جمعيه حكايات امانى السيد4

سحبتُ قلمي بثبات، وكتبتُ شيكاً بمبلغ مالي كبير يغطي تكاليف العلاج والرعاية الطبية الكاملة في مستشفى خاص، ثم وقّعت عليه وناولته لحسين الذي كانت يداه ترتجفان من الصدمة.

نظر حسين إلى الشيك ثم إليّ بذهول، ولم يستطع أن يمسك دموعه وهو يقول بصوت متهدج:

— بعد كل اللي عمله فيكِ يا فادية؟ بعد ما سرق شقاكِ وغدر بيكِ ورمَاكِ؟ بتدفعي ثمن علاجه من حر مالك؟

رفعت رأسي ونظرت إليه بنبرة هادئة تعلوها عزّة النفس والس\كينة:

— أنا مش بدفع الفلوس دي عشان علي يا حسين، ولا عشان مستنية منه كلمة شكر أو اعتذار. أنا بدفع الفلوس دي لله، ولأن “فادية” اللي نجحها ربنا وصانها مش ممكن تنزل لمستوى الغدر ولا تشمت في المريض أو الميت. علي أخد عقابه في الدنيا كاملاً، والعدل الإلهي اتنفّذ حرفياً، والنهارده أنا بتعامل بأخلاقي أنا.. مش بأخلاقه هو.

سألني حسين وهو يلملم أوراقه:

— مش هتيجي معايا تشوفيه يا فادية؟ هو محتاج يسمع منك إنك سامحتيه.. بيصرخ من ألم جسمه ومن وجع ضميره.

قمت من خلف مكتبي واتجهت نحو النافذة الزجاجية الكبيرة المفتوحة على سماء القاهرة، وقلت بصوت قاطع لا رجعة فيه:

— لا يا حسين.. أنا مش هاجي. الصفحة دي اتطوت من حياتي يوم ما خرجت من الشقة السابقة وأنا مرفوعة الرأس. علي بقى بالنسبة لي غريب، والغريب لا أزوره ولا أقف على سريره. الفلوس هتخليه يتوجّع أقل في أيامه الأخيرة، وده أقصى ما يمكن إن إنسانة ظُلمت تقدمه لظالمها. قوله إن فادية سابته لربنا، وربنا جاب لها حقها وافي وزيادة.

خرج حسين من مكتبي وهو يدعو لي بكل كلمات البر والامتنان. وفي نفس اليوم، نُقل علي إلى المستشفى الخاص، وتلقى الرعاية الطبية المسكنة لآلامه، لكن الخبر جاءني بعد أقل من أسبوعين.. فاضت روحه إلى بارئها وحيداً، بعد أن ذاق مرارة الفقر والمرض والندم الذي أكل أركان قلبه قبل جسده.

حين بلغني خبر وفاته، لم أبكِ ولم أجزع، بل وقفت في بلكونة بيتي الجديد، ودعوت له بالرحمة والمغفرة. لقد انتهت قصته في الدنيا، وصار بين يدي قاضي القضاة الذي لا يظلم عنده أحد.

أما حياتي، فكانت تتجه نحو مزيد من الإشراق والاتساع. مرت الشهور، وازدادت الشراكة بين شركتي “فادية هوم” وشركة المقاولات الخاصة بـ طارق، وأصبحنا يشعر كل منا بأنه السند الحقيقي والظهر المتين للآخر. طارق لم يكن مجرد زوج، بل كان الأب والحبيب والشريك الذي يعوضني عن كل لحظة ألم ذقتها في الماضي.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *