حكايات بسمه3
سكت الصمت في ممر النيابة لمُدة ثواني، كأن الهواء اتقطع عن المكان. المحامي كان ماسك الورق وإيده بتتحرك على السطور بسرعة، وأنا عيني معلقة على باب أوضة التحقيق المقفول. الصوت العالي اللي كان طالع من جوة بين وكيل النيابة وحسين كان كفيل يوضح حجم المصيبة اللي حسين ورّط نفسه فيها.
المحامي قرب مني أكتر وقال بصوت خفيض:
— حسين في المأزق الأكبر في حياته. أخته شيرين لما حسّت إن التخشيبة أصبحت واقع، سحبت كل دفاعاتها السابقة وشالت إيدها بالكامل. اعترفت إن حسين هو اللي جابلها أرقام الحسابات، وهو اللي أخد المبلغ الكاش الكبير وسلمه لإيد شخص يدعى “أبو العز”، وهو الراأس الكبير في شركة وهمية لتسويق العقارات والتطوير العائلي اتضح إنها ستارة لغسيل أموال وإيصالات أمانة مزورة.
قلتله بنبرة مرعوبة بس متماسكة:
— والفلوس؟ فلوسي أنا وشهاداتي اللي اتكسرت؟
— الفلوس اتوزعت على شقين، — رد المحامي وهو بيشاور على الأوراق — جزء منها راح للحساب الوهمي عشان حسين ياخد نسبة “أرباح شهريًا” زي ما أوهموه، والجزء التاني حسين كان شايله باسم أخته كضمان عشان لو أمورك أنتِ انكشفت، يبقى المبلغ بعيد عن إيديكي وبعيد عن أي حجز تحفظي. لكن التحفظ حاليًا ينزل على كل الأصول والحسابات الخاصة بيهم هم الاثنين.
على الساعة واحدة بعد منتصف الليل، اتفتح باب أوضة التحقيق.
خرج حسين بين اتنين من أمناء الشرطة، إيديه الاتنين متكلبشين للقدام، وشه كان شاحب ومجهد، شعره منكوش وعينيه أحمر من الكتمة والبكاء. أخته شيرين خرجت وراه، كانت منهارة تمامًا ومسندة على حيطة الممر، وأمهم كابسة على وشها بالطرحة وبتصرخ بصوت مكتوم.
أول ما حسين شافني واقفة جنب المحامي، حاول يقرب خطوتين قبل ما العسكري يوقفه بقوة:
— هنا! اسمعيني للآخر والله العظيم أنا اتنصب عليا! الراجل ده أوهمنا إن الفلوس هتتدبل في ست شهور! أنا كنت عامل كل ده عشان أعمل قيمة لنفسي وأمن مستقبلي ومستقبلنا! شيرين وأمي ملهمش دعوة، أنا اللي اتضحك عليا!
بصيتله بعين ملهاش أي رحمة، وقلت:
— كنت عايز تعمل قيمة لنفسك بفلوسي؟ بمال يتسرق وتزوير يتم في ضهري؟ أنت مكانش فارق معاك مستقبلي لما سبتني في المطار وركبت أهلك بفلوس حجزي، ولا كان فارق معاك مستقبلي لما شفّيت توقيعي وكسرت شهاداتي! أنت اللي اخترت الطريق ده يا حسين، والطمع هو اللي جابك لحد هنا.
شيرين صرخت من وراه بانهيار:
— حسبي الله ونعم الوكيل فيكي! دمرتي بيتنا وحبستينا عشان شوية فلوس!
المحامي بتاعي اتدخل بصوت صارم هز الممر:
— الفلوس دي شقا عمرها اللي أنتم سرقتوه بالتزوير والنصب! ولو مش خايفين على شرفكم وتاريخكم، خافوا من العقوبة اللي مستنياكم، لأن وكيل النيابة أصدر قرار حاليًا.
وكيل النيابة خرج من الأوضة، وبص للكاتب وقال بصوت نفي فيه أي مجال للنقاش:
— يُحبس المتهم حسين، والمتهمة شيرين، أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع مراعاة تجديد الحبس في الميعاد، وإرسال حرز الهواتف والمستندات للطب الشرعي وفحص التوقيعات، وتكليف المباحث بضبط وإحضار المدعو “أبو العز” والتحفظ على كافة أصول الشركة المشبوهة.
الكلمات نزلت على أمهم زي الصاعقة. صرخت وسقطت على الأرض مغمى عليها، والعساكر بدأوا يسحبوا حسين وشيرين ناحية حجز النيابة تحت صراخهم وتوسلاتهم اللي كانت بتتردد في الممر الفاضي.
حسين وهو بيتسحب، بصلي بكسرة ونظرة ترجي أخير:
— سامحيني يا هنا… سامحيني!
ما رديتش. قفلت شنطتي، وبصيت للمحامي وقلت:
— يلّا بينا يا أستاذ. أنا عايزة أروح.
طلعت من مبنى النيابة، وكانت ريحة هواء الفجر نادرة وباردة. حسيت بتقل كبير انشال من على صدري، لكن في نفس الوقت حسيت بحجم الخديعة اللي عشتها. الشخص اللي ائتقنته على حياتي وشاركت معاه سقف واحد كان مستعد يبيعني ويبيع أمانتي عشان يرضي طمعه وطمع أهله.
تاني يوم الصبح، النيابة تحفظت رسمياً على عربية أخته والمبالغ الكاش اللي كانت معاهم في الكمين كجزء من رد المستحقات. والمحامي بدأ إجراءات دعوى الطلاق للضرر مرفقاً بيها أحكام الحبس والتحقيقات الرسمية، بالإضافة لإقامة دعوى استرداد كافة المبالغ المالية المسروقة.
بعد يومين، جالي اتصال من المحامي بلغني فيه إن المباحث وضعت إيدها على مقر شركة “أبو العز”، ولقوا إن حسين مكانش الضحية الوحيدة، لكنه كان العقل اللي تورط معاهم بكامل إرادته وقدم تسهيلات وتوقيعات مزورة باسمي عشان يدخل شريك أساسي.
وقفت في بلكونة شقتي، الشقة اللي حاول حسين يسرق استقراري فيها. بصلت للشارع الهادي وابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة حد خسر تجربة بس كسب نفسه وكرامته وحريته للأبد.
السادس قبل الأخير.
مرّت أيام الحبس الاحتياطي على حسين وأخته زي الكابوس، لكن بالنسبة لي كانت أيام إعادة ترتيب لحياتي ونفسيتي. الشقة رجعت هادية، مفيش تدخلات، مفيش نظرات استعلاء من حماتي، ومفيش طمع شيرين اللي كان مالك البيت.
في صباح يوم تجديد الحبس، كنت قاعدة في الاستراحة قدام محكمة التجديد جنب المحامي بتاعي. الممر كان زحمة، أهالي المحبوسين واقفين على الأعصاب، وفي آخر الممر كانت قاعدة أم حسين. شكلها كان كبر عشر سنين في كام يوم؛ هدومها متبهدلة، وشها شاحب، وعينيها منتفخة من الكثرة والبكاء. أول ما شافتني، قامت وجت ناحيتي بخطوات مكسورة، عكس المرأة القوية اللي كانت بتدخل شقتي وتؤمر وتنهى.
قعدت على الكرسي اللي جنبي، وبصتلي بنظرة رجاء ومذلة:
— هنا… يا بنتي… أنا عارفة إننا ظلمناكي، وعارفة إن ابني هانك وأخته طمعت فيكي. بس وحياة أغلى حاجة عندك، بلاش تضيعي مستقبلهم. شيرين خطيبها سابها لما عرف باللي حصل، وحسين عمله اترفض في الشركة لما النيابة بعتت استعلام. بيتنا اتخرب يا هنا!
رديت عليها بمنتهى الهدوء وأنا باصة قدامي:
— يا طنط، بيتكوا ماتخربش بسببي.. بيتكوا اتخرب لما ربيتيهم إن حق غيرهم عادي يتاخد، وإن كرامة بنت الناس لعبة. أنا مفيش بيني وبينكم غير القانون.
في اللحظة دي، دخل حرس المحكمة وجايبين المساجين. خرج حسين وشيرين متكلبشين في سلسلة واحدة مع مساجين تانيين. حسين كان خسّ جدًا، دقنه طويلة، وعينيه دبلانة. شيرين كانت مغطية وشها بطرحة وبتبكي بصوت مكتوم.
أول ما القاضي نادى على أسمائهم، المحامي بتاعي دخل وقدم المستندات الجديدة:
— يا سيادة القاضي، بنقدم إفادة رسمية من البنك تؤكد إن التحويلات المزورة تمت باستغلال بيانات المجني عليها، وبنطالب برفض طلب الإفراج بكفالة، لأن المتهمين حاولوا الهروب فعليًا وتم ضبطهم في كمين أمني وبحوزتهم مبالغ مالية وأوراق مزورة.
محامي حسين حاول يستعطف القاضي وقال إن حسين كان ضحية لشركة النصب، وإن شيرين مجرد شريكة حسنة النية. لكن القاضي بص للملف، وبعد الاطلاع على تقرير أبحاث التزييف والتزوير اللي أثبت إن التوقيعات على طلبات كسر الشهادات وتذاكر السفر تم الشف والتزوير فيها عن طريق شيرين وبمعرفة حسين، رفع الجلسة للقرار.
بعد ساعة من الترقب، خرج السكرتير وقرأ القرار:
“قررت المحكمة استمرار حبس المتهمين حسين وشيرين استئنافيًا لمدة fifteen يومًا على ذمة التحقيق، مع إحالة القضية إلى محكمة الجنايات بتهمة التزوير في محررات رسمية والعرفية والاستيلاء على أموال الغير.”
الصرخة اللي طلعت من أمهم هزت قاعة المحكمة. حسين وقع على الركبتين، وبصلي وصوته مقطوع:
— هنا… أرجوكي… التنازل! خدي الشقة، خدي كل حاجة، بس اسحبي قضية التزوير!
بصيتله للمرة الأخيرة قبل ما العسكري يسحبه، وقلت له:
— الشقة دي بتاعتي من أصلها يا حسين، والفلوس القانون سيردها لي بالقوة. أنت مش بتديني حاجة من جيبك، أنت بتدفع تمن اللي عملته.
بعد أسبوعين من القرار ده، وفي إحدى جلسات التحقيق الاستكمالية في محكمة الأسرة، صدر أول حكم لصالحي: الطلاق للضرر مع الاحتفاظ بكافة حقوقي الشرعية، وبطلان أي إيصالات أو أوراق وقعت باسمي خلال فترة الزواج.
لكن المفاجأة اللي مكانتش على البال حصلت لما المحامي كلمني بعد الجلسة بيومين وقال لي:
— هنا، المحامي بتاع حسين طالبتني بلقاء عاجل في المكتب… حسين عايز يعترف بحاجة جديدة خالص تخص “أبو العز” وشبكة غسيل الأموال، شرط إنك تحضري بنفسك ومقابل ده هيسلم أصول الفلوس اللي كانت متهربة خارج مصر قبل ما القضاء يتحفظ عليها!
حسين كان مخبي جزء كبير من المبالغ المسروقة في حساب تحويل خارجي باسم شخص تالت، وكان الملاذ الأخير لاسترداد كامل شقا عمري من غير ما أنتظر سنوات في المحاكم.
السادس والأخير.
دخلت غرفة الزيارة في السجن المركزي، والبرودة اللي في المكان كانت بتمس العظام. الجدران رمادية، والضوء خافت جاي من شباك صغير عليه قضبان حديد تقيلة. قعدت على الكرسي الخشب الصغير، وبيننا طاولة يفصلها سلك شبكي معتم.
بعد دقائق، اتفتح الباب الحديدي ودخل حسين.
شكل الشخص اللي كان واقف قدامي مكانش يمت بصلة للشاب المترتب الأنيق اللي اتجوزته من كام شهر. كان يرتدي ملابس السجن البيضاء الدبلانة، وجهه شاحب، وتحت عينيه سواد كأنه منامش من أسابيع. أيديه كانت بترعش وهو يقعد على الكرسي الناحية الثانية.
بصلي من ورا السلك بصوت واطي ومكسور:
— شكراً إنك وافقتِ تيجي يا هنا.
قلتله بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر:
— أنا هنا عشان مستحقاتي يا حسين، مش عشان أسمع مبررات. المحامي قال إن عندك اعتراف وأصول التحويل الخارجي.
حسين حط رأسه بين إيديه، وسمعت صوت شهقاته وهو بيبكي بكاء مرير، بكاء الخيبة والندم بعد ما الفأس وقعت في الرأس.
— أنا ضيعت نفسي وضيعت أختي.. شيرين محبوسة في عنبر النساء وكل يوم بتنهار، وأمي برا جرى لها جلطة ومحدش من قرايبنا راضي يبص في وشنا.. أنا عرفت قيمتك متأخر أوام يا هنا.. عرفت إنك الوحيدة اللي كنتِ صايstepاني وبتحبيني بجد، وأنا بعتك عشان طمعي وكلام أهلي.
رديت عليه بصرامة:
— كلامك ده ملوش أي قيمة دلوقتي. أنت مابعتنيش، أنت بعت نفسك وأمانتك. وأهلك اللي فضلتهم عليا هما اللي زقوك للهاوية دي.. اتفضل كمل الأوراق اللي المحامي جهزها.
حسين طلع من جيبه ورقة صغيرة متطبقة، سلمها للعسكري اللي واقف حارس عشان يمررها للمحامي بتاعي.
— الورقة دي فيها أرقام الحساب اللي في الإمارات باسم صاحب شركة الاستيراد، وفيها توقيع مني وتفويض رسمي بالاسترداد لصالح حسابك المباشر. فيه مبلغ 200 ألف درهم.. دول يغطوا النص مليون جنيه بتوع الشهادات بالزيادة، بالإضافة لفرق السفرية والتعويض.
المحامي أخد الورقة، فحص البيانات بتركيز، وبصلي وهز رأسه بالإيجاب:
— التفويض صحيح وموثق من المستشار القانوني للشركة، ومرفق معاه توقيع حسين الرسمي. كده الفلوس بالكامل تحت سيطرتنا وهتوصل حسابك في خلال أسبوع.
حسين بصلي بنظرة ترجي أخيرة، والدموع نازلة على خدوده:
— أنا كده سلمتك كل حاجة.. تنازلي عن المحضر يا هنا؟ خليهم يفرجوا عن شيرين على الأقل، هي مالهاش ذنب، أنا اللي أمنتها واستغليتها.
وقفت، وعدلت شنطتي على كتفي، وبصيتله للمرة الأخيرة في حياتي من ورا السلك الحديدي:
— شيرين زورت توقيعي باحترافية، وضحكت في وشي وهي عارفة إنه حجزي اتلغى، وحاولت تسرق شقا عمري. أختك مش بريئة يا حسين، وأنت مش مجني عليه. القانون هو اللي هيحكم بينكم في جلسة الجنايات الشهر الجاي، وأنا مش هتدخل ولا بالخير ولا بالشر.. سيبتكم لعدالة ربنا والقضاء.
حسين صرخ باسمي وهو بينهار على الطاولة والعسكري بيسحبه لجوه:
— هنا! أرجوكي يا هنا! ما تسيبنيش كده!
ما التفتش ورايا. مشيت في الممر الطويل، وكل خطوة كنت ببعد فيها عن السجن، كنت بحس إن أغلقت باب كابوس مظلم عاش معايا شهور.
بعد أسبوعين بالضبط، وصل إشعار البنك على موبايلي:
**”تم تحويل المبلغ إلى حسابكم بنجاح. الرصيد الحالي: [المبلغ بالكامل + التعويض].”**
وفي نفس اليوم، استلمت وثيقة طلاقي الرسمية النهائيات من محكمة الأسرة، خالية من أي التزامات، وبحكم طلاق نهائي للضرر.
أما قضية الجنايات، فصُدر فيها الحكم بعد شهرين:
**الحبس ثلاث سنوات مع الشغل لحسين بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال الغير، والحبس سنة مع الشغل لشيرين بتهمة التزوير والمشاركة في محرر عرفي.**
رجعت شقتي.. الشقة اللي بقت ملكي خالص نضفتها من كل أثر كان يربطني بيهم. غيرت الديكور، فتحت النوافذ للشرق وللهواء النقي، وقعدت في البلكونة وأنا بشرب كوباية القهوة بتاعتي في هدوء وراحة بال مكانتش حسيت بيهم من يوم ما اتجوزت.
الدرس كان قاسي، والتمن كان غالي.. بس الخروج من تجربة خيانة وطمع وأنت مرفوع الرأس، واسترداد كل حقك بالقانون والكرامة، كان أكبر انتصار حقيقي.
**(تمت القصّة)**