اختى امانى سيد

اختى اتطلقت وجت تعيش معايا …كانت مشاكلها مع جوزها سببها إنه بيخونها ويضربها وبخيل معاها

ده اللي كانت دايما بتحكيه أختي.. وكانت طول الوقت قدام جوزي تقولي: «حافظي على جوزك ده، ده مفيش منه وده ابن اصول، ربنا يخليكم لبعض وما يحرمكمش من بعض أبدًا».

في الأول، جوزي كان بيتضايق جدًا من وجودها في البيت.. كان دايما يقولي: «يا بنت الحلال وجودها مقيد حريتي، مش عارفين ناخد راحتنا في بيتنا ولا نتكلم براحتنا». أسمعه وأحاول أمتص غضبه وأقوله: «معلش استحملها، مالهاش حد تروحلهم، وأنت عارف مشاكلها هي وأمي عاملة إزاي، ظروف وتعدي».

بس مع مرور الوقت.. الحاجات بدأت تتغير من غير ما أحس.

بقيت ألاحظ إن الجفا اللي كان بينه وبينها بدأ يتدوب بالتدريج، وبقوا يندمجوا مع بعض ويقعدوا يتكلموا ويضحكوا بالساعات وأنا مش واخدة بالي أو بفسرها بصفاء نية. تحول الضيق لاهتمام غريب.. بقى جوزي يجي من برة يوصيني عليها بالاسم: «اعمليلها الأكل اللي بتحبه، أصلها شكلها زعلانة النهاردة»، وبقى وهو راجع من شغله يدخل وفي إيده الحاجة اللي عارف إنها بتحبها، يفتح الباب ويدهالي وهو بيلمح بطرف عينه يلمس رد فعلها: «جبتلكم الحاجات الحلوه دى معايا.. عشان تتسلوا سوا ونسخر كلنا ونتفرج على فيلم .

كنت بشوف الاهتمام ده في الأول شهامة ومجدعة منه، وإنه خلاص بدأ يعطف على ظروفها ويعتبرها زي أخته.. لحد ما بدأت ألاحظ نظرات واهتمامات زادت عن حدها، وتفاصيل صغيرة بدأت تقبض قلبي وتخليني أقف مع نفسي وأتساءل: هو في إيه بيحصل في بيتي ومن ورا ضهري؟!

 

 

 

 

 

 

بقيت أقف قصاد المنظار في الصالة وأسأل نفسي: هي العاطفة والرأفة بزيادة كده؟ ولا أنا اللي بقيت أتوهم؟ بس الشك ما بقاش توهم لما التصرفات اتغيرت علانية ومؤمن بقى يفضل نادين عليا في كل حاجة.

بدأت ألاحظ إن مؤمن بقى يستنى كل كلمة منها بلهفة.. لما نادين تقول رأيها في حاجة في البيت، كان كلامها بالنسبة له سيف مصلت، يمشي كلامها هي ويرفض كلامي أنا! لو اختلفنا على مكان نخرج فيه أو حابين نأكل إيه، كان يقف في صفها بابتسامة ويقولي: «خلاص يا مروة، اسمعي كلام نادين المرادي، هي زمانها مخنوقة وعايزة تغير جو».

حتى الاهتمام الشخصي اللي كان من نصيبي، بقى يروح لها بالكامل. لما يجيب حاجة حلوة وهو جاي من شغله، يدخل يسلمها لنادين بنفسه والأبتسامة من الودن للودن، ويقولها: «جبتلك الحاجة اللي بتحبيها مخصزص ليكى »، ولما يلتفت لي، يقول ببرود: «تلاقي نادين هتقسم معاكي يا مروة».

الأدهى من كده، إني بقيت أحس إني أنا الغريبة في بيتي! تقعد نادين تشكيلو من مشاكلها القديمة مع طليقها، فيفضل يبصلها بنظرات فيها حنية واهتمام عمري ما شفتهم منه في الفترة الأخيرة، ويطبطب عليها ويقولها: «أنتِ تستاهلي أحسن من كده بكتير، اللي ما يقدرش الجوهرة اللي معاه يبقى ما بيفهمش». كلمة زي دي كانت بتنزل عليا زي الصاعقة، كأنه بيقر إنه شايفها الجوهرة وأنا اللاشيء.

لما أجي أطلب منه حاجة تخصني أو أتكلم معاه في موضوع مضايقني، يتأفف ويقولي: «أنتِ نكدية ليه يا مروة؟ شوفِى أختك رغم كل اللي مرت بيه بتضحك وروحها حلوة إزاي! اتعلمي منها شوية».

في اللحظة دي بالذات، حسيت إن نادين مش بس خدت مساحتي في البيت، دي بدأت تسحب مؤمن مني خطوة بخطوة.. وأنا واقفة متكتفة، بشوف بيتي بيتسرق مني قدام عيني وفي وسطه نادين ومؤمن.

بدأت ألاحظ إن التغير مابقاش بس من ناحية مؤمن.. نادين هي كمان شخصيتها اتغيرت تمامًا؛ العكننة والكسرة اللي جابتهم معاها من بيت جوزها اختفوا، وحل محلهم ثقة غريبة وطول لسان.

بقت نادين هي السيدة الأولى في البيت، تتصرف وتتحكم في كل صغيرة وكبيرة كأنها صاحبته وأنا مجرد ضيفة! تدخل المطبخ تغير ترتيب الحاجات، تنزل تشتري طلبات للبيت على ذوقها هي، وحتى نظام اليوم والأكل بقى يمشي على هواها. لما كنت أقولها: «يا نادين معلش سيبِ الحاجة دي مكانها، أنا بحب أرتب بيتي كده»، تبصلي باستخفاف وتقولي: «إيه يا مروة العقلية دي؟ أنا بصلحلك نظام بيتك، وبعدين مؤمن عاجبه كدة وقالي سيبك منها!».

والأصعب من كده، إن أي محاولة مني عشان أوقفها عند حدها كانت بتقلب بخناقة كبيرة وتستعرض فيها قوتها. لو عارضتها في كلمة، تدور وشها وتزعق بصوت عالي: «أنا مش جاية هنا عشان تحكمي عليا! أنتِ بتغيري مني ولا إيه؟ بدل ما تقفي جمبي في ظروفي جاية تتشطري عليا؟

وكانت أذكى من إنها تتخانق معايا وأحنا لوحدنا بس.. كانت تستنى مؤمن يرجع من شغله، وتبدأ تعمل دور الضحية وتبكي وتشتكيلو: «أنا ماشيه يا مؤمن، أختي مش حابة وجودي معاها ومستخسرة فيا اللقمة والراحة بعد كل اللي شفته!».

وطبعًا مؤمن يدخل في اللحظة دي وهو ثاير، وبدل ما يسمع مني أو يفهم الحقيقة، يوجهلي الكلام بقسوة قدامها: «أنتِ إيه معندكيش قلب يا مروة؟ أختك جاية مكسورة من بيت جوزها وأنتِ بدل ما تشيليها في عينك قايمة عليها خناق؟ البيت ده بيتها زيه زي بيتك بالضبط، واللي يضايقها يضايقني ومن هما ورايح مصروف البيت هيبقى معاها هى !».

في اللحظة دي، حسيت إن السلطة اتسحبت مني تمامًا.. بيتي اللي بنيته معاه بقى يدار بكلمة من نادين، وأنا أصبحت الغريبة اللي ملهاش رأي ولا صوت.

قعدت نادين في الصالة وهي حاطة إيدها على خددها، تتصنع الدموع والكسرة قدام مؤمن أول ما دخل من باب البيت. مسكت شنطة هدومها الصغيرة اللي كانت مجهزاهة جنب الباب، وقامت برعشة درامية وقالت بنبرة حزينة ومكسورة:

— «أنا خلاص يا مؤمن ماشيّة.. مش هقدر أقعد أكتر من كده وأكون سبب في خرائب بيت أختي. مروة مش طايقاني، وكل يوم بتسممني بكلامها وتخليني أحس إني عبء وتقيلة على قلوبكم. أنا أرجع لظلم طليقي أو أترمي في الشارع أرحم لي من الإهانة دي.. ربنا يسعدكم، أنا ماشية عشان ترتاحوا مني خالص».

الكلمات دي نزلـت على مؤمن زي الزيت المغلي. بصّ لي بنظرة فيها كمية غل وقسوة عمري ما شفتها في عيونه طول سنين جوازنا، وصرخ في وشي بصوت هز جدران الشقة:

— «أنتِ إيه؟ معندكيش أصل ولا رحمة؟ أختك اللي من دمك جاية لك مكسورة ومالهاش ملجأ، تطفشيها وتعملي عليها سيّدة؟ والله العظيم ما هسمح لك تظلميها في بيتي.. البيت ده بيتها، والظاهر إنك أنتِ اللي بقيتي وجودك نكد ومش حاسة بقيمة العيشة ولا بالنعمة!».

وقبل ما ألحق أدافع عن نفسي أو أقول كلمة واحدة تنقذ الستار اللي بيتقفل على حياتي، كمل وهو بيشاور بأصبعه في وشي ببرود مرعب:

— «أنتِ طالق يا مروة.. طالق بالثلاثة، عشان تعرفي إن الله حق، وإنك ما تستاهليش تصوني بيتك ولا تقدري الجوهرة اللي كانت عايشة معاكي! لمّي هدومك وغوري من هنا، مش عايز أشوف وشك تاني!».

وقفت مذهولة، الدنيا دارت بيّ والحيطان كانت بتتساقط فوق دماغي. بصيت لنادين، كنت مستنية أشوف على وشها نظرة ندم أو خجل، بس اللي شفته كان ابتسامة نصر خفيثة ارتسمت على طرف شفايفها وهي بتمسح دموعها الوهمية وتبص لمؤمن بامتنان.

خرجت من بيتي مطرودة في ليلة ضلمة، مكسورة ومصدومة في أقرب اثنين ليا.. أختي اللي فتحت لها بيتي، وجوزي اللي سلمته قلبي ورأي.

عدّت شهور العدة عليا كأنها دهر.. كنت كأني في كابوس مش قادرة أفوق منه، باكل نفسي من التفكير وبحاول ألملم اللي فاضل من كرامتي وروحي. وفي آخر يوم في العدة، أختي اللي سحبت البساط من تحت رجلي خطوة بخطوة، كانت بترتب لليوم اللي خططت له من أول لحظة دخلت فيها بيتي.

أول ما العدة انتهت، وبدون أدنى خجل ولا مراعاة لصلة رحم ولا دين، اتفق مؤمن ونادين على كل حاجة.. وفي نفس البيت اللي اتطردت منه، وعلى نفس العفش اللي اخترته بذوقي، اتكتب كتاب مؤمن على نادين، وبقت هي السيدة الأولى والزوجة الجديدة لجوز أختها، بعد ما أخدت مكاني، وبيتي، وحياتي بالكامل!

مرّت خمسة أشهر على جوازهم.. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام بيتي الهادي، تحولت لساحة حرب يومية بين مؤمن ونادين.

القناع اللي كانت لبساه نادين—قناع الضحية الرقيقة والمكسورة—بدأ يتقشر بالتدريج لحد ما سقط تمامًا. نادين خلاص حققت غايتها، أخدت الراجل والبيت، ومابقاش في داعي للتمثيل أو الجري ورا رضا مؤمن.

في ليلة من الليالي، رجع مؤمن من شغله وهو مجهد، أملًا إنه يلاقي اللقمة الهنية والكلمة الطيبة اللي كانت نادين بتغرق بيهم أيامه زمان. دخل الصالة لقى البيت يكركب، والأكل مفيش، ونادين قاعدة على الكنبة بتفر في تليفونها ومطنشاه تمامًا.

قرب منها مؤمن وهو بيحاول يمسك أعصابه وقال بصوت مكتوم:

— «إيه يا نادين؟ البيت يكركب كده ليه؟ وأين الأكل؟ أنا راجع من الشغل مهدود حيلي ومستني أرتاح!».

ردت عليه نادين ببرود واستخفاف، من غير ما ترفع عينها من على شاشة التليفون:

— «جرى إيه يا مؤمن؟ هو أنا خدامتك هنا ولا إيه؟ اللي عايز حاجة يقوم يعملها لنفسه، أنا مش جيا من بيت جوزي القديم عشان أخدم حد تاني!».

اتصدم مؤمن من النبرة والأسلوب، وبدأ يحس بمرارة اللحظة. وقرّب منها بزعيق:

— «نعـم؟! خدامتي؟! أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا نادين؟ أنتِ نسيتي كنتِ جيا هنا إزاي؟ ولا نسيتي إني طلقت أختك ووقفت معكي ضد الدنيا كلها عشان حنيتك ورقتك اللي كنتِ بتتمسكني بيهم؟».

هنا.. قامت نادين وقفت قصاده بكل جشع وقسوة، وضحكت ضحكة عالية فيها كل أنواع الاستهانة وقالت:

— «أوه، معلش بقى يا سي مؤمن! التمثيل له وقت وبيخلص.. أنت صدقت إن أنا أحبك بجد؟ أنا كل اللي كان يهمني أثبت لنفسي ولأختي إني أقدر آخد منك أي حاجة، وأخلص من عيشتي القديمة. وأنت زي الأغفل صدقت وجريت ورايا وخرّبت بيتك بإيدك! وعموماً بقى، المصروف اللي بتديهولي ده مبيعملش حاجة، وتدبير البيت اللي مروة كانت بتعمله بلطافتها أنا مش فاضية له.. عايزه فلوس زيادة، وعايزه شغالة تنضف، وإلا قسمًا بالله لأعملك فضيحة في منطقتك وشغلك!».

نزل الكلام على مؤمن زي الصاعقة.. بقى واقف مشدوه، حاسس بالخزي والندم بياكلوا في جسمه أكل. افتكر كل كلمة كنت بقولهاله، افتكر حنيتي وصبري عليه، وافتكر إزاي ظن إن الذهب اللي في إيده تراب، وجري ورا السراب!

بص لها وعيونه مليانة ندم وقرف، وصوت طالع بالعافية:

— «يااااه.. بقى أنتِ كده؟ أنا بعت اللي صانتني وخانتني عشان واحدة استغلالية ومريضة زيك؟ أنا اللي عملت في نفسي كده!».

ردت عليه بابتسامة صفرا وهي بتمشي وسيباه:

— «أهو اللي حصل بقى يا سي مؤمن.. اشرب بقى من البحر، ومفيش خروج من الجوازة دي إلا بشرطي، وإلا هطلعك على التليفزيون والميديا وأعرف الناس كلها أنت عملت إيه مع أخت مرتك!».

سابها وقعد على أول كرسي قابلُه، حاطط إيده على راسه، والدموع المحبوسة في عينه بتبكي على بيته اللي اتخرب، وعلى الزوجة الأصيلة اللي ظلمها ورميها في الشارع عشان حية غدرت بيه وبأختها.

 

عدّت الأيام ومؤمن عايش في جهنم حمرا.. البيت اللي كان فاكره هيبقى جنة بقى عبارة عن خناقات يومية، وزعيق لا بيفصل، واستنزاف لمشاعره وفلوسه.

نادين ما سابتلوش فرصة ينفس؛ كل يوم طلبات جديدة، وشروط مادية تعجيزية، وتهديد مباشر بالفضايح لو ما نفذش. ومؤمن بقى حاسس إنه متكتّف، مفيش في إيده غير إنه يبص للسقف بالساعات ويفتكر مروة.. يفتكر هدوءها، ونظافتها، وحنيتها، وإزاي كانت بتشيل عنه هموم الدنيا من غير ما تطلب كلمة شكر.

وفي يوم، وزي أي يوم شوم، قامت خناقة كبيرة بينهم بسبب المصروف. نادين صرخت في وشه بصوت سمع الجيران كلهم:

— «أنا مش هعيش في الشحح ده! أنت فاكر نفسك راجل بجد ولا إيه؟ أنت مجرد كارت واستخدمته عشان أطلع بيه من أزمتي، ودلوقتي كارتك انحرق!»

الكلمة دي كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير. مؤمن حاسس إن دماغه هتتفجر، الدم ضرب في وشي، ومبقاش شايف قدامه. كل كمية القهر والندم اللي حبسهم جوا أربعة أشهر انفجروا في لحظة واحدة.

قرب منها وعيونه طالع منها شرار، وبصوت هز جدران العماره كلها:

— «أنتِ صح.. أنا فعلاً ما كنتش راجل لما رميت الجوهرة الحقيقية وجريت ورا الزبالة اللي زيك! أنا اللي عملت في نفسي كده لما فتحت بيتي للأفعى اللي قرصتني وقرصت أختها! بس الحد هنا وبس.. أنتِ طالق! طالق! طالق بالثلاثة يا نادين، وما شوفش وشك في البيت ده دقيقة واحدة كمان!»

نادين اتفاجئت، ما كانتش متوقعة إنه يملك الجرأة وياخد القرار ده. حاولت تتخانق وتصرخ وتفتعل دراما جديدة، بس مؤمن المرة دي ما أداهاش فرصة. مسك شنطتها ورمى لها هدومها بره الباب وقفل في وشها بالضبة والمفتاح، وسابها تصرخ في الصالة بره.

دخل مؤمن شقته الفاضية.. الشقة اللي بقت صحراء جرداء. قعد على الأرض ورا الباب، وحط إيده على وشه وبكى بحرقة عمره ما بكاها في حياته. بكى على خيبته، وعلى بيته اللي اتهد، وعلى مروة اللي ظلمها وكسر قلبها بدون وجه حق.

تاني يوم الصبح، ومفيش في قلبه غير أمل ضعيف وخجل يهد جبال، طار مؤمن على بيت أهل مروة.

وقف قدام الباب، إيده بترتعش وهو بيمدها يضغط على الجرس. أول ما الباب اتفتح وشاف مروة واقفة قدامه—دبلانة، بس لسة شايلة كرامتها وعزتها—نزل على ركبه قدامها في الممر، والدموع مغرقة وشه:

— «ارحميني يا مروة.. اغفريلي يا بنت الأصول! أنا أتخدعت، أنا بعت الذهب واشتريت التراب وإتدفنت فيه! نادين كانت حية ونهت بيتنا، وأنا كنت أعمى وأغبى إنسان على وش الأرض.. اديني فرصة واحدة بس أصلح اللي بوظته، مستعد ألحس التراب تحت رجلك بس ترجعيلي وتسامحيني!»

وقفت مروة تبص له ببرود تام.. النظرة اللي كانت زمان مليانة حب واهتمام، بقت فاضية تمامًا من أي مشاعر. بصت له وهو مكسور تحت رجلها، وبعدين بصلت بعيد وابتسمت ابتسامة وجع سخرية، وقالت بنبرة هادية بس أشد قسوة من كل كلامه:

— «البيت اللي اتهد ما بيرجعش تاني يا مؤمن.. والكسرة اللي كسرتها لي قدام أختي ما يداويهاش دموعك ولا ندمك. أنت ونادين شبه بعض، تستاهلوا بعض.. وأنا ربنا نجاني منكم أنتم الاتنين. طريقتك انتهت معايا من اليوم اللي رميتني فيه في الشارع.»

قفلت الباب في وشه بالراحة، وسابته قاعد على الأرض، مكسور، وحيد، ويدفع تمن غدره وظلمه باقي عمره.

رجعت مروة خطوتين لورا بعد ما قفلت الباب، وسندت ظهرها عليه وهي بتتنفس بسرعة. كانت دقات قلبها عالية، بس المرة دي مش من الخوف ولا من القهر.. كانت دقات حرة، دقات واحدة ردت لكرامتها اعتبارها، وشافت العدل الإلهي بيلف ويرجع لصاحبه في الدنيا قبل الآخرة.

على الناحية التانية من الباب، قعد مؤمن على درجات السلم، حاطط راسه بين إيديه، صوت الباب وهو بيتقفل في وشه كان أشد عليه من سكين اتغرزت في قلبه. أدرك في اللحظة دي إن كل حاجة انتهت بجد.. إن مروة مش بس رفضت ترجع له، دي مسحت وجوده من حياتها وكأنه لم يكن. قام يجر رجليه بالعافية، راجع لشقة فاضية مفيهاش غير ذكريات ظلمها، وضريح للغدر اللي بناه بإيده مع نادين.

أما نادين، فبعد ما اترمى لها عفشها وهدومها بره، حاولت تروح لأمها وتعيش دور الضحية للمرة التانية، لكن المرة دي القناع كان اتكشف خلاص. الأم، اللي شافت خراب بيت بنتها الأولى على إيد بنتها الثانية، وقفت في وشها وقالت لها بحسم وكسرة:

— «أنتِ مش بس خربتي بيت أختك.. أنتِ خربتي قلبنا ونفسنا. مفيش مكان ليكي هنا يا نادين، روحي دوري على مكان يشيل الغل والحقد اللي جواه ده، أنتِ جنيتي على نفسك وعلى أختك، والذنب ده هيلاحقك العمر كله».

اتقفلت كل الأبواب في وش نادين، وبقت وحيدة، مطرودة من بيت جوزها القديم، وبيت مؤمن، وبيت أهلها.. بتدفع تمن أنانيتها وطمعها بعد ما خسرت أختها وسندها وسُمعتها قدام الكل.

ومرت الأيام والشهور..

مروة بدأت تتنفس من جديد، رجعت لروحها ولحياتها، نزلت شغلت وقتها وطوّرت من نفسها، وبقت كل يوم بتحمد ربنا إن الابتلاء ده كشف لها معادن الناس اللي حواليها ونقّى حياتها من الخيانة والتزييف. عرفت إن السعادة مش في وجود راجل والسلام، لكن في وجود راجل يصون، وأن ربنا لما بياخد حاجة بيعوض بالأحسن والأبقى.

أما مؤمن، ففضل عايش في شقته زي الغريب، ندمان على كل لحظة فرط فيها في الزوجة الصالحة عشان سراب وخديعة، يتمنى الزمن يرجع بيه عشان يمسح اليوم اللي سمح فيه للأفعى تدخل بيته.. بس الزمن مابيرجعش، والدروس القاسية هي اللي بتعلم البني آدم قيم الأشياء بعد ما تضيع من إيده.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *