بعد ما خلصت إجراءات الطلاق2

ياسمين ركبت مع أبوها في عربية الإسعاف، ماسكة إيده اللي كانت باردة زي التلج.

قلبها كان بيدق أسرع من سرينة الإسعاف نفسها.

في المستشفى، بعد دقايق طويلة من الرعب، الدكتور خرج وطمنها إنها ذبحة صدرية خفيفة نتيجة الضغط العصبي المفاجئ، وإنه أخد الأدوية اللازمة بس محتاج راحة تامة في العناية المركزة تحت الملاحظة.

ياسمين سابت «عم جابر» —رئيس أمن الشركة القديم واللي أبوها بيثق فيه ثقة عمياء— واقف قدام باب العناية.

وقالت له بصرامة:

—محدش يدخل له، حتى لو أنا يا عم جابر، لحد ما أرجع.

بصت في ساعتها. الساعة كانت 3 الفجر.

فتحت الموبايل وبصت على الرسالة المجهولة اللي جاتلها.

اللوكيشن كان بيشاور على عمارة قديمة في منطقة وسط البلد.

⸻

ساقت عربيتها في شوارع القاهرة الفاضية، دماغها بتغلي.

وصلت للعمارة. من العمارات الكلاسيكية اللي مكاتبها بتتقفل بعد الضهر ومبيفضلش فيها غير بوابين نايمين.

طلعت الدور الرابع على السلم لأن الأسانسير كان عطلان.

في نهاية الطرقة الضلمة، كان فيه باب خشب قديم موارب وبيسرب نور خفيف.

زقت الباب بحذر.

لقيت «داليا رياض» —المحاسبة الجنائية اللي استأجرتها عشان تكشف السرقة— واقفة بتلم ورق وملفات في كراتين بسرعة وهي مرعوبة، وشكلها كأنها بتهرب.

ياسمين دخلت بصدمة:

—داليا؟ إنتِ اللي بعتيلي الرسالة؟ إيه اللي جابك هنا؟ وإيه مشروع تسوية توفيق ده؟

داليا بصت لياسمين بخوف وراحت قفلت الباب بالمفتاح بسرعة:

—لما طردتي الـ27 موظف النهاردة، أنا دخلت على السيرفرات القديمة من حسابي كـ«أدمن» عشان أتأكد إنهم ممسحوش حاجة من أثار السرقة. بس وأنا براجع، لقيت فولدر مخفي متشفر جوه حساب مروان. فكيته… ولقيت الكارثة.

داليا طلعت ملف أصفر قديم من الكرتونة وحطيته قدام ياسمين على المكتب.

وبلعت ريقها وكملت:

—الفلوس اللي توفيق أبو شريف ضخها في شركة أبوكي سنة 2012 عشان ينقذها… ماكانتش فلوسه يا ياسمين.

ياسمين كشرت:

—أومال فلوس مين؟

—توفيق كان مجرد واجهة لكيان دولي بتاع غسيل أموال. الفلوس دي كانت قروض غير مشروعة جاية من بره مصر. العقود اللي شريف بيهددك بيها صحيحة، بس شريف نفسه ميعرفش إن الـ40% دي مرهونة للكيان ده. لكن سهير حماتك… عارفة.

ياسمين حطت إيدها على راسها وهي بتربط الخيوط ببعض، وحست إن الأوضة بتلف بيها:

—يعني الـ74 مليون اللي سهير وشريف سرقوهم على مدار 6 سنين…

داليا قاطعتها بصوت مهزوز:

—بالظبط! ماكانوش بيسرقوهم عشان يبنوا ثروة شخصية. دول كانوا بيسددوهم كـ«فوائد سنوية» للكيان ده من ورا ضهر أبوكي، عشان الكيان ما يطالبش بالـ40% من الشركة وتتفضح اللعبة! عيلة الدمنهوري مجرد وسطاء. والـ27 موظف اللي طردتيهم دول ماكانوش قرايب وبس… دول كانوا شبكة مراقبة عشان يتأكدوا إن الفلوس بتتحول في ميعادها لشركة «النيل للخدمات اللوجستية» اللي هي مجرد غطاء للكيان ده.

داليا قفلت الشنطة ولبست البالطو بتاعها بسرعة.

—أنا حجزت تذكرة طيران لألمانيا والطيارة بعد 3 ساعات. ياسمين، لو شريف نفذ تهديده الصبح وفرض حراسة على الشركة واستحوذ عليها، الكيان ده هيدخل مصر رسمي من خلال شركتكم. وأبوكي هيبقى المتهم الأول في قضية غسيل أموال وتسهيل دخول أموال مشبوهة، لأن إمضاءه على العقود الأصلية!

ياسمين اتجمدت مكانها.

شريف وسهير مكانوش بيسرقوها… دول كانوا بيلبسوها هي وأبوها تهمة ممكن توصل للمؤبد.

داليا شورت على الملف الأصفر اللي على المكتب:

—ده الدليل الوحيد اللي يثبت إن أبوكي كان حسن النية ومايعرفش مصدر الفلوس. دي المراسلات السرية اللي تثبت إن توفيق زور أوراق مصدر الأموال وقدمها لأبوكي على إنها مدخراته. حافظي على الملف ده بحياتك. أنا ماشية… إنتِ لوحدك دلوقتي.

⸻

داليا خرجت وسابت ياسمين لوحدها في المكتب الضلمة.

ياسمين مسكت الملف الأصفر وضمته على صدرها.

دلوقتي فهمت ليه سهير كانت مرعوبة لما هددتها بفتح الدفاتر. الموضوع مابقاش سرقة عائلية، دي مافيا.

لازم تسبق شريف.

لازم تروح مكتب النائب العام أول ما النهار يطلع، قبل ما محامين شريف يوصلوا للمحكمة الاقتصادية ويطلبوا فرض الحراسة.

نزلت تجري على السلالم، وخرجت للشارع الضلمة.

فتحت عربيتها وركبت، وحطت الملف جنبها، ودورت الموتور.

لكن قبل ما ترفع رجلها من على الفرامل… باب العربية اللي جنبها اتفتح فجأة.

راجل ضخم لابس جاكيت أسود قعد على الكرسي اللي جنبها وقفل الباب، وفي ثانية كان حاطط مسدس كاتم للصوت على جنبها.

ياسمين شهقت وكانت هتصرخ، لكن قبل ما تفتح بوقها، حست بحركة في الكرسي اللي وراها.

سمعت صوت ناعم، هادي، وفيه فحيح زي التعبان… صوت سهير.

—تؤ تؤ يا ياسمين… إنتِ فاكرة إن طرد 27 موظف هيعدي بالساهل كده؟

سهير مدت إيدها من ورا وخدت الملف الأصفر من على الكرسي، وابتسمت في المراية بتاعة الصالون.

—اطلعي بينا بقى على المستشفى عند الحاج محمود… عشان نمضي ورق التنازل عن الشركة بهدوء، ومن غير ما أجهزة الإعاشة بتاعته تفصل فجأة.

ياسمين حسّت إن الدم هرب من عروقها بالكامل. البرودة اللي سكنت أطرافها كانت أقوى من برودة تكييف العربية. بصت لسهير في المراية، الست اللي كانت دايماً بتمثل دور الراقية والأم الحنينة، ملامحها في الضلمة كانت مرعبة، خالية من أي إنسانية.

الراجل اللي جنبها ضغط بوز المسدس أكتر في جنبها، وقرّب وشه منها وقال بنبرة خفيضة:

—دوري العربية، واطلعي زي ما الهانم قالت لك. أي حركة غدر، مش هتلاحقي تشوفي أبوكي صاحي.

ياسمين دورت العربية بـ إيدين بترتعش. ساقوا في شوارع وسط البلد الفاضية باتجاه المستشفى. كل إشارة حمراء كانت بتعدي عليها، كانت بتدعي في سرها إن أمين شرطة يوقفهم، أو يحصل أي حادثة تعطلهم، لكن الشوارع كانت مهجورة كأنها بتعاندها.

طول الطريق، سهير كانت بتقلب في الملف الأصفر بولاعة صغيرة في إيدها، وكأنها بتقول لها إن دليل براءتها ممكن يتحول لرماد في ثانية.

سهير قالت بنبرة باردة:

—عارفة يا ياسمين؟ غباءك هو اللي وصلك لهنا. لو كنتِ قعدتي في بيتك وغمضتِ عينك عن الكام مليون اللي كنا بناخدهم، كان زمانك لسه هانم، وأبوكي لسه بيمارس دور رجل الأعمال الكبير. لكن إنتِ صممتِ تفتشي ورا مروان وكريم… صممتِ تلعبي مع كبار.

ياسمين بلعت ريقها، وحاولت تستجمع شجاعتها وقالت بصوت مهزوز بس ثابت:

—شريف عارف باللي إنتِ بتعمليه ده؟ عارف إنك مهددة حياته وحياتنا مع المافيا دي؟

سهير ضحكت ضحكة مكتومة:

—شريف ابني طيب، وفاكر إن الموضوع مجرد ورث وعقود قديمة وحق أبوه. أنا مخلية وشه نظيف قدام المحاكم عشان لما يستلم الشركة يبقى الكيان مطمن له. شريف بيمضي اللي بقوله عليه وهو مغمض… زي ما كان بيمضي معاكي بالظبط.

## في ساحة المستشفى – الرابعة صباحًا

وصلوا المستشفى. الراجل اللي معاهم نزل الأول وهو مخبي المسدس تحت الجاكيت، ومسك ياسمين من دراعها بقوة كأنهم زوجين، وسهير كانت ماشية وراهم بخطوات واثقة والملف الأصفر جوه شنطتها الكبيرة.

طلعوا الدور اللي فيه العناية المركزة. الممرات كانت هادية تماماً، ومفيش غير ممرضة واحدة قاعدة ورا مكتب الاستقبال ونايمة على مكتبها.

أول ما وصلوا قدام باب الأوضة، ياسمين شافت «عم جابر» رئيس الأمن. كان قاعد على الكرسي، بس راسه كانت مقلوبة لورا وعينه مقفولة. ياسمين اتفزعت واكتشفت إنه مش نايم، ده مغمى عليه أو مِتخدر.

سهير شاورت للراجل الضخم، ففتح الباب بهدوء ودخلوا كلهم الأوضة.

الحاج محمود كان نايم على السرير، الأجهزة متوصلة بجسمه، وصوت مؤشر نبضات القلب بيطلع نغمات منتظمة ورتيبة جوه الأوضة.

سهير طلعت من شنطتها دفتر عقود جديد، لسه حبره ناشف، وحطته على الترابيزة اللي جنب السرير، وطلعت قلم فاخر وقالت لياسمين:

—ده تنازل نهائي وخالص من أبوكي ومنك عن الـ60% الباقية من أسهم المجموعة لصالح شريف الدمنهوري، مقابل تسوية ودية وإبراء ذمة مالية شامل.

ياسمين بصت لأبوها النايم، ودموعها نزلت:

—أبويا تعبان، مش هيقدر يوقع ولا يفهم إنتِ بتكتبي إيه!

سهير ابتسمت وقربت من جهاز التنفس الصناعي:

—لو ما وقعتوش إنتوا الاتنين دلوقتي.. أنا هفصل الفيشة دي. والدكاترة هيقولوا سكتة قلبية ناتجة عن الذبحة اللي جتله بالليل.. ومحدش هيشك في حاجة. وساعتها شريف هياخد الشركة برضه بقوة القانون والعقود القديمة اللي معانا.. بس أبوكي هيكون تحت التراب. اختاري يا ياسمين.. الشركة ولا حياة محمود المنشاوي؟

الراجل الضخم مسك إيد الحاج محمود النايم، وبدأ يرفعه عشان يخليه يمسك القلم، وفي الإيد التانية كان مجهز بصامة حبر.

ياسمين صرخت بصوت مكتوم:

—خلاص! سيبوه وأنا هبصمه وأوقع مكاننا إحنا الاتنين! أنا معايا تفويض رسمي بإدارة حصته!

سهير عنيها لمعت بالانتصار:

—وقعي إنتِ الأول بصفتك شريكة ومديرة تنفيذية.

ياسمين مسكت القلم، وإيدها بتترعش بشكل هيستيري. حطت السن على ورقة التنازل.. شافت اسم أبوها، واسم الشركة اللي اتبنت من مخزن صغير في شبرا الخيمة بعرق وشقى سنين.

كانت خلاص هتوقع وتنهي كل حاجة..

لكن فجأة، صوت حركة سريعة حصلت وراهم عند الباب.

الباب اتفتح بعنف، ودخل شخص مكانش يخطر على بال سهير ولا ياسمين إنه يظهر في المكان ده وفى التوقيت ده بالذات.

الشخص ده كان ماسك موبايله وهو بيسجل فيديو لايف، وبص لسهير وقال بنبرة مليانة غضب وصدمة:

—أمي؟ إنتِ بتعملي إيه هنا؟! ودفتـر إيه ده اللي بيمضوا عليه؟!

الكلمة فضلت معلقة في الهوا، وصوت شريف —اللي كان المفروض قاعد في بيته مطمن— ضرب في الجدران. سهير اتجمدت في مكانها، والقلم وقع من إيد ياسمين على الأرض.

شريف قرب خطوتين، عينيه طايرة بين أمه، وبين المسدس اللي في إيد الراجل الضخم، وبين أبوه النايم على سرير المرض. صوته كان بيكسر:

—إنتِ بتعملي إيه يا أمي؟ تنازل إيه؟! إنتِ قولتي لي إننا هنسترد حقنا بالقانون والمحامين! قولتي لي إن مفيش أذية!

سهير وشها انقلب للون الأصفر، ونبرتها اترجت ابنها وهي بتقرب منه:

—شريف! افهم يا ابني، الناس دي ماكانتش ناوية تدينا حقنا بالحسنى. دول سرقونا! والمحاكم هتاخد سنين…

—تسرقونا؟ —شريف قاطعها وصوته بترعش من الصدمة والغضب— أنا كنت فاكر إننا بنطالب بحق أبويا وبس! لكن… لكن تهدلهم بالقتل وفصل الأجهزة؟! إنتِ جننتي يا أمي؟!

قبل ما سهير تلحق ترد، الراجل الضخم اللي كان ماسك المسدس، وبإشارة سريعة من سهير، وجه سلاحه ناحية شريف وقال بصوت حاد:

—ابعد عن الطريق يا باشمهندس، الهانم عارفة هي بتعمل إيه.

شريف بص للراجل بذهول، وبعدين بص لأمه:

—إنتِ مجيبة معاكي بلطجية يهددوني أنا كمان؟!

—ابعد يا شريف! —صرخت سهير وهي بتحاول تجذب ابنها بعيد عن الباب.

بس في اللحظة دي، حصل اللي محدش كان متوقعه.

باب العناية المركزة اتهد واتفتح على مصراعيه. «عم جابر» رئيس الأمن، اللي كان مرمي بره كأنه مغمى عليه، نط جوه الأوضة ومعاه أربعة من رجال الأمن القدامى بتوع الشركة، وفي إيد جابر عصا غليظة. في ثانية واحدة، كان عم جابر هجم على الراجل الضخم ونزل فيه ضرب لحد ما المسدس طار من إيده وخبط في الحيطة، وباقي الحرس سيطروا على الموقف وربطوا حركه البلطجي.

(ياسمين بصت لعم جابر بدهشة، وهو غمز لها بعينه وقال: “يا بنتي أنا أخدت ضربة على قفاي تدوخ حصان، بس رجعت فوقت وعملت تليفون صغير لرجالة المخازن الأقوياء قبل ما أدخل”).

سهير لقيت نفسها لوحدها، محاصرة، والملف اللي في شنطتها وقع على الأرض واتفتحت أوراقه.

شريف وقف قدام ياسمين، وبص لأبوه النايم، وبعدين بص لياسمين ونزل بعنيه في الأرض بكسرة نفس:

—أنا آسف يا ياسمين… والله العظيم ما كنت أعرف إنها وصلت لكده. أنا كنت أعمى.

ياسمين بصتله نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر، وقالت بصوت هادئ وثابت:

—كل واحد بيشيل شيلة عمايله يا شريف. المحاكم هتقول كلمتها في كل حاجة… السرقة، التهديد، والكيان اللي أمك كانت بتستتر وراه.

بعد أقل من ساعة، كانت عربية الشرطة واقفة قدام المستشفى. سهير خرجت وهي متلبسة، راسها في الأرض، والكلابشات في إيديها، ومروان وباقي الشبكة اتقبض عليهم في نفس التوقيت من بيوتهم.

## بعد ستة أشهر

الشمس كانت طالعة منورة على واجهة “مجموعة المنشاوي للحديد والصلب”.

الحاج محمود رجع لمكتبه، صحته أحسن بكتير، وقاعد على كرسيه، بيبص من الشباك على عمال الشركة وهما شغالين بجد وهمة.

ياسمين دخلت المكتب ومعاها كوباية القهوة مظبوطة زي ما بيحب، وحطتها قدامه.

الحاج محمود بص لبنته وابتسم بحنان:

—الشركة رجعت أقوى من الاول يا ياسمين.. والأسهم اللي حاولوا يسرقوها رجعت في خزنتنا بحكم المحكمة، والكيان ده كله اتقبض على رؤوسه برا مصر وجواها.

ياسمين قعدت على الكرسي اللي قدامه، وفتحت التابلت بتاعها تراجع الشغل، وقالت بابتسامة واثقة:

—الشركة دي يا بابا اتأسست في مخزن صغير في شبرا الخيمة.. واللي يبني حاجة بعرقه وشقاه، مستحيل حد يقدر يهدها.. مهما كان مين.

محمود مد إيده وطبطب على إيد بنته، وقال:

—إنتِ بقيتي أحسن رجل أعمال في مصر يا ياسمين.. مش بس في عيلة المنشاوي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *