منى السيد 3كامله

ندى قربت من الكرسي، وحطت إيدها على كتف أبويا، وبصت لي بنظرة ما كانش فيها أي غل ولا تشفي.. كانت نظرة شفقة، شفقة على راجل ضيع كل حاجة في لحظة غرور.

— «أبوك جاي يودع المكان يا علي..» ندى قالتها بصوت هادي يقطع القلب، «جاي يشوف شقى عمره وهو بيرجع للغلاظ والمظلومين اللي اتسرقت فلوسهم عشان المعارض دي تتفتح وتكبر. جاي يشوف النهاية.»

— «ندى.. أرجوكي!» وقعت على ركبتي قدام أبويا ونظام الدم نازل من إيدي المجرورحة، ومسكت في طرف الكرسي المتحرك: «يابا سامحني! أنا ابنك يا علي! أنا اللي اتعميت واستغلتني أختي الخاينة! أرجوك يا حاج، قولهم يسبوني معاكم.. أنا مستعد أشتغل تحت رجليكي يا ندى! ألم معاكم البلاستيك والكرتون بس ما تسيبونيش لوحدي في الضياع ده!»

أبويا فتح بؤه بالعافية، وطلع منه صوت مبحوح ومكسور، لكن كلماته كانت أوضح من صوت الرعد في الأوضة:

— «ا… الـ… الفلوس… يا… علي… ما… بتعملش… رُجالـة…»

أبويا غمض عينيه وأخد نفس عميق، ودار وجهه الناحية الثانية بعيد عني، كأنه بيقفل الصفحة الأخيرة من حياته معايا.

ندى شالت إيدي بالراحة من على الكرسي المتحرك، وبصت في عيني للمرة الأخيرة:

— «الـ ٢٠٠ جنيه اللي رميتها لي في البركة يا علي.. أنا ما أخدتهاش لنفسي. أنا اشتريت بيها الدوا اللي مسكن لأبوك وجعه في أول ليلة، والباقي حطيته في صندوق التبرعات بتاع المستشفى باسمك.. عشان يمكن ربنا يخفف عنك الوجع اللي هتعيش فيه بقية حياتك.»

ندى لفت الكرسي المتحرك، وبدأت تزق أبويا لبرة المكتب..

صوت عجل الكرسي وهو بيتكركر على الرخام الفاخر بتاع المعرض كان زي صوت سكاكين بتقطع في قلبي. فضلت باصص عليهم وهم بيبعدوا، والمطر برة الشباك كان نازل بغزارة، كأنه بيغسل المكان من كل التاريخ المليان كدب وزور.

الظابط حط إيده على كتفي وقعدني على الأرض:

— «اتفضل معانا يا علي بيه على النيابة.. فيه تحقيقات طويلة مستنياك في قضايا التستر والتوقيعات المشبوهة مع أختك وأشرف.»

طلعت من المعرض وكلبش الحديد في إيدي، والناس واقفة في الشارع بتتفرج على “صاحب أكبر معارض موبيليا” وهو مكلبش ومسحوب زي المجرمين. بصيت بعيد.. شفت العربية الصغيرة اللي ندى وأبويا ركبوا فيها وهي بتبعد وتختفي وسط زحمة دمياط والمطرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *