حماتي رفعت ايديها حكايات نور محمد 2

مرت الأيام والأسابيع، وأصبحت حياتنا في الشقة الجديدة أشبه بنهر هادئ يجري في مساره الطبيعي بعد أن أزيحت من طريقه كل الصخور التي كانت تعوق تدفقه. لم يعد هناك مكان للخوف، ولا للحيرة، ولا للشعور الثقيل بأنني غريبة في حياة الزوج الذي اخترته.

في صباح يوم جمعة مشمس، كنت أقوم بترتيب صالة الشقة، بينما كان أحمد يقف في المطبخ يعد القهوة بنفسه، وهو يدندن بلحن هادئ. كانت رائحة القهوة تنتشر في أركان البيت لتضفي عليه دفئاً وأماناً لم أذقه طوال السنوات الأولى من زواجنا.

اقترب أحمد وهو يحمل الفنجانين، ووضعهما على الطاولة الصغيرة في البلكونة المطلة على الشارع الهادئ. جلس أمامي ونظر إليّ بابتسامة حنونة تحمل كل معاني الامتنان والارتياح.

قال وهو يرتشف من فنجانه: “عارفة يا ندى؟ أنا ساعات بقعد أفتكر ليلة الخميس القادمة دي، وبسأل نفسي.. لو مكنتيش مسكتِ إيد أمي في الهواء ساعتها، كان زماننا فين دلوقتي؟”

ابتسمتُ بهدوء ونظرت للشارع ثم عدت ببصري إليه: “كان زماني لسه جارية في بيت أهلك يا أحمد، كان زماني ببلع الإهانة ورا الثانية عشان ‘أحافظ على البيت’، بس في الحقيقة مكنش هيبقا بيت.. كان هيبقا سجن.”

أومأ برأسه بتأثر وقال: “عندك حق.. القفشة دي مكنتش مجرد رد فعل، دي كانت الحد الفاصل بين الضعف والقوة. إنتي علمتيني إن حماية الكرامة مش معناه خراب البيوت، بالعكس.. ده الساس الوحيد اللي ينفع البيوت تتبنى عليه صح.”

في تلك اللحظة، رن هاتف أحمد. كان المتصل هي الحاجة ثريا بنفسها.

رفع أحمد السماعة وفتح السبيكر حتى أسمع. جاء صوت الحاجة ثريا هذه المرة هادئاً، خاوياً من كل نبرات التهديد أو التعالي القديمة، صوت أم تتواصل مع ابنها وزوجته بحسب الأصول والحدود الجديدة.

قالت الحاجة ثريا: “إزيك يا أحمد يا بني؟ إزيك يا ندى؟ يارب تكون تحضيراتكم للبيت ماشية بخير.. أنا كنت بصلح حاجة في الشقة القديمة ولقيت المفرش الجديد اللي ندى كانت جيباه زمان وسبته، قلت أكلمكم عشان تاخدوه، والبيت مفتوح لكم في أي وقت تحبوا تيجوا تشربوا الشاي.”

نظرتُ لأحمد وأومأت له بابتسامة راقية.

رد أحمد بثبات واحترام: “تسلمي يا أمي، ربنا يديكِ الصحة. ندى وأنا هنعدي عليكِ إن شاء الله الأسبوع الجاي ونشرب الشاي سوا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *