معاناة ابني

​راجعت نفسي في ثانية… الغضب والقسوة اللي بشوفهم منه في النهار ما كانوش قسوة قلب، ده كان قناع بيستخبى وراه عشان يداري الانهيار ده كله! والأثر الأزرق اللي في إيد شيرين مراته؟ دي ما كانتش علامة ضرب… دي كانت أثر صوابعها وهي بتحاول تمسكه بالقوة كل ليلة عشان تمنعه إنه يؤذي نفسه!
​نزلت على ركبي ورا الباب، ودموعي نزلت تحرق وشي. عرفت ساعتها سر السكوت بتاع شيرين، ونظرات الخوف اللي في عينيها. البت كانت شايلة هم يهد جبال ومستحملة عشان بتحبه وبتداري عليه، حتى مني أنا أمه!
​خبطت على الباب بالراحة خالص، وبصوت مرعوش ومكسور قلت:
— افتح يا أحمد… افتح يا حبة عين أمك، أنا شفتك يا بني.
​المية اتفصلت فجأة. السكون غطى الشقة كلها، سكون يقطع النفس. بعد ثواني، الباب اتفتح بالراحه، وخرج أحمد وهو بيترعش من البرد والمية بتنزل من هدومه على السقف والأرض. كان شكله يكسر الحجر، عينه حمرة ودافن راسه في الأرض زي الطفل المذنب.
​شيرين

خرجت من أوضتها تجري، وجت وقفت جنبه وهي بتعيط، ورفعت عينيها ليا وقالت بصوت مكسور:
— والله يا طنط كنت عايزة أقولك… بس هو حلّفني بالغالين ما أنطقش، كان خايف قلبك يتحرق عليه!
​أنا ما نطقتش كلمة واحدة. قربت منه، وشدته في حضني بالراحه. أحمد في الأول كان متخشب، بس أول ما حط راسه على كتفي، انهار… انهار زي العيل الصغير، وقعد يعيط بصوت عالي ويبكي بقهقرة ويهتف:
— تعبت يا أمي… تعبت من الديون، وتعبت من التهديد! الشريكة اللي دخلت معاها الشغل نصبت عليا ولبستني قضية وشيكات بملايين… والناس دول مش مخلين لي يوم حلو، بيهددوني بيكي وبشيرين، وكل يوم تلاتة الفجر بيبعتولي رسايل التهديد على التليفون، بيبقوا عاوزين يكسروا نفسي! أنا بتخنق يا أمي… بتخنق وحاسس إن العيلة دي هتروح مني بسبب غباوتي!
​ساعتها بس فهمت كل حاجة. فهمت ليه كان بيدخل الحمام في الوقت ده بالذات… رسائل التهديد كانت بتجيله الفجر، وكان بيدخل تحت المية عشان يغسل الوجع والسيطرة تروح منه، وكان بينزل المية الساقعة عشان يستوعب أو يغيب عن الوعي من كتر التفكير.
​مسحت دموعه ببيشتي، ورفعت راسه لفوق وقلت له بصوت كله قسوة الأم لما تحمي عيالها:
— تقر عينك يا أحمد! بقيت تداري على أمك اللي شالتك تسع شهور وربتك بعد أبوك ما مات وسبنا للفقر؟ هي الأيام دي تصعب علينا يا ابن سعاد؟
​أحمد بص لي وهو مش مصدق:
— يا أمي دول ملايين… الشقة هتتاخد، وشغلي ضاع!
​ابتسمت وسط دموعي وقعدته على الكنبة، ودخلت جوة الأوضة. فتحت شنطتي القديمة الصفيح اللي جيبتها معايا من البلد، الشنطة اللي كانوا فاكرين فيها شوية هدوم قديمة وكركبة. طلعت منها كيس قماش أسود ملفوف برباط غزل متين، وحطيته في إيده.
​أحمد فتح الكيس وإيده بتترعش… لقي جواه صفيحة مليانة دهب قديم، كردان وأساور وثقال، ورزمة أوراق ملكية أرض في البلد.
​— ده قرشين أبوك اللي سابهم لي قبل ما يموت، وأرض أهلي اللي أخرتها سبتهالك يا أحمد. أنا ما نزلتش القاهرة عشان أتقل عليك ولا أكل في شقتك… أنا نزلت عشان حسيت إنك محتاجني، وقلب الأم حاسس باللي فيك من قبل ما تنطق.
​أحمد وشيرين بصوا للدهب وللأرض وهم مش مصدقين، وأحمد وقع على رجلي يبوسها وهو بيصرخ:
— يا أمي ده شقا عمرك كله! دي الأرض اللي كنتِ بتحلمي ترجعي تبني فيها بيتك!
​قلت له وأنا بطبطب على راسه:
— البيت مش حيطان يا بني… البيت هو أنت. الدهب والأرض يتراح ويجي بدالهم ألف، لكن أنت لو جرى لك حاجة، سعاد تعيش لمين في الدنيا دي؟
​في الليلة دي، ما حدش فينا نام. قعدنا التلاتة لحد أذان الفجر… أحمد شرب الشوربة اللي كانت بردت وهي دافية بحنيتنا، وشيرين كانت بتضحك ودموعها نازلة.
تاني يوم الصبح، أحمد نزل مع المحامي بالورق والدهب، وسدد ديونه، ووقف على رجليه من جديد، ورجع الباشا المهندس اللي طول عمره مرفوع الراس… بس المرة دي، بحماية بركة دعاء أمه.
​ومن يومها… الحمام ما بقاش يدخله حد الساعة تلاتة الفجر إلا عشان بيتوضى لصلاة قيام الليل.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *