٨٠ فدان ١ انجى الخطيب

جوزي حبسني 7 أيام عشان يغصبني أتنازل عن 50 فدان ورثي ، وحماتي قالت: “لما تموت من الحوع والعطش هتمضي وتخلصنا…
​— هتمضي على الخمسين فدان دول يعني هتمضي، ولو اضطريت أحرمك من المية والاكل أسبوع كامل — قالت “طنط إحسان” حماتي الكلام دا وهي بتقفل باب المخزن اللي تحت البيت بالمفتاح عليا.
​صوت قفلة القفل رن في وداني وكأن باب قبر بيتقفل عليا..
مريم” كانت يا دوب قادرة تقف على رجليها؛ افتكرت كوباية الشاي اللي شربتها على العشا، وفهمت ليه لسانها كان تقيل ورجليها مش شايلينها.
​كان واقف ورا الباب “أيمن”، جوزها.
​مريم كانت مستنية منه إنه يوقف أمه، يزعق، يفتح الباب، يفتكر أي كلمة حلوة قالها في الأربع سنين جواز. لكن سمعته بيقول ببرود:
— تفتكري هتستحمل قد إيه؟
​ردت طنط إحسان بصوت يجمّد الدم:
— يوم الاتنين هننزل بالعقد، هتكون خلاص دبلت ومضت على اللي إحنا عايزينه.
​خبطت مريم على الباب:
— أيمن! افتح لي يا أيمن!
​سكت لحظة وقال:
— ما تصعبيش الأمور يا مريم. جدك مات وسابلك الأرض الوحيدة اللي محتاجينها، ومن غير الـ 50 فدان دول، البنك هيحجز على كل حاجة وشركة “مجموعة إحسان” هتعلن إفلاسها.
​الحاج “سيد”، جد مريم، كان شقيان طول عمره في الأراضي بتاعته، ورباها من وهي صغيرة، وصرف على تعليمها. ولما أيمن ظهر في حياتها ببدلته وشياكته واسم عيلته المعروف، كان هو الوحيد اللي مش مرتاح له.
#انجي_الخطيب
كان دايما يقولها: “الواد ده مش باصص في عينك يا مريم، ده باصص في اللي يقدر ياخده منك”.
​مريم كانت فاكرة ده خوف جدود، بس وهي محبوسة في المخزن اللي ملهوش شبابيك، فهمت إن جدها كان شايف الحقيقة من الأول.
​— جدي أنقذ شركتكم مرتين — قالت مريم وهي بتحاول تمسك دموعها — دفع فلوس لما الكل خاف يسلفكم. ده كمان كان جزء من خطتكم؟
​ضحك أيمن ضحكة صفرا:
— طبعاً! كنتِ فاكرة إني اتجوزتك عشان عيونك؟ اتجوزتك عشان أرض جدك، ودي كانت الخطة من البداية.
​طنط إحسان قاطعتهم:
— خلص يا ابني، “ريهام” جاية النهاردة من إسكندرية، مش عايزينها تتوتر وهي حامل في ابنك.
​مريم اتسمرت في مكانها. ريهام؟ سكرتيرة أيمن اللي كانت بتاكل على سفرتهم، وبتيجي بيتهم، وكانت بتعمل نفسها بتحسدها على جوازتها!
​مشيت خطواتهم، طفوا نور الطرقة، وسابوها في ضلمة تامة.
​قعدت مريم على الأرض، فكرت تصرخ بس مفيش حد هيسمعها. الخدم كلهم واخدين أجازة إجبارية، والتليفونات مقطوعة، والباب حديد ومتأمن كويس.
​وفجأة افتكرت آخر زيارة لجدها للعزبة، لما كان بيمشي في المخزن بحزن، وقبل ما يمشي إداها دلاية فضة على شكل ورقة شجر.
قالها: “ما تقلعيهاش أبداً، ولو في يوم اتحطيتي في ضيقة، دوري على الطوبة الخامسة في الرصة التانية ورا البراميل”.
​قامت مريم، زقت الصناديق القديمة، ولقيت البراميل. عدت الطوب، ولما ضغطت على الطوبة الخامسة، سمعت صوت تروس بتتحرك.
​جزء من الحيطة اتفتح، ظهر وراه نفق ضيق. العزبة دي كانت بتاعة عيلتها من زمان، وجدها كان حكالها قصص عن الأنفاق اللي كانت بتستخدم أيام زمان، بس هي كانت فاكراها حكايات.
​طلعت المفتاح الصغير اللي كان جوه الدلاية، وفتحته. قبل ما تدخل، سمعت صوتهم تاني بره:
— ولو ما مضتش هنعمل إيه؟ — سأل أيمن.
ردت إحسان:
— هنستنى لما تضعف خالص، وبعدين نزور إمضتها ونقول إنها هربت من الفضيحة.
​مريم ضغطت على الدلاية في إيدها لحد ما علمت في كفها. مش هترجي حد، ومش هتسيب أرض جدها، والأهم إنها مش هتفضل الست اللي بيضحكوا عليها.
​دخلت النفق وقفلت وراها الحيطة.
بعد 7 أيام، طنط إحسان هتفتح الباب وهي مستنية تلاقي واحدة مكسورة، بس اللي هتشوفه في الضلمة هيخليها تصرخ كأنها شافت عذابها بعينها.
#انجي_الخطيب
النور كان خافت جوه النفق، والريحة كانت ريحة تراب قديم وذكريات محبوسة، بس مريم كانت ماشية بثبات غريب، كأن الغضب اللي جواها هو اللي بيحركها مش رجليها اللي كانت بتترعش من الجوع. مريم كانت عارفة إنها لو خرجت، مش ممكن ترجع مريم القديمة، البنت اللي كانت بتصدق الكلمة الحلوة وبترمى نفسها في حضن اللي بيخدعها.
​عدت الأيام جوه النفق، مريم اكتشفت إن النفق ده بيفتح على بيت الحارس القديم المهجور في آخر العزبة، والبيت ده كان فيه خزين أكل قديم معلبات ومية، وكأن جدها كان حاسس إن الحيطة دي هيجي يوم وهتكون هي طوق النجاة. في السبع أيام دول، مريم مكنتش بتعيط، كانت بتفتكر كل حركة، كل كدبة، وكل نظرة احتقار شافتها في عين “ريهام” وهي بتدخل بيتها.
​يوم الاتنين، الصبح بدري، “طنط إحسان” وأيمن وقفوا قدام باب المخزن، إحسان كانت ماسكة ورقة وقلم، وأيمن كان وشه أصفر وقلقان.
​إحسان بصوت واطي ومسموم: “أكيد دلوقتي بقت زي الخيال، ادخل يا أيمن، خلصنا عشان نلحق نلحق ريهام قبل ما تروح المستشفى.”
​أيمن فتح القفل بإيد بتترعش، وبمجرد ما الباب اتفتح، دخلوا هما الاتنين بضوء الكشافات، مريم مكنتش موجودة، الأوضة كانت فاضية تماماً، مفيش غير شوية تراب على الأرض. إحسان بصت لأيمن برعب: “فينها؟ فين راحت؟”
​أيمن جن جنونه، فضل يلف في المخزن كالمجنون، مفيش أي أثر للهروب، لحد ما وقعت عينه على جزء الحيطة اللي كان مقفول بدقة، صرخ: “دي مفتوحة!”
​جريوا ناحية النفق، بس قبل ما يخطوا خطوة واحدة، سمعوا صوت “تكة” باب المخزن الكبير بيتقفل بقوة من بره، والضوء اختفى تماماً لما أيمن وإحسان اتجمدوا في مكانهم.
​من ورا الباب، مريم صوتها طلع قوي، ثابت، وما فيهوش ذرة ضعف: “كنتوا فاكرين إن 50 فدان أرض وجدتها من دهب ممكن تخلص بكلمتين يا حماتي؟”
​إحسان خبطت على الباب بجنون: “مريم! افتحي يا بت! إنتي عملتي إيه؟”
​مريم ضحكت، ضحكة مكنش فيها أي فرحة، بس كان فيها انتصار السنين: “اللي عملته إني بلغت الشرطة من تليفون كان مرمي في بيت الحارس، ووريتهم التوكيلات اللي كنتوا ناويين تزوروها.. والبصمات اللي على عقودكم المضروبة هي اللي هتحبسكم، مش أنا.”
​أيمن زعق بصوته كله: “مريم! ريهام حامل! ما تعمليش فينا كدة!”
​ردت مريم وهي بتمشي بعيد عن المخزن، وشمس الصبح بدأت تظهر في العزبة، وبتقول لنفسها إن الأرض اللي جدها زرع فيها روحه، مش ممكن تضيع لأشكال زي دول: “ريهام حامل؟ يبقى مبروك، هتلاقيها أكيد مستنياكم في قسم الشرطة.. هي أول واحدة اعترفت بكل حاجة بمجرد ما شافت العساكر، وباعتكم بأرخص تمن عشان تنجي بنفسها.”
​مريم مشيت، وسمعت صوت صراخهم بيتعالى ورا الباب، سابتهم في نفس المكان اللي حبسوها فيه، بس الفرق إن المرة دي، الضلمة اللي جوه هي ضلمة مستقبلهم، والشمس اللي بره هي بداية عمرها اللي استردته بكرامتها.
……..
مريم وقفت لحظة قدام باب البيت الكبير، أخدت نفس عميق، الهوا كان فيه ريحة الندى والأرض اللي بقت حرة أخيراً. لفت ضهرها للمخزن اللي صوته مابقاش فيه غير خبط أيمن اليائس على الحديد، وبدأت تمشي في اتجاه البوابة الرئيسية.
​على أول طريق العزبة، شافت كشافات عربيات الشرطة بتقرب، وصوت السارينة كان بيقطع سكون الصبح، بيعلن بداية نهاية الإمبراطورية اللي اتبنت على الكدب والخيانة. “المأمور” نزل من العربية، وبص لمريم اللي كانت واقفة بعبايتها المتربة، بس نظرتها كانت أقوى من أي وقت فات.
​— الآنسة مريم؟
سألها المأمور وهو بيبص للمخزن اللي صوت الخبط فيه بقى مكتوم.
​— أيوه يا فندم، أنا مريم. التليفون اللي بلغتم عليه هو اللي فيه كل التسجيلات اللي بتثبت محاولة الخطف والتزوير، ومفاتيح البيت والتوكيلات المضروبة كلها في الدرج اللي جوه المكتب، خدوا بالكم، أيمن عنده نسخة تانية في الخزنة.
​مريم قالت كلماتها وهي بتطلع دلاية ورقة الشجر من رقبتها، بتبص لها وكأنها بتودع جدها وبتقوله “أنا قدرت”. المأمور شاور للعساكر، ودخلوا البيت اللي كان يوم من الأيام “بيتها”. وشافت “ريهام” خارجة من عربية تانية، وشها أبيض كالموت، عينيها جت في عين مريم، فبصت في الأرض بسرعة، ريهام كانت هي الخيط اللي مريم استخدمته عشان تكشف اللعبة؛ عرفت إن طموح ريهام في “ابن أيمن” هو اللي هيخليها تبيع أي حد، فكانت هي أول واحدة اتواصلت معاها وهي جوه بيت الحارس، وفهمتها إن أيمن هيسيبها تواجه المصير لوحدها لو مراته اتنزلت عن الأرض.
​ريهام بدموع تماسيح قربت منها:
— مريم.. أنا كنت مضطرة.. هو اللي ضغط عليا..
​مريم بصتلها بقرف، ومن غير ولا كلمة، لفت وشها للمأمور وقالت:
— يا فندم، الأرض دي كان جدي شقيان فيها عشان يورثني أنا، مش عشان تتسرق مني. أنا عايزة حقي بالقانون، وعايزة أخرج من البيت ده النهاردة، ومحدش فيهم يقرب مني تاني.
​شافت أيمن بيطلع متكلبش، وشه كان ملامحه ممسوحة، أول ما شافها، حاول يصرخ أو يشتم، بس عساكر الأمن المركزي كتفوه بسرعة ودخلوه عربية الترحيلات. طنط إحسان كانت ماشية وراهم بتندب وتصرخ، بس مريم كانت خلاص، صوتهم بقى زي دوشة عربيات معدية، مش مأثر في هدوئها.
​ركبت مريم عربية الشرطة عشان تروح القسم تكمل الإجراءات، ومن الشباك، فضلت باصة للأرض اللي بدأت الشمس تطلع عليها، بتلمع كأنها بترحّب بصاحبتها اللي رجعتلها. مريم غمضت عينيها، ولأول مرة من 7 أيام، حست إن جسمها خفيف، وإن السلاسل اللي كانت خانقاها اتفكت للابد. الطريق قدامها طويل، ومعاركها القانونية لسه هتبدأ، بس هي دلوقت بقت عارفة إنها مهما اتحبست في ضلمة، جوه قلبها فيه نور، وجوه إيدها مفتاح يفتح أي باب مقفول.
…….
عدت الشهور كأنها سنين، مريم بقت شخصية تانية، ملامحها اللي كان بيغطيها الخوف اتغيرت وبقت بتبص للحياة بتحدي. القضية أخدت وقت طويل في المحاكم، أيمن وحماتها حاولوا بكل الطرق يلفقوا تهم تانية أو يضغطوا عليها بصلاتهم، بس مريم كانت واقفة زي الجبل، ورقة الشجر الفضة اللي ورثتها عن جدها بقت تميمة حظها، في كل جلسة كانت بتمسكها في إيدها بتفتكر ريحة الأرض والوعد اللي قطعته لنفسها.
​في جلسة الحكم النهائية، القاعة كانت هادية بشكل يرعب. القاضي نطق بالحكم: “سجن مشدد لأيمن وإحسان بتهمة الخطف، الشروع في الق9تل، والتزوير في أوراق رسمية.”
​صوت الصريخ والعياط في القاعة كان بيتردد، إحسان كانت بتبص لمريم بعيون كلها غل وكره، وأيمن كان وشه ميت، بيبص للفراغ، كأن حياته كلها اتبخرت في لحظة. مريم طلعت من قاعة المحكمة، الهوا بره كان مختلف، شمت فيه ريحة الحرية اللي بجد.
​ما وقفتش عند ده وبس، مريم رجعت للأرض، العزبة اللي كانت مهددة بالإفلاس بقت مشروع حياتها. نزلت السوق بنفسها، اتعلمت زراعة أصناف جديدة، وخلت الأرض اللي أيمن كان عايز يبيعها عشان يسدد ديون شركته، بقت بتنتج دهب. شركة “مجموعة إحسان” اللي كانت بتنهار، مريم اشترت أصولها بعد ما أعلنت إفلاسها بشكل قانوني، وحولتها لمؤسسة خيرية تحمل اسم جدها “الحاج سيد”، بتدعم الفلاحين اللي كانوا بيشتغلوا عنده.
​في يوم من الأيام، وهي ماشية في الغيط بتطمن على المحصول، شافت طفل صغير بيجري وسط الزرع، ضحكته كانت صافية زي ضحكة جدها. وقفت مريم، وطلعت الدلاية الفضة من رقبتها، بصت للزرع الأخضر اللي بيتحرك مع الهوا، وحست إن كل اللي حصل كان مجرد فصل في رواية طويلة، هي اللي كتبت نهايته بإيديها.
​تليفونها رن، كان المحامي بيبلغها إنهم خلصوا إجراءات بيع بيت “العيلة” القديم اللي كانت ساكنة فيه مع أيمن، مريم خدت نفس عميق وقالت ببرود وهدوء: “بيعه، مش عايزة منه ولا مليم، اتبرع بتمنه للملجأ، أنا مش محتاجة من الماضي ده غير ذكرياتي اللي طهرتها بالعدل.”
​قفلت التليفون، وبصت للسما، كانت الشمس بتغرب، واللون البرتقالي غطى الأرض، مريم سابت الدلاية في إيدها وغمضت عينيها، مفيش سجون تانية، مفيش خوف، مفيش مفاتيح مقفولة. مريم بقت هي صاحبة الأرض، وصاحبة حياتها، والدرس اللي اتعلمته كان بسيط بس تقيل: “الخوف هو القفل، والشجاعة هي المفتاح اللي بيفتح أبواب كان الكل فاكر إنها اتسدت للأبد.”
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *