الجمبري المسروق ج 1 حكـايات مني السيد

وش أحمد اتغير.

قفل المكالمة وبص لأمه.

حماتي كانت مصدومة.

لكن بدل ما تعترف إنها غلطانة، بصت لي أنا وقالت:

— كل ده بسببك إنتِ! من ساعة ما دخلتي البيت وإنتِ بتحاولي توقعي ابني في أمه!

وبعدين بصت لمريم وقالت بغضب:

— والبنت دي هي اللي خلتك تنسى أهلك!

مريم خافت وجريت استخبت ورا أبوها.

أحمد ضمها لصدره.

وبص لأمه بنظرة عمرها ما شافتها منه قبل كده.

لكن اللي حصل في الليلة دي ما كانش مجرد خناقة على كيس جمبري.

حماتي قررت تنتقم.

واللي عملته بعدها كشف سر قديم في العيلة… سر أحمد نفسه ما كانش يعرفه.

سر خلى كل حاجة حصلت خلال الست سنين اللي فاتوا تاخد معنى مختلف تمامًا.

وفي صباح اليوم التالي…

دخلت علينا واحدة من غير ميعاد.

وأول ما حماتي شافتها، وشها اتغير تمامًا.

لأن الست دي كانت آخر إنسانة تتمنى إنها تظهر قدامنا.

الفصل الثاني
الست اللي دخلت فجأة كانت لابسة عباية سودة شيك، وملامحها حادة ومش ناسية أي تفصيلة من وشها، رغم إن السنين سابت علاماتها تحت عينيها. كانت ماشية بثقة كأنها صاحبة المكان، وفي إيدها شنطة جلد قديمة بس متصانة كويس. أول ما حماتي شافتها، كيس النايلون اللي كان في إيدها وقع، ورجليها ما شالتهاش، فقعدت على أول كرسي قابلها وهي بتبص للست بدهشة خالتها خوف حقيقي.
أحمد بصلها باستغراب، ونزل مريم من حضنه ببطء وهو بيسأل بصوت متوتر:
— خير يا طنط؟ إنتِ مين؟ ودخلتي إزاي كده؟
الست بصت لأحمد بابتسامة غريبة، ابتسامة فيها وجع على حصرة على شفقة، وقالت بصوت هادي بس يرن في الصالة كلها:
— أنا خالك يا أحمد… قصدي، أنا خالته لسامح. أنا “جمالات”، أخت أباك الله يرحمه الصغيرة. اللي مقاطعة العيلة دي من يجي عشرين سنة بسبب الساحرة اللي قاعدة عندك في الصالة دي.
حماتي وقفت بسرعة وهي بتصرخ وصوتها بيرتعش من الغيظ:
— اطلعي برة يا جمالات! إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ جاية تخربي بيوت ولادي بعد العمر ده كله؟ امشي برة قبل ما أنادي على البواب يرميكي!
الست جمالات ضحكت بتهكم وربعت إيدها:
— ترميني؟ ده أنا جاية أنقذ باقي عمر ابن أخويا اللي إنتِ دايسة عليه ورامية شقاه تحت رجليين ابنك سامح! جاية أقول الحق اللي سكتت عنه عشان خاطر المحروم أخويا قبل ما يموت، بس لما عرفت باللي بتعمليه في العيلة وبنت أحمد الصغيرة، قلت لأ… لحد هنا والظلم لازم يقف.
أنا واقفة جمب أحمد ماسكة إيده، وحاسة إن في مصيبة كبيرة مستنية تتكشف. أحمد كان بيتنفس بصعوبة، بص لأمه وقال بصوت جامد:
— اقعدي يا أمي. وإنتِ يا طنط جمالات، قولي اللي عندك. سر إيه ده اللي بتتكلمي عنه؟ وإيه علاقته بيا وبسامح وأبويا الله يرحمه؟
جمالات قعدت على الكنبة بكل هدوء، وفتحت شنطتها الجلد وطلعت منها أوراق قديمة لونها أصفر، ملفوفة بحبل رفيع. بصت لأحمد وقالت:
— إنت فاكر إن أبوك كان بيحب سامح أكتر منك؟ فاكر إن أبوك هو اللي كتب الشقة والأرض والمحل لسامح عشان هو الكبارة اللي هيشيل اسم العيلة؟
أحمد هز رأسه بمرارة وقال:
— ده اللي طول عمرنا بنسمعه. ده اللي أمي كانت بتقولهولنا كل يوم. سامح الكبير، سامح اللي هيقف جمبنا… وأنا طلع عينيا في المصاريف والتعليم وفي الآخر ما طلعتش بحاجة غير الشقة المتوسطة دي، وبدفع ديونهم ومرض أمي.
جمالات ضحكت بصوت عالٍ كله حسرة:
— أبوك الله يرحمه ما كتبش حاجة لسامح يا أحمد! أبوك مات وهو سايب كل حاجة مقسومة بالعدل بينك وبين أخوك، بل بالعكس، كان كاتب الشقة المترهنة دي باسمك إنت عشان عارف إنك الغلبان، والأرض والمحل كانوا للنص بالظبط!
أحمد تنح، وبص لأمه اللي وشها بقى أصفر زي الموتى، وقالت وهي بتهدد جمالات:
— اسكتي يا جمالات! اسكتي الله يخرب بيتك! إنتِ بتتبلي عليا! أحمد، ما تسمعلهاش، دي ست مجنونة وجاية تعمل فتنة بينك وبين أخوك!
أحمد ما ردش على أمه، قرب من جمالات بخطوات بطيئة وقال بصوت مهزوز:
— إزاي؟ إزاي وسامح هو اللي باع الأرض وباع المحل واشترى شقته الجديدة؟ ومستندات الملكية اللي كانت معاه دي جت منين؟
جمالات طلعت ورق من الشنطة وحطته على السفرة قدام كيس الجمبري اللي لسه موجود:
— الورق ده صورة طبق الأصل من إعلام الوراثة القديم وعقود البيع الحقيقية اللي أبوك سابها معايا أنا قبل ما يموت بأسبوع واحد. أبوك كان عارف إن أمك بتفضل سامح تفضيل أعمى، وكان عارف إنها بتسحب منه الفلوس والتوكيلات وتديهاله من ورا ضهره. أمك يا أحمد هي اللي زورت توكيل باسم أبوك وهو في أيام مرضه الأخيرة، ونقلت ملكية الأرض والمحل لسامح بلطجة وتزوير!
أنا شهقت وحطيت إيدي على بقي. أحمد مسك الورق بإيد بتترعش، بدأ يقلب فيه، وعينيه بتتوسع من الصدمة. كانت العقود بتثبت إن المحل والأرض كانوا ملك للطرفين، وإن التوكيل المكتوب لسامح اتعمل في فترة أبوهم كان فيها في العناية المركزة وما يقدرش يبصم حتى!
أحمد بص لأمه بنظرة مكسورة، أكنه بيكلم حد تاني غير أمه اللي رباها وشالها على كتافه ست سنين:
— الكلام ده صح يا أمي؟ إنتِ زورتي ورق أبويا عشان تدي كل حاجة لسامح وتطلعيني أنا باللاش؟
حماتي بدأت تعيط بعصبية وتصرخ:
— أنا ما زورتش حاجة! سامح هو اللي كان هيشيل اسم العيلة! سامح خلف الولد اللي بيحمل اسم أبوك! إنت خلف بَنات يا أحمد! كنت عايزني أرمي شقى أبوك للبنات ولغريب ياكل فيه؟ سامح كان محتاج البدية، وإنت الله يعينك أهوه عايش ومستور!
أحمد صرخ فيها لأول مرة في حياته، صرخة طلعت من أرجاء صدره هزت الصالة كلها:
— مستور إيه؟! ده أنا باكل الشهد بالعافية! ده أنا بقالي ست سنين بستلف عشان أجيبلك دواكي ومصاريف علاجك اللي سامح ما دفعش فيها جنيه واحد! ده أنا كنت بقطع من قوت بنتي مريم عشان أفرشلك الأوضة وأديكي مصروفك في إيديكي كل أول شهر! وإنتِ… إنتِ كنتِ بتاخدي الشقى ده كله وتسرقي أكل بنتي من السفرة عشان توديه لابن سامح؟!
جمالات وقفت وحطت إيدها على كتف أحمد:
— مش بس كده يا أحمد… الورق ده فيه السر الأكبر. المحل اللي سامح باعه بمليون جنيه زمان؟ سامح ما اشترى بيه شقة بس… سامح ومامتك كانوا عاملين مشروع تجاري باسم سامح من وراك، وبياخدوا أرباحه كل شهر. وأمك كانت بتستلف منك وتسحب من جيبك عشان تبعتلهم الأرباح دي تكبر مشروعهم، وإنت فاكر إنك بتعالجها!
الصدمة كانت أكبر من إن أي حد يستوعبها. البيت بقى عبارة عن ساحة حرب هادية، محدش قادر يتنفس. حماتي كانت قاعدة على الكرسي بتهز رجلها بانهيار، مكسورة ومفضفضة، بس عينيها لسه فيها جشع وشر.
أنا قربت من أحمد، مسكت إيده وقلت بصوت حنين بس حاسم:
— أحمد… تهدى الأول. الورق ده لازم نوديه لمحامي يدرسه كويس. إحنا مش هنضيع حقنا ولا حق بنتنا أكتر من كده.
حماتي بصتلي بغل وحقد وقالت:
— إنتِ السوسة اللي في العمارة دي! إنتِ اللي قومتيه عليا! طول عمرك بتبصي لسامح ومراته في اللقمة والقرشين! جيتي بالست الملعونة دي عشان تهدوا البيت على دماغي!
في اللحظة دي، تلفون أحمد رن. كان سامح.
أحمد بص للشاشة، ورد وهو حاطط التلفون على السبيكر من غير ما ينطق.
صوت سامح جه من الناحية التانية، متوتر ومستعجل:
— إيه يا أحمد؟ عملت إيه مع أمك؟ يا ابني أنا قلتلك ظبط أمورك عندها، لورين مراتي هنا ماسكالي في الشوشة ومش راضية يستقبلها، وبعدين إنت عارف العيال ومصاريف المدارس اللغات بتاعة ياسين، مش ناقصين مصاريف زيادة وعلاج أمك ده بيقطّم الضهر. خليها عندك الشهر ده كمان وأنا هبقى أعدي أرميلك ألف جنيه ولا حاجة تنفعك في مصاريفها.
أحمد ضحك ضحكة مكسورة، ضحكة واحد فاوق من غيبوبة طويلة، وقال بكل برود:
— ألف جنيه يا سامح؟ هترميهم لي تنفعني؟ من أرباح المشروع اللي عملتوه بفلوس بيع أرض أبويا والمحل اللي زورتوا ورقه؟
الناحية التانية سكتت خالص. الصوت انقطع لثواني، وبعدين سامح قال بصوت حذر:
— إنت… إنت بتقول إيه يا أحمد؟ مين اللي ضاحك عليك ومفهمك الكلام الفارغ ده؟
أحمد بص لأمه، وبعدين بص لجمالات وللورق اللي على السفرة وقال:
— مش حد ضاحك عليا. الورق معايا يا أخويا. العقود وإعلام الوراثة الحقيقي والتوكيل المزور، كله في إيدي دلوقتي. وأنا مش هفضل مغفل ست سنين كمان.
سامح اتوتر وبدأ صوته يعلى:
— أحمد، بلاش جنان! الورق ده ملوش أي قيمة دلوقتي! الكلام ده عدى عليه سنين والموضوع اتقفل! بلاش تمشي ورا كلام الحريم وتخرب على أخوك الكسيب!
أحمد قال بثبات ما شفتهوش فيه من يوم ما اتجوزنا:
— لا يا سامح، الموضوع ما اتقفلش… الموضوع يلا دوبك بيبدأ. إنت قدامك ساعتين بالظبط. تيجي تاخد أمك بنفسك، وتجيب معاك كل عقود المشروع والأرض، عشان نقعد نتحاسب بالقرش والمليم. ولو ما جيتش خلال الساعتين دول… الورق ده بكرة الصبح هيبقى في النيابة العامة بتهمة التزوير والاستيلاء على حق الورثة.
قفل المكالمة في وش أخوه من غير ما يستنى يراغمه.
حماتي صرخت:
— إنت بتهدد أخوك الكبير يا أحمد؟! بتهدد سندك في الدنيا عشان شوية ورق وشوية جمبري؟!
أحمد بص لأمه بكل قسوة الدنيا وقرار لا رجعة فيه وقال:
— سامح مش سندي يا أمي… سامح هو اللي كان بيمص دمي ورزق بنتي بمساعدتك. وإنتِ… إنتِ من الساعة دي مالكيش كلمة في البيت ده.
حماتي وقفت، عينها طالع منها شرار، وبصتلي أنا ومريم وقالت:
— ماشي يا أحمد… فاكر إن الورق ده هيخليك تكسب؟ إنت ما تعرفش سامح عامل إيه وراميك في إيه! المشروع اللي إنت فرحان بيه ده مش باسمه لوحده… وسامح كاتب عليك إنت شيكات وضمانات من غير ما تعرف زمان لما كنت بتوقعله على ورق الصيدلية والشركة بتاعته! لو اتكلمت يا أحمد… إنت اللي هتتسجن قبل منه!
الكلمة نزل علينا زي الصاعقة. أحمد اتجمد مكانه، وبص لأمه بذهول…

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *