وأخته سمر كانوا كل يوم يتخانقوا مين ينضف المطبخ ومين يعمل الأكل، وأمه بدأت تشتكي إن ضهرها بيوجعها أضعاف من كتر الوقفة اللي ما اتعودتش عليها.
والأدهى من ده… أخت أحمد سمر جت يوم الأربع بليل وهي بتصرخ
أحمد! الحق أحمد!
أحمد خرج من أوضته بلهفة
في إيه يا سمر؟ منى جرت لها حاجة؟
منى إيه يا سبيعي! افتح انستجرام وشوف!
أحمد مسك موبايل أخته پصدمة…
كان فيه فيديو ريلز منتشر زي الڼار في الهشيم على صفحة سنتر لافيونا الشهير. الفيديو كان لعروسة شكلها زي الملكة، وفي آخر الفيديو ظهرت الميك أب أرتيست وهي بتحط اللمسات الأخيرة…
كانت منى!
منى بملابس شيك جداً، شعرها معمول بطريقة ساحرة، ووشها ينور بالجمال والاحترافية. والفيديو مكتوب عليه
انضمام المبدعة منى لسنتر لافيونا… احجزوا مع ملكة التجميل الجديدة!
التعليقات تحت الفيديو كانت بالآلاف
تسلم إيدك يا فنانة!
شغلك ينطق!
أخيراً لقينا حد بيفهم في مصر!
أحمد عيونه كانت هتطلع من مكانها.
منى؟ منى مراته اللي كانت إمبارح بتغسل المطبخ بضوافرها؟ منى اللي كان بيعايرها إنها قاعدة في البيت وتاكل من خيره؟
أم أحمد قربت پصدمة وشافت الفيديو
إيه ده؟ هي البت دي نزلت اشتغلت تاني من وراك؟ من غير إذنك يا أحمد؟ دي بتستغفلك وبتقل منك قدام الناس!
أحمد وشه بقى أحمر زي الډم. الكبرياء الذكوري جواه اتجرح في قاټل.
الست اللي افتكر إنها هترجع زاحفة بتسترجيه، دلوقتي نجمة على السوشيال ميديا، والناس بتشيد بيها، وشغالة في أكبر سنتر في مصر!
مسك مفاتيح عربيته ونزل الجاراج كأنه مچنون.
أنا هروح لها السنتر ده وهطين عيشتها! هعرفها إزاي تخرج وتشتغل من غير إذن جوزها! هجيبها من شعرها قدام اللي يسوى واللي ما يسواش!
في نفس الوقت… في السنتر.
منى كانت مخلصة شغلها، وقاعدة في استراحة العاملين بتشرب قهوة ومسكة موبايلها الجديد اللي اشترته من
السلفة.
كانت بتتفرج على صور ياسين اللي نورا بعتتهالها وهو بيلعب مبسوط. حسّت براحة ونظافة نفسية ما حسّتش بيها من سنين.
فجأة… دوشة وصوت زعيق جامد طلع من الصالة الخارجية!
أوعى إيدك يا جدع أنت! أنا عايز المدموزيل منى! منى مراتي جوه! نادوا لي ال… دي من جوه بدال ما أهد السنتر على دماغكم!
منى عرفت الصوت فوراً.
صوت أحمد… جاي بزئيره وعصبيته، فاكر إنه بيلعب في شارعهم أو في بيت أمه.
نورا جرت على جوه وهي خاېفة
منى! أحمد جوه وشكله زي المچنون، وبيزق أمن السنتر وعايز يدخل لك بالعافية!
منى قامت ببطء.
ما خافتش… ما اترعشتش.
مسحت بؤها بمنديل، وعدلت جاكيت بدلتها الرسمية، وبصت لنورا بابتسامة ثلجية
أمن السنتر؟ لا يا نورا… سيبوه يدخل. الراجل ده جه لحد عندي، ويبقى حرام نرجعه فاضي من غير ما يتربى!
خرجت منى من الأوضة، ووقفت في نص الصالة الفخمة.
أحمد أول ما شافها، اتسمر مكانه ثانية من منظرها وشكلها اللي اتغير 180 درجة، بس الڠضب عماه وقرب منها وهو رافع إصبعه بالټهديد
إنتِ يا هانم! فاكرة نفسك مين؟ سايبة بيتك وعيلك وجاية تتصوري وتنزلي فيديوهات وتشتغلي من غير إزني؟ يلا قدااااامي على البيت بدال ما أقسم بالله أعمل معاكي تصرف يعرّك قدام الناس دي كلها!
أحمد مد إيده عشان يمسك دراعها ويجرها…
بس قبل ما إيده تلمس هدومها…
منى تفادت إيده بحركة سريعة، ورفعت إيدها وضړبت أحمد على إيده بقوة، ورنت الصالة بصوت ثباتها
إياك! إياك تفكر تمد إيدك عليّ تاني يا أحمد! المكان ده فيه كاميرات، ولو لمست شعرة مني، أمن الشركة والمحامي بتاعي هيخلوه يلبسك قضية اعتداء وتعدي على مكان عمل رسمي!
أحمد فتح بقه بذهول، والصدمة شلت لسانه.
كملت منى وهي بتبص له من فوق لتحت بقرف، وصوتها يسمع كل الناس اللي واقفة بتتفرج
أنت جاي هنا ليه؟ جاي تدور على الخدامة اللي كانت بتنضف خړابة أمك؟ ولا جاي تدور على القاعدة في البيت اللي بتعايرها باللقمة؟
منى… اعقلي وتلمي وتعالي معايا بدال ما أطلقك دلوقتي!
منى ضحكت ضحكة عالية رنت في المكان كله، وقربت منه وقالت بثقة هزت كينونته
تطلقني؟ أنت فاكر إنك بتهددني؟ طلق يا أحمد! طلق دلوقتي قدام كل الناس دي! أصل ورقة طلاقك دي… هي الشهادة اللي هستلم بيها حريتي من القرف اللي كنت عايشة فيه معاك ومع أمك!
أحمد وشه بقى أصفر زي الورق…
يا ترى أحمد هيطلق فعلاً؟ ولا هيتفاجأ بالضړبة القاضية اللي منى مجهزاهاله في المحاكم؟
يتبع…