نرمين عادل 3 كامله
وقف الدم في عروقي، وعيني اتسمرت على الصحفي والمايكات اللي انمدت في وشي. الطرف الخامس؟ طرف قريب مني جداً وجوه الأتيليه نفسه؟
كل الكوابيس اللي عشتها من لحظة القهوة المغلية لحد محبس طارق ومي وكمال الشهابي مرت في عقلي في ثانية واحدة.. مين ممكن يكون جوه المكان اللي أنا بنياه بعرقي؟ مين اللي كان بياكل من خيري وبيطعن في ضهري مع الخونة دول؟
دزّيت المصورين والصحفيين ببراعة، ودخلت الأتيليه بسرعة وقَفلت الباب الحديد ورايا بصوت هز الشارع كله. قلبي كان بيدق زي الطبلة، والأتيليه كان هادي وساكت.. بس السكوت المرة دي كان وراه سر مرعب.
مشيت بخطوات بطيئة ناحية الصالة الرئيسية للتطريز والخياطة. البنات والعمال ما كانوش موجودين لأن اليوم كان إجازة رسمية بسبب ظروف التحقيقات.. ما عدا شخص واحد بس!
شخص كان قاعد على مكنة الخياطة القديمة، المكنة اللي أبويا الله يرحمه بدأ بيها المصنع زمان.
كانت “أم هدى”.. الست الكبيرة اللي شغالّة معايا من أول يوم فتحت فيه الأتيليه، الست اللي كنت بعتبرها في مقام أمي، وبفتح لها قلبي، وبسيب لها مفاتيح الأتيليه والخير كله تحت إيدها!
أم هدى كانت قاعدة بتمسح المكنة بقماشة بيضاء، إيدها ببتترعش، ودموعها نازلة على خدها وهي مش قادرة ترفع عينها في عيني.
قربت منها بخطوات الموت، وصوتي طلع مكسور، حزين، وأقوى من الوجع نفسه:
– «أم هدى؟.. أنتي؟»
أم هدى انهارت، وقفت من على الكرسي واترمت تحت رجلي وهي بتعيط بصوت يقطع القلب:
– «سامحيني يا سارة يا بنتي! والله العظيم كنت مجبورة! والله العظيم كمال الشهابي مسك عليا ذلة تهد بيتي وتضيع ابني الوحيد!»
قعدت على ركبتي قدامها، ومسكت كتفها بقسوة وقلت لها والدموع بتغلي في عيني:
– «ذلة إيه يا أم هدى؟ أنتي اللي مربياني! أنتي اللي كنت بعتبرك ضهري وأمي بعد وفاة أبويا! عملتي فيا كده ليه؟ أدخلتِ مي هنا ليه؟ واديتِ لطارق التوكيلات والدفاتر إزاي؟»
أم هدى بدأت تتكلم وهي بتبكي وتترعش:
– «ابني هدى.. كان شغال محاسب في شركة الشهابي من سنتين، وكمال الشهابي عمل له قض\ية اختلاس مزورة برقم ضخم، وهدده بقطع رقبته والسجن المشدد لو ما طاوعتوش! كمال هو اللي جاب مي، وقال لي أدخلها عندك في الأتيليه وأعمل نفسي مخدوعة فيها وأخليكِ ترحميها وتشغليها.. وأنا اللي كنت بفتح الأتيليه لطارق ومي في نص الليل عشان ياخدوا التصاميم والأوراق ويحطوا الفواتير المطبوعة باسمك!»