جوزي لعب في فرامل عربيتي حكايات زهره الربيع 2

“اسكتي يا هدى!” صاح فيها عم مصطفى بنفس النبرة المكسورة ولكن بصرامة هزت أرجاء الغرفة. “اسكتي بقى وكفاية تعمية على عينك! منة متبليش عليه.. منة بتتكلم صح.”

التفتّ إليه بذهول، والدموع المعلقة في عيني تحجرت: “حضرتك… كنت عارف يا عمو؟!”

وقف عم مصطفى ببطء، وتوجه نحو نافذة الغرفة المطلة على البحيرة. كانت الشؤم يخيم على ظهره المنحني، ويداه اللتان أفنتا العمر في ورش الميكانيكا تشتبكان خلف ظهره.

“من شهرين…” بدأ يحكي وهو باصص للبعيد، “…شريف جالي الورشة القديمة في المنطقة. كان جاي يتسحب، فاكرني مش هناك. لقيت معاه واحد من الشبان العاطليين بتوع السرقات والتزوير، وكان بيسأله عن طريقة يقطع بيها خرطوم زيت الفرامل من غير ما يبان إنه مقصوص بموس، وعن الوقت اللي يحتاجه الزيت عشان يسرب كله بعد ما العربية تمشي كيلو أو اثنين.”

سقطت طنط هدى على الأريكة وهي تنتحب بصوت مكتوم، بينما أشرقت الحقيقة البشعة أمامي كشمس حارقة.

تابع عم مصطفى ونبرته تتقطع بالمرارة: “أول ما شفته، زعقت فيه وطردت الولد اللي معاه. ولما قفلت عليه الباب وسألته بيسأل الأسئلة القذرة دي ليه، ارتبك وتلجلج وقال لي دي مجرد فكرة لمشروع هندسي بيعملوه عن سيستم الأمان في العربيات! أنا ساعتها ضربته بالقلم على وشه.. القلم الوحيد اللي ضربتهوله في حياته. قولت له إحنا بتوع صنايع وأصول، ومبندخلش البيوت من أبواب الخيانة، ومبنزورش في أرواح الناس.”

نظر إليّ عم مصطفى وعيناه ممتلئتان بالدموع لأول مرة في حياتي: “أنا من يومها يا منة وأنا حاسس إن في مصيبة بتطبخ. كان قلبي حاسس إن الشيطان ركبه بسبب الطمع والست اللي مشبوهة اللي بقى يمشيلها فلوس. عشان كده، لما جيتيلي الصبح بالمفتاح وقصيتي لي قصة السفر، أنا من غير ما تحسي نزلت بصيت على العربية أول ما نزلت العمارة.. ولما لقيت خرطوم الفرامل مقصوص بنفس الطريقة اللي كان بيسأل عليها من شهرين، عرفت إن الخسيس نفذ خطته.. وعرفت إن ربنا سبحانه وتعالى هو اللي بعتك ليا عشان أنقذ رقبتك من غدر ابني.”

انهمرت دموعي بلا توقف. لم يكن الوجع من شريف نفسه، بل كان من رؤية هذا الرجل الشريف الناصع، وهو يُطحن تحت أقدام خسة ابنه الوحيد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *