حماتي كل ما اطبخ
نفس نوع الورق اللي في الصندوق.
وقال بهدوء
واضح إنكم وصلتوا للحقيقة أسرع مما كنت متوقع.
ثم نظر لي وقال
بس في حاجة أبوكي ما قالهالكش… وأنا الوحيد اللي أعرفها وقفت مكاني وأنا ببص للشخص اللي قدامي.
عقلي كان بيرفض يصدق.
قلت بصوت ضعيف إنت… إيه اللي جابك هنا؟
ابتسم بهدوء، وكأنه كان مستني السؤال ده.
قال جيت آخد حقي… وأقول الحقيقة قبل ما حد يغيرها.
أحمد قرب خطوة وقال بغضب إنت مالكش حق تدخل المكان ده.
رد عليه بالعكس… المكان ده شاهد على كل حاجة حصلت.
بصيت للورقة اللي في إيده.
قلت إيه الورقة دي؟
رفعها وقال دي آخر ورقة كتبها أبوكي قبل وفاته.
حماتي اتغير لون وشها.
قالت بسرعة مستحيل… الورقة دي اختفت من سنين.
التفت لها وقال ما اختفتش… اتخبّت.
سألتها إنتي كنتي تعرفي عنها؟
سكتت.
وسكوتها كان كفاية.
حسيت إن كل الناس حواليّ عندها أجزاء من الحكاية وأنا الوحيدة اللي بحاول أجمعها.
مد الشخص الورقة ناحيتي وقال
اقريها.
أخذتها وبدأت أقرأ.
كان مكتوب
أنا عارف إن اللي هيحصل بعدي هيكون صعب… لكن لازم بنتي تعرف إن أكبر خطر عليها مش من أعدائي… الخطر من الشخص اللي سيحاول يظهر نفسه إنه الضحية.
رفعت عيني ببطء.
نظرت لكل الموجودين.
ثم رجعت للورقة.
وفي آخر السطر كان مكتوب
لو قابلتِ الشخص ده… اسأليه عن اللي حصل في الليلة الأخيرة قبل وفاتي.
قلبي دق بسرعة.
قلت إنت كنت مع أبويا الليلة دي؟
سكت.
ولأول مرة اختفت الابتسامة من على وجهه.
قال أيوه.
اتوتر المكان كله.
سألته إيه اللي حصل؟
نظر لأحمد وحماتي وفؤاد.
ثم قال
الليلة دي… أبوكي ما ماتش وهو خايف من فؤاد.
صمت قليلًا.
ثم أكمل
أبوكي كان خايف من شخص تاني… شخص كان فاكر إنه أقرب الناس له.
اقترب أحمد وقال قول الاسم.
نظر الرجل إليه، ثم نظر لي.
وقال
قبل ما أقول… لازم تعرفي إن الشخص ده كان سبب إن جوازك من أحمد يحصل بالطريقة دي.
اتسعت عيني.
يعني إيه؟
قال
يعني إن الجواز اللي كنتِ فاكرة إنه مجرد نصيب… كان جزء من خطة.
سكت الجميع.
ثم أضاف
لكن المفاجأة… إن الشخص اللي بدأ الخطة ما كانش عايز يضرك.
توقفت أنفاسي.
كان عايز يحميك من شخص أخطر.
وفجأة. ..
انطفأت أنوار البيت.
وسمعنا صوت باب المكتب بيتقفل بالمفتاح من الخارج.
صرخت مين قفل الباب؟!
وجاء صوت من خلف الباب
دلوقتي بس هتعرفوا مين كان بيحرك كل حاجة من البداية…فضلنا واقفين في ضلمة المكتب، وكل واحد فينا بيحاول يفهم مين اللي قفل الباب علينا.
صوت الشخص من خلف الباب كان هادي بشكل يخوف
دلوقتي هتعرفوا الحقيقة… بس مش كلها هتعجبكم.
خبط أحمد على الباب بعنف افتح الباب!
لكن مفيش رد.
حاول فؤاد يفتح القفل، لكنه كان محكم.
أنا كنت ماسكة الرسالة اللي كتبها أبويا، وقلبي مليان أسئلة.
قلت إحنا لازم نعرف مين ورا كل ده.
حماتي قربت مني وقالت بصوت منخفض في حاجة ما قلتهاش لك يا بنتي.
بصيت لها إيه؟
نزلت عينيها وقالت أنا ما كنتش باخد الأكل عشان أوصله لناس غريبة… كنت باخده عشان أقابل الشخص اللي كان بيحاول يحمينا.
استغربت مين؟
قبل ما تجاوب، سمعنا صوت مفتاح بيتحرك في الباب.
الجميع سكت.
الباب اتفتح ببطء…
لكن اللي دخل ما كانش الشخص اللي توقعناه.
كان رجل في منتصف العمر، وشه متعب، وعينيه مليانة ندم.
أول ما شافته حماتي، شهقت.
قالت إنت؟!
نظر لها وقال أيوه… أنا.
أحمد اتراجع خطوة.
أما أنا فكنت مش فاهمة حاجة.
سألته حضرتك مين؟
نظر لي طويلًا، ثم قال
أنا الشخص اللي أبوكي طلب منه يحافظ عليك.
سألته يعني إنت كنت بتراقبني؟
قال كنت بحاول أحميك… لكني فشلت في حاجة مهمة.
قلت إيه هي؟
أخرج ظرفًا من جيبه.
وقال
إني ما قدرتش أمنع الشخص اللي خان أبوكي من إنه يدخل حياتك.
ساد الصمت.
ثم نظر لأحمد.
ولأول مرة…
شفت أحمد يتوتر من وجود شخص.
قال الرجل
لأن الشخص اللي خان أبوكي… كان يعرف أحمد من قبل ما يعرفك.
بصيت لأحمد بصدمة.
إنت تعرفه؟
سكت أحمد.
والصمت كان أقسى من أي إجابة.
اقتربت منه وقلت
أحمد… قول الحقيقة.
رفع عينه لي، وقال بصوت مكسور
أنا كنت أعرف الشخص ده… لكن ما كنتش أعرف إنه هو السبب في كل اللي حصل.
ثم أخرج هاتفه وفتح صورة قديمة.
صورة فيها ثلاثة أشخاص.
أحمد…
والشخص اللي دخل علينا…
وشخص ثالث مخفي جزء من وجهه.
وقال
ده كان الفريق اللي بدأ منه كل شيء.
قربت الصورة.
وعندما رأيت الوجه الثالث. ..
تجمدت.
لأن الشخص الثالث…
كان شخصًا من عائلتي أنا نظرنا للصورة…
وكانت الصدمة أكبر من كل التوقعات.
الشخص الثالث في الصورة كان…
عمي.
أخو أبويا.
الشخص اللي طول عمري كنت أسمع عنه إنه وقف جنبنا بعد وفاة أبويا، وإنه كان السند الوحيد ليا ولأمي.
وقعت الصورة من إيدي.
قلت بصوت ضعيف عمي؟… مستحيل.
فؤاد تنهد وقال هو اللي بدأ كل حاجة.
هزيت رأسي بعنف لا… أكيد في غلط. عمي كان بيحب أبويا.
رد الرجل الكبير كان بيحبه… لكن الطمع كان أقوى.
بدأت الحقيقة تظهر.
قبل سنين، كان أبويا وشريكه والد أحمد عاملين مشروع كبير. النجاح كان قريب، لكن عمي اكتشف إن فيه مستندات تثبت إن جزء كبير من الثروة هيكون من نصيبي أنا بعد وفاة أبويا.
فقرر يخفي الأوراق ويوقع الخلاف بين الشركاء.
لكن أبويا اكتشف الحقيقة.
وقبل ما يفضحه، حصلت الحادثة اللي أنهت حياته.
قال أحمد أبويا عرف الحقيقة بعدين… لكنه خاف يقول لك عشان يحميك.
بصيت له وأنت؟ ليه اتجوزتني؟
سكت طويلًا.
ثم قال لأن أبوكي قبل وفاته طلب مني حاجة واحدة… إني أبقى قريب منك وأحمي حقك، لكن مع الوقت… حبيتك بجد.
نزلت دموعي.
كل الأسرار دي كانت مؤلمة، لكن لأول مرة حسيت إن الصورة بدأت تكتمل.
التفتنا ناحية الباب…
وفجأة ظهر عمي.
كان واقف ووشه شاحب.
قال واضح إنكم عرفتوا كل حاجة.
نظرت له وأنا مش قادرة أصدق.
قلت ليه عملت كده؟ ليه خنت أخوك؟
نزل عينه وقال كنت فاكر إن الفلوس هتخليني مهم… ما كنتش عارف إني بخسر عيلتي.
أخرج أحمد الهاتف، وكان عليه تسجيلات تثبت اعترافات عمي.
اتصلوا بالشرطة، وبعد التحقيقات ظهرت الحقيقة كاملة، وتمت إعادة كل الحقوق لأصحابها.
أما حماتي…
فوقفت قدامي وقالت سامحيني يا بنتي… أنا غلطت لما خبيت عنك، لكني كنت بحاول أوصل للحقيقة بطريقتي.
ابتسمت بحزن وقلت كان نفسي أعرف من الأول… بس عرفت دلوقتي إن مش كل اللي بيخبي بيكون عايز
يأذي.
بعد شهور، رجع البيت هادي من تاني.
لكن الفرق إن مفيش أسرار بيني وبين أحمد.
وفي يوم، دخلت المطبخ أطبخ نفس الأكلة اللي كانت بداية الحكاية…
ضحكت وأنا شايفة حماتي داخلة.
قالت متقلقيش… المرة دي مش هاخد الأكل من غير ما أقولك.
ضحكنا كلنا.
لأن أكياس الأكل اللي كنت فاكرة إنها كانت سبب المشكلة…
كانت هي أول خيط خلاني أكتشف الحقيقة.
ومن يومها عرفت إن أحيانًا أغرب التصرفات… بتكون وراها حكاية أكبر مما نتخيل.