زهره الربيع كامله3
الشيخ عبد السلام رجع لورا خطوتين وهو بيبلع ريقه بصعوبة، وشه بقى أصفر زي الليمونة، وبدأ يفرك في إيديه بارتباك وهو بيبص يمين وشمال كأنه خايف حد من الجيران يسمعنا. بص لمصطفى ولرنا، ورجع بصلي وقال بنبرة فيها رجاء ومسكنة: “يا بنتي استهدي بالله.. تزوير إيه وجناية إيه؟ أنا راجل على باب الله وبحمي بيوت الناس.. محمود قالي إنها ظروف عائلية، وإن مراته الأولى موافقة بس مش عايزة شوشرة قدام أهل العروسة لحد ما الأمور تصفى بين العيلتين، وأنا مشيت الإجراءات رسمي والله.. رسمي في المحكمة!”.
قربت منه خطوة كمان وصوتي كان حاد زي الموس: “رسمي؟! رسمي لما تخبي عن أبويا وعن شهود العقد إن العريس متجوز ومخلف؟ لما تتواطأ معاه في السر وتتوشوشوا علشان تخدعوني؟ لو كان رسمي وصح يا فضيلة الشيخ، مكنتش اتخضيت أول ما شفتني على بابك ليلة دخلتي بفستاني! الدفتر يا شيخ عبد السلام.. تطلعلي صورة رسمية من قسيمة جوازه الأولى، أو تدينا شهادة بخط إيدك وعليها ختمك تثبت التلاعب اللي حصل، وإلا قسماً بالله مصطفى واقف بره ومرتب مع محامي هينزل بينا على النيابة فوراً!”.
الشيخ عبد السلام رفع إيديه بالاستسلام وقال بصوت واطي: “خلاص.. خلاص يا بنتي، بلاش فضايح واستروا عليا الله يستركم، أنا عندي بنات في سنك ومش حمل قضايا ومحاكم.. ادخلوا، ادخلوا جوة الصالون ومحدش يقف على الباب”.
دخلنا الصالون الصغير، والشيخ عبد السلام دخل أوضة مكتبه وغاب حوالي عشر دقايق، رجع فيهم وهو ماسك دفتر كبير وورقة مطبوعة. حط الورقة قدامي على التربيزة وقال وعينيه في الأرض: “دي صورة من وثيقة جوازه الأولى من منار عبد الحميد، وتاريخها من سبع سنين، ودي قسيمة جوازك أنتي.. أنا هكتبلك إقرار دلوقتي حالا بخط إيدي إني أثبت فيه إن الزوج أخفى بيانات جوابه الأول وتلاعب في إشهار الزواج، وده كفيل يخليكي ترفعي قض*ية فسخ عقد أو طلاق للضرر وتاخدي كل حقوقك تالت ومتلت.. بس ابوس إيدكم بلاش النيابة”.
مسكت الورقة الأولى، عيني جت على اسم “منار عبد الحميد” اللي محمود فهمني إنها أخته الصغيرة! الدم فار في عروقي وأنا بشوف إثبات كدبه الأسود قدام عيني. مصطفى أخد الإقرار اللي كتبه المأذون وختمه، وبصلي وقال بثقة: “كده تمام يا فنانة.. الدليل المادي بقا في إيدنا، والورق ده يكسر عين أجدعها راجل ويثبت حقك قدام عيلتك والبلد كلها”.
شكرنا المأذون وخرجنا بسرعة قبل ما النهار يوضح أكتر والناس تصحى. أول ما ركبنا العربية، رنا سألتني بلهفة: “هنعمل إيه دلوقتي؟ هنروح لأبوكي؟”.
بصيت للورق اللي في إيدي وقولت بابتسامة مريرة: “لا.. لسه خطوة واحدة. محمود هددني بأخواتي البنات وبشرفي، وقالي إن محدش هيصدقني والناس هتقول إني هربت لسبب يمس سمعتي. لو رحت لأبويا دلوقتي، محمود ممكن ينكر ويقول الورق ده مزور ويدخلنا في مهاترات.. إحنا هنروح على شقة الزوجية!”.
رنا صرخت: “أنتي اتجننتي يا عروسة؟! ترجعي له تاني بعد ما هربتي؟!”.
قولت لها وعيني مثبتة على الطريق: “هرجع له وأنا معايا القوة اللي تخليه يركع تحت رجلي. أهله وأمه ومنار هتلاقيهم عنده دلوقتي مستنيين الصبح يظهر علشان يبدأوا ينشروا إشاعتهم القذرة عني في البلد. أنا هروح أواجههم كلهم وسط شقتهم، وبدل ما أكون أنا المتهمة اللي هربت.. هخليهم هم اللي يخرجوا من الشقة دي وفضيتهم بجلاجل!”.
مصطفى دور العربية واتحركنا بأقصى سرعة ناحية العمارة. وصلنا تحت البيت، الجو كان بدأ ينور. نزلت من العربية بكل ثبات، ومصطفى ورنا ورايا. طلعت السلم خطوة بخطوة، وقلبي مكنش فيه نقطة خوف واحدة.. الخوف مات في المنور.
وقفت قدام باب الشقة، وبإيد جامدة خبطت خبطات قوية ورا بعض. ثواني والباب اتفتح، وظهر محمود بوشه الشاحن وعينيه الحمرا من قلة النوم والغل، وأول ما شافني واقفت قدامه بكل طول وشموخ، ملامحه اتلخبطت وابتسمت ابتسامة صفرا وقال: “نورتي يا عروسة.. عرفتي إن مالكيش غير حضن جوزك؟ دخلتي بعقلك في الآخر!”.
وقبل ما يكمل كلمته، زقيته بكل قوتي من صدره ودخلت الصالة، ولقيت حماتي ومنار قاعدين جوة وباصين لي بذهول كامل. وقفت في نص الصالة، ورفعت الورق في وشهم وقولت بصوت زلزل الحيطان: “أنا رجعت يا محمود.. بس مش عشان أدخل أوضتك، أنا رجعت عشان أطردك أنت وأهلك من هنا بالفضائح!”.
الذهول شلّ حركة الكل في الصالة. محمود خطف عينه للورق اللي في إيدي، وملامحه اتغيرت مية وثمانين درجة؛ الابتسامة الصفرا اختفت تماماً وحل مكانها رعب حقيقي لما لمح ختم المأذون والنسخة الرسمية من قسيمة جوازه الأولى.
حماتي وقفت بسرعة وهي بتعدل طرحتها وقالت بنبرة حادة: “جرى إيه يا بت أنتي؟ أنتي داخلة تزعقي وتزقي ابننا في بيته؟ وإيه الورق اللي بتلوحي بيه ده؟”.
أما منار، فقامت ووقفت جنبه وهي بتبصلي ببرود وغيظ، وقالت: “سيبك منها يا أماه.. دي شكلها جاية تعمل نمرة علشان تداري على هربتها من الشباك زي الحرامية ليلة مبارح.. تلاقيها راحت لأهلها وأبوها طردها وجات تجر شكلنا”.
ضحكت بصوت عالي، ضحكة مليانة سخرية ووجع هزت أركان المكان، وقولت وأنا بوجه كلامي لمنار: “أبويا مطردنيش يا ست منار.. أبويا لسه ميعرفش حاجة، وميعرفش كمان إن بنته اتجوزت راجل نصاب ومزور، وإن أخته المفترضة تطلع مراته الأولى وأم بناته! الورق ده من دفتر الشيخ عبد السلام المأذون، وعليه إقرار بخط إيده وبختمه يثبت إن جوزك المحترم دخل بيوت الناس بالخديعة والتزوير ولعب في إشهار الجواز علشان يخبي وساخته!”.
محمود وشه بقى زي الج*ثة، وقرب مني بخطوات مهزوزة وهو بيحاول يوطي صوته وقال: “شهد.. استهدي بالله.. الورق ده ملوش لازمة، وإحنا ممكن نقعد ونحل الموضوع ودي.. أنتي عايزة إيه؟ شقة لوحدك؟ هكتبلك الشقة دي باسمك، بس بلاش فضايح وبلاش تدخلي المحاكم والنيابات بينا”.
بصيت له بقرف وقولت: “دلوقتي بقيت خايف من الفضايح والمحاكم؟ مش أنت اللي كنت من كام ساعة بتتنطط وبتهددني في شرفي وبتقولي محدش هيصدقك والكلام هيطول أخواتك البنات؟ أنا بقا معايا اللي يخلي البلد كلها تبص لك في الأرض ويبصوا لأهلك بقرف.. التزوير في قسيمة الجواز والخديعة دي جناية يا محمود، يعني عمامتك وعمامة المأذون اللي ساعدك هتطير، ومستقبلك كله هيضيع في السجون!”.
حماتي أول ما سمعت سيرة السجن والنيابة، صوته هدي تماماً والغل اللي في عينيها اتحول لخوف، وقربت مني وهي بتقول بلهفة: “يا بنتي حقك علينا.. محمود غلطان، وإحنا غلطانين إننا طاوعناه وجينا معاها ليلة الفرح عشان نكشف الحقيقة بعد ما العقد اتكتب.. بس والنبي بلاش خراب بيوت، محمود عنده تلت بنات وعايز يربيهم، بلاش تؤذيه في أكل عيشه وسيرته”.
“وهو مفكرش فيا ليه وفأهلي؟!” صرخت فيهم والدموع نزلت من عيني غصب عني من كتر القهر، “مفكرش في بنات الناس اللي بيخادعهم؟ جاي يتجوزني عشان يجيب الولد ويدوس عليا وعلى كرامتي كأني خيل بيغير عتبته؟! اسمعوا بقى.. إحنا مش هنقعد ونحل حاجة ودي”.
التفتت لمصطفى اللي كان واقف ورايا وسد باب الشقة بجسمه، وقولتله: “اتصل بأبويا يا مصطفى.. قوله يجمع أعمامي وإخواتي ويجوا هنا حالا على شقة بنته.. وخلي المحامي يجهز بلاغ النيابة”.
محمود جري على مصطفى يحاول يمنعه وهو بيترجاه، ومنار بدأت تعيط وتلطم على خدودها وهي شايفة خطتهم بتتهد فوق دماغهم، وحماتي رميت نفسها على الكنبة وهي بتدعي وتتحسبن.
بصيت لـ محمود وقولت بجمود: “أنا مش هسيب حقي، وأبويا وعيلتي هيجوا يشوفوا المهزلة دي بنفسهم، والبلد كلها هتعرف الحقيقة بالدليل الحقيقي.. جهز نفسك يا محمود، عشان الدخلة اللي كنت مستنيها، هتبقى دخلتك لسجن النسا والرجال سوا!”.
انفتح باب الشقة على وسعه، ودخل أبويا وعمامي وإخواتي الصبيان.. ملامحهم كانت ميكس بين الذهول والغضب الأعمى بعد ما مصطفى حكى لهم في السكة لمحات من اللي حصل.
أول ما أبويا شافني واقفة بعبايتي السودا وفي إيدي الورق، وشاف محمود وأهله منكمشين في الصالة، قرب مني وعيونه بتطق شرار وقال: “فيه إيه يا شهد؟ إيه الكلام اللي مصطفى قالهولنا ده؟”.
مديت إيدي بالورق لأبويا وقولت بصوت ثابت زلزل الصالة: “الكلام صح يا با.. الراجل اللي أمّنته على بنتك وفتحت له بيتك، طلع متجوز ومخلف تلت بنات من الست اللي واقفة هناك دي، واللي قالي يوم فرحي إنها أخته الصغيرة! وكمان اتفق مع المأذون يزور في قسيمة الجواز ويخبي بياناته عشان يوقعنا في المصيدة ولوي دراعي ليلة الدخلة!”.
أبويا مسك الورق، وعينيه بقت تتحرك بين السطور.. وفجأة، شفت عروق وش رقبته برزت، والدموع جرت في عينيه من كتر القهر والصدمة. التفت لمحمود وزأر فيه بصوت زي الرعد: “بقى أنت تعمل في بنتي أنا كده يا ناقص؟! بتغفلنا وتدخل بيوتنا بالكدب والتزوير؟!”.
في ثانية واحدة، إخواتي الصبيان وعمامي هجموا على محمود.. الصالة اتحولت لساحة معركة، ومحمود بقى يصرخ ويستنجد وأمه ومنار بيصوتوا ويلطموا ويدعوا. أبويا وقف في النص وحجز إخواتي عنه بالعافية وهو بيقول: “سيبوه! دمه مش أغلى من شرفنا ومستقبل بناتنا.. القانون والبلد هما اللي هيحاسبوه، والوسخ ده مش هيلوث إيدينا!”.
التفت أبويا لمحمود اللي كان واقع في الأرض، هدومه متبهدلة ووشه مليان كدمات وخوف، وقاله: “قسيمة الجواز دي باطلة، وبنتي هتاخد طلاقها للضرر بالجزمه، وكل مليم اتصرف، وكل حق ليها من مؤخر وشبكة وقايمة هتاخده تالت ومتلت.. ويا إما تمضي على كل حاجتها وحقوقها دلوقتي حالا، يا إما البلاغ ده هيتقدم للنيابة وندفنك في السجن بتهمة التزوير الجنائي!”.
محمود، وهو بيبكي من الخوف والوجع، بص لأمه ومنار اللي كانوا مرعوبين، وهز راسه بالموافقة وهو مش قادر ينطق. مصطفى كان جاهز بورق وقايمة وتنازلات، وخلى محمود يمضي ويبصم على كل حقوقي وهو راكع في الأرض، وسط حسرة أمه ومنار اللي جم يكسروني، فخرجوا هما وابنهم مكسورين ومفضوحين.
بعد ما ومضى على كل حاجة، بصيت له ولأهله وقولت بكل شموخ: “امشوا برة.. الشقة دي مقفولة بحق المحكمة لحد ما حاجتي تخرج منها، وأنتو ملكمش مكان وسط محترمين”. خرجوا يجروا ذيول الخيبة والفضيحة وراهم، والبلد كلها كانت واقفة على السلالم وفي الشوارع بتتفرج عليهم بعد ما الحقيقة اتعرفت.
أبويا قرب مني، وأخدني في حضنه وبكى.. وقال: “سامحيني يا بنتي، أنا اللي مكنتش واخد بالي”.
مسحت دموعه وقولت: “بالعكس يا با.. أنت رفعت راسي، وأنا هربت من الشباك عشان أصون شرفك وشرف إخواتي البنات.. والنهاردة، أنا رجعت حقي وحقكم، والبلد كلها عرفت إن بنتك بمية راجل”.
قلعت العباية السودا لما رجعت بيت أبويا، وحسيت إن الهم انزاح من على صدري. التجربة كانت قاسية، والوجع كان كبير.. بس الدرس كان أعظم. عرفت إن الأمان مش في راجل بنجري وراه، الأمان في كرامتنا وقوتنا ووقفتنا في وش الظلم.. وخرجت من الحكاية دي وأنا مش شهد الضعيفة اللي كان ممكن تتكسر.. أنا شهد اللي دفت الندالة في ليلة فرحها، وبدأت حياتها من جديد، أقوى وأجمل وأحر من أي وقت فات.