شقه حماتى 2قصص وروايات أمانى سيد

وقفت قدامه ودموعي جفت من كتر القهر، وبصيت في عينيه بكل قوة متبقية فيا وقولتله:
> — *”طالما أنت متجوزها من سنتين ومخلف منها كمان.. ليه ما قولتليش يا يوسف؟ ليه ما طلقتنيش من البداية وسبتني أعيش حياتي وأشوف نصيبي؟ ليه سبتني عايشة على وهم ومغفلة، وبخدم في بيتك وبيت أمك؟”*
>
يوسف كشر بضيق وحط إيده في وسطه، وبصلي بنظرة كلها لوم وكأني أنا اللي غلطانة، وقال بنبرة حادة:
> — *”أقولك إيه وأطلقك ليه؟ إحنا بقالنا 5 سنين متجوزين ومخلفناش! وأنا راجل متغرب هناك لوحدي في بلد غريبة، وليا طلبات واحتياجات.. من حقي أتجوز وأخلف ويبقى ليا عيل يشيل اسمي، ولا كنتِ عايزاني أعيش محروم ووحيد طول عمري عشان خاطرك؟”*
>
الكلمة نزلت على قلبي زي النار، حسيت بدمي بيفور من كتر الظلم وقله الأصل.. قربت منه خطوة وقولتله بصوت عالي ومليان قهر ووجع:
> — *”مخلفناش؟! وأنت تطلع مين عشان ترمي عليا العيب ده وتتحجج بيه؟ إحنا مخلفناش عشان مكنش فيه بينا علاقة أصلاً بسبب الغربة! أنت مش موجود ومعايا طول السنة.. بتسافر بالشهور وتغيب، ولما تنزل يا دوبك كام يوم وتمشي! إزاي هنخلف والمسافة بيننا بلاد؟ وزي ما أنت راجل وعايز تتجوز وتخلف وليك طلبات واحتياجات.. أنا كمان ست، ومن حقي أتجوز وأخلف وليا طلبات واحتياجات، وكان نفسي في طفل يملى عليا دنيتي.. ولا أنت حلال ليك وحرام عليا؟!”*
بصيت في عينيه وأنا كلي كسرة وغضب، وصوتي طلع مرتعش بس قوي وواضح، وقولتله:
> — *”أنت ضيعت خمس سنين من عمري يا يوسف.. خمس سنين وأنا قافلة على نفسي بابي وصاينة اسمك وبخدم أمك، وفي الآخر تكسرني الكسرة دي؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أنا مش مسمحاك على يوم واحد راح من شبابي وأنا مستنياك ومغفلة! مش مسمحاك على قلبي اللي وجعته وعمري اللي سرقته مني.”*
>
دموعي نزلت حامية على خدي وأنا بكمل كلامي والوجع بيقطع في صبري:
> — *”ده بدل ما تفكر في حل يلمنا سوا؟ بدل ما تاخدني أعيش هناك معاك وتعملي إقامة ونبني حياتنا مع بعض زي أي اتنين متجوزين بيحبوا بعض وبيسندوا بعض في الغربة؟ لكن لأ.. أنت فكرت في الحل السهل.. الحل اللي على هواك ومزاجك وبس! فكرت في متعتك وأنانيتك وروحت اتجوزت عليا وركنتني هنا في الضل!”*
>
يوسف بصلّي ببرود شديد، وبدل ما يحس بـ ذرة ندم أو تأنب ضمير، ملامح وشه قسيت أكتر، ولوى بوزه بلامبالاة وقالي:
> — *”خلاص؟ خلصتي الخطبة العصماء بتاعتك؟ وبدال ما ندخل في ‘حسبي الله ونعم الوكيل’ والندب ده، ريحي نفسك.. السفر والغربة مصاريفها كتير ومكنتش هقدر أتحمل مصاريف معشتك هناك في الغلاء ده، ومي ظروفها كانت مناسبة معايا وسندتني هناك.. فبلاش نبرة المظلومية دي.”*
>
ضحكت بمرارة، ضحكة مخنوقة بالدموع.. سندتك؟ يعني البيه كان بيوفر قرشه عليا ومستخسر ياخدني معاه، وراح صرف الشئ الفلاني عشان يتجوز ويفرش لست الهوانم شقة “سوبر لوكس” بأحدث الأجهزة على قفايا وتعبي!
وقبل ما أنطق بحرف، سمعنا خبط رزع فوق راسنا، وصوت حماتي بتنادي من البلكونة بصوت جهوري مسمع الشارع كله:
> — *”يا يوسف! يا بني سيبك من النكد والزن اللي تحت ده واطلع.. مي جهزت الفطار ومستنياك، والواد عمال يعيط عايز أبوه!”*
>
بصلي يوسف بنظرة أخيرة، نظرة خالية من أي احترام أو عشرة، وعدل ياقة التيشيرت بتاعه وقالي وهو بيمشي ناحية الباب:
> — *”أنا طالع أفطر.. فكري في كلامي كويس يا رغدة، وعقلك في راسك تعرفي خلاصك.. البيت ده ليه مركب واحدة، وطالما مش عاجبك.. يبقى المركب اللي تودي.”*
>
قفل الباب وراه، والرزعة بتاعة القفل سمعت في صدري أنا..
وقفت في وسط الصالة أبص على شقتي الضيقة، وأبص على نفسي في المراية.. كنت شاحبة، متبهدلة، وتعب الشقا والخدمة باين على وشي وإيديا اللي تشققت من الكلور ومية التوضيب.. وفي المقابل، ضرتي فوق قاعدة في التكييف، متنعمة بفرش جديد وتعب جاهز..
وفي اللحظة دي بالذات، حسيت ببرود غريب سكن قلبي.. برود شال الدموع وحط مكانها قوة مكنتش أعرف إنها جوايا.. وقولت لنفسي: *”لأ يا رغدة.. الخمس سنين اللي ضاعوا كفاية أوي لحد كده.. واللعبة دي مش هتنتهي بالطريقة اللي هما عايزينها.”*
أخدت نفس طويل، وريحت جسمي على الكنبة.. القهرة والكسرة اللي كانوا هيموتوني من شوية اتبخروا، وحل مكانهم برود غريب، كأن قلبي جمد وبقى زي الحجر. بصيت لشنطة هدومي الكبيرة اللي تحت السرير، سحبتها وبدأت ألم فيها كل حاجة تخصني.. لبسي، دهبي، وشهاداتي.. كل حاجة بتثبت إن رغدة كانت موجودة في البيت ده.
كنت بلم حاجتي وأنا سامعة صوت ضحكهم فوق بيزيد، وصوت المعالق وهي بتخبط في أطباق الفطار.. فطارهم اللي كان المفروض يبقى من إيدي وتعب شقايا.
قليت في بالي: *”والله ما هقعدلكم فيها ثانية واحدة.. شبعوا ببعض وبشقتكم الجديدة، بس حساب الخمس سنين دول هناخده، تالت ومتلت.”*
قفلت الشنطة وسحبتها ورايا وطلعت برة الشقة. وأنا بقفل الباب، حسيت إني بقفل صفحة سوء وظلم عشتها ومكنتش شايفة حقيقتها. نزلت السلم بخطوات ثابتة وقوية، مفيش دموع، ومفيش رجفة.
وأنا بفتح باب العمارة الخارجي، لقيت حماتي نازلة على السلم تشتري حاجة. أول ما شافت الشنطة في إيدي، عينيها برقت وقالت بلهجة كلها شماتة ولؤم:
> — *”على فين يا رغدة يا بنتي؟ واخدة شنطتك ومروحة لبيت أبوكي عشان تلوي دراع يوسف؟ فكري كويس يا حبيبتي، يوسف مش هيركعلك، وعروسته الجديدة مالي مالي عينه وقلبه.”*
>
وقفت مكاني، وبصيتلها من فوق لتحت ببرود وثقة خلت الضحكة تهرب من وشها، وقولتلها بصوت هادي وراسي:
> — *”أنا مش هقعد ألوي دراع حد يا حماتي.. يوسف خلاص بقى ماضي ورخص من نظري، والشقة اللي أنا وضبتها وتعبت فيها وكنتوا بتستغفلوني عشانها.. خلوها تشبعكم.. بس افتكري كويس، دعوة المظلوم ملهاش حجاب، والقرشين اللي يوسف وفرهم من شقايا وتغفيلكم ليا.. هتدفعوا تمنهم غالي أوي ومن صحتكوا وراحتكوا.”*
>
سيبتها واقفة بوقها مفتوح ومبرقة من الذهول، وسحبت شنطتي وطلعت للشارع.. الهوا النضيف خبط في وشي،
ركبت أول تاكسي قابلني، رميت الشنطة في الشنطة ورا، وركبت وأنا حاطة راسي على الشباك وببص للشوارع وهي بتجري من جنب عيني.. لأول مرة محسش بخوف من بكرة، بالعكس، كنت حاسة براحة ونظافة في قلبي وكأن الشوائب والغمامة اللي كانت على عيني انزاحت خلاص.
وصلت بيت أبويا.. الباب اتفتح، وأول ما أمي شافتني بالشنطة دي ووشي اللي باين عليه معالم حرب نفسية، شهقت وحطت إيدها على صدرها:
> — *”رغدة! يا بنتي في إيه؟ ومالك جاية بشنطة هدومك كده ليه ويوسف فين؟ مش المفروض زمانه وصل من المطار؟”*
>
دخلت الشنطة، وقعدت على الكنبة بتنهيدة طويلة، وجالي أبويا على الصوت وهو مخضوض. بصيت لهم وقولت بكل هدوء برود الدنيا كله في صوتي:
> — *”يوسف رجع يا بابا.. رجع بمراته الجديدة وابنه اللي عنده سنتين.. وحماتي كانت مخلية الشقة الجديدة اللي هديت حيلي فيها وبنضفها وبفرشها بالحلل والملايات عشان ست الحسن والجمال تدخل على الجاهز.”*
>
أمي لطمت على صدرها وبدأت تدعي وتتحسبن، وأبويا وشه اتقلب وجاب ألوان من الغضب وعروق جبهته برزت:
> — *”الواطي قليل الأصل! بقالنا خمس سنين صاينين غيبته وبنتنا تخدم أمه وهو متجوز ومخلف وسايبك زي الوقف؟ والله ما هعديلهاله، أنا هروحله وأجيب حقي وحقك وحق شقاكي من عينه!”*
>
حطيت إيدي على إيد أبويا، وبصيتله بعيون مفيهاش دمعة واحدة، عيون فيها قوة وتصميم:
> — *”لأ يا بابا، بالله عليك ما تروح ولا تبهدل نفسك مع ناس بالرخص ده.. يوسف وأمه ميستاهلوش إنك تقف قدامهم وتزعق وتضيع هيبتك وصحتك عشانهم. يوسف تمنه عندي بقى أرخص من التراب.. بس حقي وحق الخمس سنين دول، وحق دهبي وشقايا وكل مليم صرفته وصان بيته بيه، هاخده بالقانون وتالت ومتلت.. ومحامين البلد كلهم هيتحاكوا بالقض*ية دي.”*
>
أبويا بصلّي بذهول وفخر في نفس الوقت، كأنه مكنش متوقع إن بنته الهادية المطيعة هتقف الوقفة دي.. طبطب على كتفي وقال:
> — *”وعز جلال الله يا رغدة، لو عايزة توديهم ورا الشمس لأقف معاكي وأسندك بآخر قرش في جيبي.. راسك تترفع فوق، والناقص ناقص وهيجي يوم يندم فيه على رخصه.”*
>
سندت راسي على كتف أبويا وأنا ببتسم بمرارة ونصر.. من الليلة دي، رغدة القديمة، المطيعة اللي بتمسح وتكنس وتخدم وتسمع الكلمة وتصبر على الغربة والقلة، ماتت ودفنتها في الشقة اللي فوق.. ومن بكره، هتبدأ مرحلة تانية خالص، هعرفهم فيها مين هي رغدة لما تقرر تاخد حقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *