جوزي رمي 1500جنيه 3

خرج كريم من الشقة يجر شنطته وراه وهو بيغلي، وشريط الأحداث بيمر قدام عينيه زي الكابوس. خرج وهو بيقنع نفسه إن دي مش النهاية، عنده شغل ثابت، ترقية جديدة، شاليه الساحل، وريهام اللي متوقع إنها هتبقى الملجأ الوحيد بعد الفضيحة دي كلها.

أول ما وصل للشارع، طلب ريهام في التليفون عشان تحجز له أوضة في أي فندق مؤقتاً.. التليفون رن.. ورن.. ومحدش رد. كرّر الاتصال خمس مرات، لحد ما جاله مسج جافة منها:

*”أنا في اجتماع مهم مع رئيس القطاع، ما تتصلش دلوقتي.”*

كريم اتنفس بضيق ونام في عربيتك القديمة – اللي رجعت بجموطها الصاج القديمة ومظهرها المبهدل – قدام مستشفى بالشارع، مستني الصبح يجي عشان يروح الشركة ويبدأ يرتب أوراقه.

الساعة 9 الصبح بالدقيقة، دخل كريم شركة السيراميك والتشطيبات بكامل أناقته، يحاول يبتسم ويظهر قدام الموظفين إنه الباشا المترقي الجديد. لكن أول ما حط رجله في الممر، لاحظ نظرات همس وتهامس بين زمايله.. أمن المكتب كان بيبص له باستغراب، وريهام سكرتيرته ما كانتش على مكتبها.

قبل ما يقعد على كرسيه، تليفون المكتب رن.

صوت الشئون القانونية:

ـ “أستاذ كريم.. مطلوب فوراً في مكتب رئيس مجلس الإدارة.”

كريم حس بركبه بتخبط في بعضها، لكنه حاول يتماسك. مشي بثبات كداب لحد ما فتح باب مكتب رئيس مجلس الإدارة..

وهناك.. كانت المفاجأة اللي طيرت النور من عينيه.

رئيس مجلس الإدارة قاعد وراه مكتبه الفخم، وجنبه مدير الموارد البشرية (HR).. وعلى الكرسي اللي قدامهم مباشرة، كانت قاعدة “ريهام”.. وبجنبها ملف أصفر كبير.

رئيس مجلس الإدارة بص لكريم بنظرة حادة، ورمى الملف على الترابيزة:

ـ “اتفضل يا أستاذ كريم.. اقرأ المذكرة دي وقولي رأيك.”

كريم قرب بآيادي بترتعش وفتح الملف..

كانت شكوى رسمية مقدّمة من ريهام!

بتتهمه فيها باستغلال نفوذه الوظيفي، والضغط عليها، والنصب عليها في مبلغ مقدم شاليه الساحل اللي أخد منها جزء منه بحجة إنه هينقل ملكيته باسمها بعد الزواج الرسمي!

كريم اتصدم، وبص لريهام بصراخ:

ـ “إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ اللي طلبتِ الشاليه! وإنتِ اللي معايا في العقد العرفي!”

ريهام بصلته ببرود ودموع تمثيلية متقنة وقالت لرئيس القطاع:

ـ “حضرتك شايف يا فندم؟ بيهددني بالعقد العرفي اللي أجبرني أمضيه عشان يسيبني في شغلي! وأنا أول ما اكتشفت إنه بيختلس وبياخد عمولات من الموردين لحسابه الشخصي، قررت أبلغ فوراً!”

هنا كريم حس إن الأرض بتدور بيه..

لكن الضربة الماcheck-mate ماكانتش من ريهام بس..

مدير الـ HR طلع ورقة ثانية، وقال بصوت صارم:

ـ “بالإضافة لشكوى الأستاذة ريهام.. الأستاذة مريم، زوجتك، شرفتنا هنا الساعة 8 الصبح.. وقدمت لنا كشف حساب تفصيلي بتحويلات وعمولات أخدتها من عملاء الشركة لحسابك الشخصي على مدار سنة كاملة.. تسريبات وإيميلات رسمية متسجلة من سيستم الشركة اللي إنت كنت بتبعتها لنفسك!”

مريم.. مريم ماكتفتش بأنها تأمن نفسها بالشقة ومؤخرها والطلاق.. مريم دخلت على أرشيف إيميلاته القديمة، وتتبعت العمولات والرشاوى اللي كان بياخدها من ورا الشركة عشان يحوش بيها للجنوط وللشاليه وللمنظرة الكدابة، وبعتت نسخة كاملة للـ HR قبل ما هو يوصل الشركة بساعة واحدة!

رئيس مجلس الإدارة وقف وقفل الملف بحدة:

ـ “إحنا مش بس هنقيلك يا كريم.. إحنا حولنا الملف ده بالكامل للنيابة العامة بتهمة خيانة الأمانة والإضرار بمال الشركة.. والأمن مستنيك بره عشان يسلموك للشرطة.”

كريم وشه بقى زي الج\ثة، بص لريهام اللي كانت بتبص له بشماتة، وبص للورق.. وافتكر كلمته لمريم أول امبارح لما رمى الـ 1500 جنيه وقال لها بكل غرور: *”ولو ما عرفتيش، يبقى المشكلة فيكي… مش في الفلوس.”*

دلوقتي، كريم واقف من غير شغل، من غير شقة، من غير عربية شيك، من غير ريهام، ومستقبله كله بين إيدين النيابة..

وفي نفس اللحظة دي.. مريم كانت قاعدة في بلكونة شقتها، بتشرب القهوة في هدوء، والقط “مشمش” نايم جنبها في الشمس.. بتسمع صوت الشارع بيصحى، ومستنية جرس الباب يرن.. لأنها كانت عارفة إن في سر أخيرة الحاجة أمينة لسه ما كشفتوش عن أصل العمارة دي!

جرس الباب رن.

مريم حطت فنجان القهوة على الترابيزة بهدوء، ومسدت على ظهر “مشمش” قبل ما تقوم تفتح.

على الباب، كانت واقفة الحاجة أمينة.. وبإيدها حقيبة جلد قديمة، وفي عينها نظرة مختلفة تماماً، مش نظرة الانكسار بتاعة امبارح، لكن نظرة ست حاسمة جاية تنهي كل حاجة بيديها.

دخلت الحاجة أمينة الشقة، وبصت للصالة الفاضية اللي بقى فيها هدوء وس\كينة، وقعدت على الكنبة.

ـ اقعدي يا مريم يا بنتي.. إحنا لازم نتكلم قبل ما النيابة تطلب كريم.

مريم قعدت قدامها باستغراب:

ـ نيابة إيه يا حاجة؟ هو الحق لحِق ينطلب؟

الحاجة أمينة اتنهدت بحسرة وفتحت الحقيبة الجلد:

ـ كريم مقبوض عليه من ساعتين في الشركة.. خالك مصطفى كلمني وقال لي إن المباحث أخدته من مكتب رئيس مجلس الإدارة. ريهام الشؤون القانونية لبسته التهم كلها، وهو بياع ومش محصل حتى يحمي نفسه.

سكتت الحاجة أمينة لحظة، وطلعت من الشنطة كيس قماش أسود ملفوف برباط غريب، وحطته على الترابيزة.

ـ كريم فاكر إن العمارة دي والشقة دي اشتروها بفلوسه وشقا عمره زي ما كان بيتباهى قدامك.. وكان دايماً يذُلك ويقول لك إنه صاحب فضل عليكي. بس الحقيقة غير كده خالص.

مريم عقدت حواجبها:

ـ قصدك إيه يا حاجة؟

الحاجة أمينة فتحت الكيس القماش، وطلعت منه عقد ملكية قديم أصفر من الزمن، ومعه إيصالات سداد بأرقام متسلسلة.

ـ العمارة دي كلها.. كانت أرض ملك أبويا الله يرحمه. ولما كريم اتجوزك، أنا بعت نصيبي في أرض البلد، ودفعت مقدم الشقة دي بالكامل وسجلت القسط باسمه عشان أعمل له قيمة قدام نسيبه وأهلك.. لكن الشقة دي أساسها وسقفها اتدفع من دم قلبي ومن حق أخته مروة.

بصت الحاجة أمينة في عين مريم بثبات وقالت:

ـ كريم وهو بيفتش في أوراقي من سنتين، سرق التنازل الأصلي اللي أنا كنت كاتباها باسمه، واستغل إني ما بقرأش ولا بكتب.. وكان ناوي يبيع الشقة دي من ورايا ومن وراكي عشان يكمل تمن الشاليه ويأمن نفسه مع ريهام!

مريم اتصدمت.. كانت فاكرة إن جشع كريم وقسوته مجرد طمع موظف عايز يتمنظر، لكن اتضح إن الموضوع كان تخطيط لسرقة كل اللي حواليه: مراته، أخته، وأمه!

كملت الحاجة أمينة بصوت حاسم:

ـ الورق ده فيه توكيل رسمي وقضايا إثبات ملكية أنا أختها من المحامي صباح النهاردة. أنا شلت كريم من ورثي ومن أملاكي رسمياً، والشقة دي.. بعقد التنازل اللي معاكي بتمكينك منها، بقت بتاعتك إنتِ ومروة أخت كريم بالنص. إنتِ تصونيها، ومروة تاخد حق علاجها منها.

في اللحظة دي، تليفون الحاجة أمينة رن.

كان المتصل هو المحامي اللي واكلينه لمتابعة قض\ية كريم في النيابة.

فتحت الحاجة أمينة السبيكر..

صوت المحامي كان متوتر ومستعجل:

ـ “يا حاجة أمينة.. الوضع أتعقد جداً في النيابة. كريم اعترف على الشركاء اللي كانوا بياخدوا معاه العمولات في الشركة، وأنا اكتشفت إن في حساب بنكي مقفول باسمه فيه أكتر من 300 ألف جنيه.. بس الحساب ده مجمّد بقرار من النيابة لأن الأستاذة ريهام قدمت إثبات إن المبالغ دي من متحصلات غسيل أموال وعمولات غير مشروعة!”

كريم ماكانش بس بياخد عمولات.. كريم كان متورط في شبكة أكبر منه بكثير، وريهام كانت المفتش اللي بيوقع بيه عشان تنجو بنفسها!

المحامي كمل كلامه وقال جملة خلت مريم والحاجة أمينة يقفوا في مكانهم:

ـ “بس في مشكلة ثانية يا حاجة.. كريم طالب يستغيث بيكي وبمريم بالذات.. وبيقول إن في إيصال أمانة بقيمة 200 ألف جنيه هو ما يرتكبهوش، وممضي باسم مريم! ولو ما اندفعش خلال 24 ساعة، القض\ية هتحول لخيانة أمانة وجناية مش مجرد جنحة!”

مريم بصت للحاجة أمينة بصدمة.. هي عمرها ما وقعت لكريم على أي إيصال أمانة!

هنا مريم افتكرت الدرج المقفول في مكتبه اللي كان دايماً يرفض يفتحه، وافتكرت اليوم اللي طلب منها تمضي على ورق التأمين الصحي للبيت قبل سنتين…

ابتسمت مريم بمرارة، وعرفت إن كريم كان مجهز خيانته ليها من أول يوم دخلت فيه البيت.. وكان حافر لها حفرة هيقع فيها هو بنفسه في النهاية.

مريم بصّت للحقيبة الجلد القديمة، وبعدين رفعت عينها للحاجة أمينة وقالت بثبات يسبق العاصفة:

ـ “تأمين صحي؟ كريم كان ممضيني على استمارة فاضية بحجة التأمين الصحي من سنتين، واستغل ثقتي عشان يطبّع عليها إيصال أمانة يهددني بيه لو فكرت أسيبه في يوم من الأيام!”

الحاجة أمينة مسكت إيد مريم وقالت لها بصوت صارم:

ـ “على المباحث والنيابة فوراً يا مريم.. الندل ده لازم يحصد كل بذرة شر زرعها بنفسه.”

في مقر النيابة، كان المشهد لا يُصدق.

كريم قاعد على الكرسي، أطرافه بترتعش، وشه أصفر زي الورق الذابل، الكلبشات في إيده، ومظهره الأنيق اللي كان بيقضي قدام المراية بالساعات عشان يظبطه بقى مبهدل ومكسور.

أول ما شاف مريم ووالدته داخلين مع المحامي، قام يصرخ ويدور على قشة يتعلق بيها:

ـ “يا أمي الحقيني! مريم.. سامحيني يا مريم، أنا اتخدعت! ريهام ضحكت عليا وأخدت مني كل حاجة وورطتني! تنازلي عن إيصال الأمانة وادفعوا الكفالة وأنا أوعدك هعيش تحت رجليكي! هجيبلك اللحمة كل يوم وأعيشك ملكة!”

مريم قربت منه ببطء، وبصّت في عينيه من غير ما تهتز فيها شعرة واحدة. ماكانش في عينها كره ولا انتقام.. كان في عينها مجرد “قرف” وشفقة على بني آدم باع أقرب الناس ليه عشان مظاهر كدابة.

مريم طلعت من شنطتها كارت صغير ورقتين:

الأولى: تقرير الطب الشرعي وإثبات التزوير اللي عمله المحامي فوراً على إيصال الأمانة، بعد ما أثبتوا إن التوقيع قديّم ومكتوب بصلب مختلف عن صلب الإيصال (تزوير بصلب المحرر).

والثانية: صور من الأرشيف والمستندات اللي بتؤكد إن الفلوس اللي في حسابه المجمد هي العمولات اللي اختلسها من الشركة.

وكيل النيابة بص لكريم وقال بلهجة حاسمة:

ـ “المتهم كريم.. بالإضافة لتهم اختلاس أموال الشركة وخيانة الأمانة، يُضاف إليك تهمة التزوير في محرر عرفي واستعماله لإلحاق الضرر بالمجني عليها مريم.”

انضرب المطرقة على المكتب:

**”حبس المتهم كريم 3 سنوات مع الشغل والنفاذ، مع مصادرة الأموال المجمّدة لصالح الشركة والمتضررين.”**

كريم صرخ وهو بينسحب من العساكر:

ـ “يا أمي! يا مريم! ما تسيبونيش!”

لكن أمه لفت ظهرها ومشيت من غير ما تبص وراها، ومريم مشيت جنبها بثبات ورأس مرفوعة.

بعد 6 أشهر..

الشقة رجعت فيها الروح. الحاجة أمينة أخدت حق علاج ابنتها مروة من بيع جزء من أوراق الملكية، ومروة عملت العملية ورجعت تمشي على رجليها من جديد.

أما مريم.. ففضلت في شقتها، كملت شغلها في المكتبة، وطوّرت من نفسها، وعايشة في هدوء وس\كينة، بتاكل بأدب وقناعة، لكن المرة دي من غير ما حد يرمي عليها ألف ونص ويذُلها، ومن غير ما تعد رغيف العيش عشان جنوط ومظاهر فارغة.

وفي يوم جمعة مشمس.. كانت مريم قاعدة في البلكونة، بتشرب الشاي بالنعناع، والقط “مشمش” نايم جنبها في الشمس. بصّت للشارع ورأت عربية الفول المعدية، وابتسمت ابتسامة راحة حقيقية.. ابتسامة ست عرفت قيمتها وما سمحتش لراجل ناقص يكسرها.

### 💡 الحكمة من القصة:

> **”الرجال تُقاس بالمسؤولية والأصل، لا بالمنظرة والبدل الفارغة.”**

> * **البيت لا يُبنى بالقهر:** من يستكثر على أهل بيته القوت اليومي ليشتري به مظاهر كدابة أمام الناس، هو إنسان فقير النفس، والفقر الفعلي هو فقر الأخلاق والنخوة.

> * **كتمان الست ليس ضعفاً:** المرأة الأصيلة قد تصبر وتدبر وتتحمل الضيق سنداً لزوجها، لكن إن اُستغل صبرها وغُدر بها.. تحول حلمها ورزانتها إلى ذكاء حاد يقتلع الظالم من جذوره.

> * **كما تدين تدان:** من يسرق حق أخته العليلة ليُرضي طمعه ومظاهره، يُسلط الله عليه من يسرقه ويخرجه من أوهامه مكسوراً ومُهانًا.. فالعدل إلهي، والباطل مهما تزيّن، ينتهي دائماً في القاع.

>

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *