حماتي رمت السمك 2

مر أسبوع بحاله، وفي يوم صحيت على صوت حركة غير عادية في حوش البيت تحت. نزلت بسرعة أشوف في إيه، لقيت عمي عبد الحميد قاعد وباصص للباب بجمود، وواقف قدامه أحمد!

أحمد مكنش أحمد اللي أنا عشت معاه؛ وشه كان دبلان، وعينه حمرة من قلة النوم، ولابس هدوم متبهدلة ومش متكوية، لأول مرة أشوفه مكسور بالشكل ده. أول ما شافني نازلة على السلم، جري عليا وحاول يمسك إيدي وهو بيقول بصوت مخنوق:

– “ندى.. أرجوكي اسمعيني، أنا بقالي أسبوع عايش في جحيم، البيت يضرب يقلب، وأمي تعبت وجالها جلطة خفيفة من الصدمة ومحدش عارف يخدمها، ومنة قاطعة الأكل.. أنا عرفت قيمتك والله العظيم، البيت من غيرك ميسواش قشة!”

وقفت على آخر درجة في السلم وبصيت له ببرود:

– “جاي ليه يا أحمد؟ أنا قولت لك ورقتي توصلي لحد هنا، والكلام خلص.”

أحمد بص لعمي عبد الحميد، وبعدها بص لي، وطلع من جيب جاكتته مغلف كبير مقفول، وحطه على الترابيزة اللي قدام عمي وقال بنبرة هزت الشك في قلبي:

– “أنا عارف إنك مش هترجعي بالسهل.. وعارف إن حقك ترفضي.. بس أنا مش جاي أتحايل وبس، أنا جاي وجايب معايا السر اللي أمي كانت مخبياه عن الدنيا كلها، السر اللي بسببه كانت بتكرهك وبتكره عيشتك وتعايرك بإنك من بلد ريفية!”

عمي عبد الحميد عدل قعدته وبص للمغلف بشك، وقال بصوت جهوري:

– “سر إيه ده يا واد عمران اللي جاي ترميه في بيتنا؟ اخلص وقول اللي عندك.”

أحمد خد نفس طويل ودموعه نزلت:

– “أمي طول عمرها بتعمل نفسها من عيلة ارستقراطية، وبتتمنظر على ندى بإنها بنت بندير وبنت ناس هاي.. لكن لما البيت اتقلب الأسبوع ده، وكنت بدور على ورق الشقة وعقود الأرض عشان أشوف هنصرف منين بعد ما الفلوس خلصت.. لقيت صندوق حديد قديم مخبياه في قاع الدولاب وراه قفل صلب.. فتحته ولقيت جواه الأوراق دي.”

أحمد فتح المغلف وطلع منه شهادة ميلاد قديمة جداً، وعقد بيع ابتدائي لبيت قديم في نفس المركز بتاعنا في البلد!

أحمد كمل وصوته بيرتعش من الخزي:

– “أمي.. ‘الحاجة صفية’ اللي بتقرف من ريحة السمك وبتقول على عاداتنا عادات فلاحين.. طلعت مولودة هنا، في الكفور اللي جمبنا! وأبوها الله يرحمه كان بيشتغل صياد سمك بسيط في بحيرة المنزلة! وكان شريك لأبوكي يا ندى في أول مركب صيد عملوها زمان قبل ما أمي تاخد ورثها وتطلع على البندر وتغير اسمها وتتبرى من أصلها ومن بلدها!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *