حكاوى شيمو1
وقفت في مكاني مش قادر أتحرك، الكلمات اللي قالها جارهم كانت زي المطرقة اللي نزلت على رأسي كتمت أنفاسي. الشارع كان زحمة والأصوات حوليا عالية، بس أنا مكنتش سامع غير صوت نبضات قلبي وصوت الراجل وهو بيعيد نفس الجملة: “لو تعرف الحقيقة، هتعرف إن اللي حصل يومها كان آخر نقطة بس…”
مسكته من إيده بقوة، إيدي كانت بترتعد، وبصيت له برجاء وقلت له:
* “حقيقة إيه يا عم صلاح؟ أرجوك قولي.. حقيقة إيه اللي بتتكلم عنها؟ أنا والله العظيم بحبها، ووالله ما كان قصدي أهينهم، أنا بس أسلوبي دبش ودبشت الكلمة من غير ما أفكر!”
عم صلاح هز رأسه بأسى، وبص لي بنظرة فيها خليط من الشفقة والغضب، وسحب إيده بالراحة وقال:
* “يا بني، العيب مش بس في الكلمة اللي طلعت منك، العيب في الكلمة وفي اللي قبل الكلمة.. إنت كنت فاكر إنك لما بتطلب بط وحمام ومحشي وبشاميل كل جمعة، إن الموضوع كان مجرد أكل بياكلوه معاك؟ إنت كنت فاكر إن الناس دول معهم فلوس ويكتموا عنك؟”
قلت بذهول:
* “ما هما عمرهم ما قالوا لأ! كانت تقول لي حاضر ومن عينيا، وكان الأكل بيبقى مفروش على الترابيزة زي الفل! لو كانوا قالوا معندناش أو الفلوس مش مكملة، أنا مكنتش طلبت.. أنا مكنتش أعرف!”
عم صلاح ضحك ضحكة مكسورة، ضحكة فيها مرار، وقال لي:
* “وهي دي المصيبة.. إنك مكنتش بتبص ولا بتحس.. إنت عارف عمك أحمد (أبو خطيبتك) بيشتغل إيه؟ بيشتغل عامل نظافة في مدرسة صباحي، ووبعد الظهر بيقف في محل خضار يشيّل شكائر عشان يجيب القوت يوم بيوم. عارف لما إنت كنت بتتصل كل يوم أربعاء أو خميس تملي طلباتك وتقول: ‘نفسي في بطة ومحشي ومكرونة بالبشاميل’.. كان إيه اللي بيحصل في البيت ده؟”
سكت عم صلاح شوية، وأنا حاسس إن الأرض بتميل بيا، ريقي جف تمامًا، ومقدرتش أرد، فكمل هو بكل قسوة:
* “البيت ده كان بيدخل في حالة طوارئ! البنت كانت بتقعد تعيط لأنها مش قادرة تقول لك ‘معندناش’ عشان خايفة تحرجك أو خايفة تحسسك إنهم مقصرين في حقك، وأبوها الراجل العجوز كان بينزل يلف على أصحاب المحلات في المنطقة يستلف منهم! يدخل لتاجر الطيور ويترجاه يسلفه بطة ولا فرختين بلدي لأجل عزومة خطيب بنته، ويقوله هسدد لك أول الشهر لما أقبض الجمعية! أمها كانت بتبيع حتة الذهب الفينقوشة الأخيرة اللي حيلتها من ريحة أهلها، حتة حلقة صغيرة كانت شايلاها للزمن، باعتها عشان تكمل ثمن طلباتك في عزومة من العزومات!”