الرز بايت ج 1 حكـايات مني السيد
كانوا بيسرقوا الفلوس اللي أنا حوشتها لمستقبل حماتي من ورايا.
قعدت على طرف السرير.
ولأول مرة من تلاتين سنة، ما حسيتش إني زوجة.
ولا أم.
ولا مرات ابنهم.
حسيت إني مجرد ماكينة فلوس بالنسبة لهم.
لكن اللي اكتشفته بعد كده…
كان أخطر بكتير.
وخلى طبق الرز البايت اللي حماتي حطته قدامي في الصبح ده…
يبقى أقل حاجة حصلتلي في اليوم ده.
يتبع…
الجزء الثاني
وقفت قدام الشباك وأنا حاطة إيدي على قلبي اللي كان بيدق زي الطبلة. دموعي اتجمدت في عيني، والزهول اتحول لشرارة نار ماسكة في صدري. مسكت الموبايل تاني، وصوابعي بتترعش بس بتركيز شديد. كنت عايزة أفهم أكثر، أتعمق في الحسابات، أشوف المصيبة واصلة لحد فين.
فتحت كشوفات الحساب التانية، وبدأت أطابق التواريخ. اكتشفت إن أحمد كان بياخد كروت الصرف بتاعتي، وبيعمل منها سحوبات كاش من الماكينات اللي جنب بيتنا في أوقات متأخرة بالليل.. أوقات كنت أنا فيها في الشغل بلتَفّ حوالين نفسي عشان أحل مشاكل السيرفرات ولّا أتابع شغلي في ورديات الليل.
لكن الصدمة الحقيقية مش هنا بس.
وأنا بقلّب في المعاملات المالية المربوطة باسم أحمد، لقيت تحويلات بنكية منتظمة بتطلع كل يوم واحد في الشهر. تحويلات ثابتة بقيمة 12 ألف جنيه لحساب باسم شركة استثمار عقاري في التجمع الخامس.
استغربت.. شركة عقارات؟ أحمد عمره ما قال لي إنه بيستثمر في حاجة، ودائمًا كان بيشتكي إن السوق نايم وما معاهوش سيولة.
دخلت على الرسائل القديمة اللي بيني وبين البنك، وجمعت كل الإشعارات. وبطريقة ما، وبحكم شغلي في التقنية والأنظمة، قدرت أوصل لرقم العقد المربوط بالتحويلات دي من خلال إشعارات السداد الإلكتروني.
النتيجة كانت صاعقة:
أحمد شاري شقة سكنية باسمه، وبيدفع أقساطها الشهرية بانتظام من سنة ونصف كاملة!
مش بس كده.. الشقة دي مش لينا، ولا للبنت، ولا حتى أمه تعرف عنها حاجة. الشقة متسجلة باسمه هو فقط، والشهادات والتحويلات كلها طالعة من حسابه الفرعي اللي بيتغذى أسبوعيًا من حسابي أنا!
يعني أنا كنت بشتغل الليل مع النهار، وأتحرم من الأكل الطازة، واتعامل كإني خادمة بتدفع إيجار قعدتها، وهو بيبني ملكه الخاص من عرق جبيني، وعايش دور الزوج “اللي شايل البيت”!
مسحت وشي بإيدي وطلعت زفير حار. حاسة إن جدران الأوضة بتطبق عليا. بصيت في المراية، لقيت وشي أصفر، وتحت عيني سواد سينين من التعب والجهد. تلاتين سنة مرت من عمري وأنا فاكرة إني بأمن بيتي وببني مع شريك عمري. طلع كل ده وهم.. كنت مجرد مشروع تمويلي بالنسبة له ولأمه.
سمعت صوت خطوات برة الأوضة.
صوت طقطقة معلقة في طبق، وصوت ضحكة حماتي الحاجة فاطمة وهي بتتفرج على التلفزيون في الصالة.
ـ “يا أحمد، كلم أختك منى قولها تعدي علينا بالليل تاخد بقية المكرونة بالبشاميل والفراخ، بدل ما تخرب في التلاجة.. وسعاد لما تصحى تزلنا بيها.”
رد عليها أحمد بصوت عالي وهو خارج من الحمام:
ـ “حاضر يا أمي، هكلمها.. وبعدين متشيليش هم سعاد، هي أصلاً بتبقى تعبانة ومش فاضية تاكل الحاجات دي، المهم إنتِ مبسوطة والأكل عجبك؟”
ـ “اه يا حبيبي، تسلملي، ربنا يخليك ليا وما يحرمناش من خيرك يا ابن عمري.”
“من خيرك”!
الكلمة نزلت عليا زي المية المغلية.
خيره هو؟ الخير اللي مدفوع تمنه من دم أعصابي وفيزتي اللي اتصفّت؟
قعدت على كرسي المكتب، وأخدت نفس عميق. الصدمة الأولى عدت، وجِه وقت العقل. أنا مش سعاد بتاعة زمان اللي بتسكت عشان المراكب تسير، أو عشان “بنتنا نور”. نور خلاص كبرت واتخرجت واشتغلت وعايشة حياتها، والسكوت دلوقتي معناه إني بسلمهم رقبتي يذبحوني على آخر الزمن.
فتحت الأجندة الخاصة بيا، وبدأت أكتب.
سجلت كل رقم، كل تاريخ، وكل عملية سحب.
ـ 430 ألف جنيه: مصاريف تجديد البيت وتعديل المداخل للحاجة فاطمة.
ـ 188 ألف جنيه: المبلغ المسحوب من حساب “مستقبل فاطمة”.
ـ 2860 جنيه: فاتورة العشا الأخير اللي اتدفعت بكارتي.
ـ 12 ألف جنيه شهريًا × 18 شهر = 216 ألف جنيه: أقساط شقة أحمد الجديدة.
ده غير مصاريف المدارس، وأدوية الضغط والسكر، وتأمين العربية، وتحويلات أخته منى.
الرقم الإجمالي كان بيتخطى الملايين عبر السنين.. بس أنا ركزت على الحاجات المستندة بأوراق وأرقام وحسابات بنكية تقدر تثبت حقانيتي.
وفجأة.. سمعت خبط على باب الأوضة.
خبطة مش معتادة، فيها نوع من الاستعلاء.
فتحت الباب، لقيت أحمد واقف، لابس طقم الخروج، ومتشيك، وعيونه فيها نظرة اللامبالاة المعتادة.
ـ “سعاد، إنتِ صاحية؟ كويس.. بصي، أنا نازل ورايا شغل، وأمي عايشة لوحدها تحت في الصالة. يا ريت تقومي تنضفي الصفرة وتروقي المطبخ قبل ما تنامي، عشان منى أختي جاية بالليل ومعاها ولادها، ومش عايزين البيت يبقى مكركب.”
بصيت له بثبات غريب.. ثبات أنا نفسي استغربته. ما عيطتش، ولا صرخت، ولا وريته إني مكسورة.
ـ “ورميجة اللحمة اللي جابوها امبارح يا أحمد؟” ـ سألته بنبرة هادية جدًا.
أحمد اتلخبط لحظة، وبعدين كشر وقال:
ـ “تاني هترجعي لنفس الكلام الفارغ؟ قلت لك دي عزومة بسيطة لأمي، وإنتِ اصلاً مكنتيش موجودة. وبعدين يعني هي جات على اللحمة؟ ما إحنا كلنا بناكل من خير بعض.”
ـ “خير مين يا أحمد؟”
رد وهو بيلبس ساعته ببرود:
ـ “خير البيت يا سعاد! إيه اللوجيك الغريب ده؟ إنتِ جاية بعد تلاتين سنة تحاسبينا على اللقمة؟ وبعدين ما تنسيش إن البيت ده باسمي، وإني أنا اللي شايل اسمك، وإنتِ شغلانتك دي مجرد تسلية بتجيبي منها القرشين بتوعك.”
البيت باسمه؟
آه.. نسيت أقول لكم.
البيت ده أصلًا كان أرض ورثها أحمد عن أبوه، بس المبنى نفسه، بالدورين اللي حيلتنا، اتبنوا بتمويل مباشر من جمعيات وقروض أنا اللي سددتها بالكامل من مرتبي على مدار خمسة عشر سنة، وكان فيه اتفاق شفوي بيننا إنه يكتب نص البيت باسمي.. اتفاق طار في الهواء زي غيره.
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه مباشرة:
ـ “البيت باسمك.. والشقة الجديدة اللي في التجمع الخامس باسم مين يا أحمد؟”
أحمد اتجمد مكانة.
إيده اللي كانت بتظبط أكرة الساعة وقفت.
ملامح وشه اتغيرت في ثانية، والألوان راحت من وشه كأنه شاف عفريت.
ـ “إنتِ.. إنتِ بتجيب الكلام ده منين؟ شقة إيه وتجمع إيه؟” ـ قالها وهو بيحاول يجمع شجاعته، بس صوته كان بيرتعش.
ـ “الشقة اللي بتدفع قسطها 12 ألف جنيه كل يوم واحد في الشهر من حسابي.. الشقة اللي متسجلة باسمك في شركة الاستثمار العقاري. ولا تحب أوريك الإيصالات اللي ماليّة الأبلكيشن عندي؟”
أحمد خطى خطوة لورا، وبص ناحية الصالة كأنه خايف أمه تسمع، وبعدين وطى صوته وقال بغضب مكتوم:
ـ “إنتِ بتفتشي ورايا يا سعاد؟ إنتِ تجرأتِ وتفتحي حساباتي؟”
ـ “أفتش؟ أنا بفتح حساباتي أنا! الفلوس اللي بتدفع بيها أقساط شقتك السريّة هي فلوس عرق ليلاتي في الشركة! الفلوس اللي اتسحبت من حساب أمك عشان تجيب بيها عربية لأختك منى، دي فلوسي أنا!”
في اللحظة دي، دخلت الحاجة فاطمة الصالة، وهي بتتسند على عصايتها، وصوت خطواتها البطيئة قرب من الأوضة.
ـ “فيه إيه يا أحمد؟ صوتكم طالع ليه من الصبح؟ هي سعاد نازلة خناق معاك ولا إيه؟”
أحمد لف لأمه بسرعة، ووشه جايب ألوان:
ـ “مفيش يا أمي.. مفيش حاجة، ارجعي إنتِ ارتاحي.”
لكن الحاجة فاطمة ما سكتتش، وقفت على باب الأوضة، وبصت لي بقرف من فوق لتحت وقالت:
ـ “هو إنتِ يا سعاد مش هتبطلي نكد؟ يعني راجعة من برة قرفانة، وتطلعي قرفك على ابني؟ بدل ما تقومي تحضري له فطور عدل يرم عوده قبل ما ينزل الشغل؟”
ابتسمت.. ابتسامة مكسورة بس مليانة قوة جديدة معرفش جابيتها منين.
ـ “فطور؟ فطور زي طبق الرز البايت الناشف اللي حطيتيهولي الصبح يا حاجة فاطمة؟ ولا زي بواقي اللحمة المستوردة اللي اترمت في الزبالة وأنا مدفوع تمنها من فيزتي؟”
الحاجة فاطمة اتنطرت:
ـ “جرى إيه يا ولية إنتِ؟ بقيتي تحاسبينا على اللقمة؟ ابنك أحمد هو اللي سيد البيت وهو اللي بيصرف، وإنتِ عايشة في خيره! الفلوس اللي معاكي دي كلها من حظك إنك اتجوزتيه!”
ـ “خيره؟” ـ ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلت أحمد يربك أكتر ويحاول يهديني.
ـ “سعاد.. بس خلاص، نتكلم لما أرجع من الشغل، المشاكل دي ما تتفتحش قدام أمي بالطريقة دي.” ـ قالها أحمد وهو بيمسك دراعي.
نفضت إيده بقوة:
ـ “ما تلمسنيش يا أحمد! الكلام هيتقال دلوقتي وقدام أمك.. عشان تعرف ابنها ‘سيد البيت’ بيصرف منين!”
طلعت الموبايل، وفتحت الشاشة على القائمة المالية ورفعتها في وش الحاجة فاطمة:
ـ “شوف يا حاجة.. شايف الحساب ده؟ ده حساب كنت حاطة فيه 190 ألف جنيه عشان لو جالك يوم وتحتاجي رعاية أو علاج.. ابنك البار سحب منه 75 ألف لعرس بنت اختك منى، وسحب 55 ألف عشان عربية منى، والباقي سحبه كاش لنفسه! ابنك البار بيسرق فلوسي وفلوس أمه!”
الحاجة فاطمة شهقت، وبصت لأحمد وهو وشها اتغير:
ـ “أحمد.. الكلام ده صح؟ إنت خدت فلوس اختك منى من عند سعاد؟”
أحمد اتلبك وقال بسرعة:
ـ “يا أمي ما تصدقيهاش! دي تهيؤات.. الفلوس دي كانت مساعدات وهي كانت عارفاها، وبعدين إحنا عيلة واحدة يا أمي!”
ـ “عيلة واحدة؟” ـ قاطعه صوتي بثبات حاد ـ “العيلة الواحدة ما بتسرقش بعض يا أحمد. العيلة الواحدة ما بتاخدش عرق شقا مراتها عشان تشتري بيه شقة سريّة باسمها في التجمع الخامس ومن غير ما حد يعرف!”
الكلمة وقعت على الحاجة فاطمة زي الصاعقة.
ـ “شقة؟ شقة في التجمع؟ باسم مين يا أحمد؟”
أحمد بقى يبص بيني وبين أمه، مش عارف يداري إيه ولا ينكر إيه. اللعبة كلها اتكشفت في دقائق، والأقنعة اللي عاشوا بيها تلاتين سنة اتخلعت في لحظة واحدة.
ـ “أنا مش هسكت تاني يا أحمد..” ـ قلتها وأنا برجع خطوات لورا وبقفل أجندتي. ـ “التلاتين سنة اللي فاتوا اعتبرهم ماتوا.. ومن السبت الجاي، البنك، والقضا، والورق هيقولوا مين اللي كان بيصرف ومين اللي كان بياكل خير مين.”
بص لي أحمد بغيظ ونظرة تهديد:
ـ “إنتِ بتفدحينا يا سعاد؟ فاكرة إنك بتلوي دراعي؟ البيت ده بيتي، ولو مش عاجبك الباب يفوت جمل!”
ابتسمت له وأنا بحط الموبايل في جيبي:
ـ “الباب هيتقفل يا أحمد.. بس مش عليا أنا. الباب هيتقفل على كل حنفية فلوس كانت بتصب في جيبك وجيب عيلتك من غير حق.”
لفيت وشي ودخلت الأوضة، وقفت ورا الباب وسمعت صويت الحاجة فاطمة وهي بتزعق لأحمد، وصوت أحمد وهو بيصرخ ويخبط في العفش..
سندت ظهري على الباب، ولأول مرة من سنين طويلة.. حسيت إني بتنفس هواء نضيف.
لكن اللي ما كنتش حساباه.. إن أحمد مش هيسكت، وأن الحركة اللي هيعملها بالليل عشان ينتقم مني.. كانت هتعدي كل الحدود.
يتبع…