صعيدي من أكسفورد حصري ل مايا خالد4
الرابع الاخير
صعيدي من أكسفورد حكايات مايا خالد
في المحروسة… روتين بارد وقلب معلق
عادت نور إلى القاهرة، لكن القاهرة لم تعد كما كانت في عينيها. شوارع وسط البلد المزدحمة، صوت آلات التنبيه، جدران مكتبها في الجريدة التي كانت تعشق رائحة الحبر فيها… كل شيء بدا باهتًا، خاليًا من تلك الهيبة والعمق اللذين عاشتهما في ليالي الصعيد.
مرت خمسة أيام كاملة.
عادت نور إلى روتينها اليومي كصحفية شهيرة بعد أن نُشر تحقيقها الذي هز الرأي العام وأطاح برأس سليم زهران خلف القضبان. كانت تجلس وراء مكتبها، تمسك بقلمها وتكتب، لكن عينيها كانت تزيغ رغماً عنها نحو شاشة هاتفها الموضوع بجانبها.
”لم يتصل… ولا حتى رسالة واحدة يطمئن فيها إن كنتُ قد وصلت.”
تحدثت إلى نفسها بمرارة وجرح كبريائها ينزف في صمت. لقد ظنت للحظة أنه أحس بشيء تجاهها، وأن نظراته الكحلية الدافئة خلف دخان البارود كانت حقيقية. لكنها الآن تفهم… لقد كانت مجرد قض*ية، ضيفة دخلت عرينه وحمايتها فرضتها عليه شيم الرجال الصعايدة، وبمجرد أن انتهى الخطر، أُغلقت الصفحة وعاد الصقر إلى جباله، وتركها هي هنا تواجه طيفه الذي لا يغادر مخيلتها.
قطع حبل أفكارها رنين هاتف المكتب الداخلي، ليرد عليها صوت والدها، الحاج عاصم، بنبرة ملؤها الرجاء والهدوء:
“نور يا بنتي… جهزي نفسك بكرة بالليل، فيه ضيوف جايين يقابلونا، مهندس محترم ومن عيلة طيبة، وأنا عطيته ميعاد عشان يجي يشوفك وتتعرفوا.”
تنهدت نور بتعب، وكان ردها التلقائي الرفض كما تفعل دائماً، لكنها تذكرت صمت يونس، وتجاهله لها طوال هذه الأيام، وكبرياءها الغجري صرخ بداخلها أن تتوقف عن انتظار سراب لرجل رأى أن دورها انتهى بمجرد وصولها لبلدها.
أغمضت عينيها وقالت بنبرة جامدة:
“ماشي يا بابا… اللي تشوفه. أنا موافقة أقعد معاه بكرة.”
في الصعيد… كبرياء الصقر ونار الشوق
في قصر الهوارية، كانت الشمس تميل نحو الغروب، لتصبغ النخيل والجدران العتيقة بلون الذهب المطفأ. يونس كان يقف في شرفة مكتبه الواسعة، مرتدياً جلبابه الرمادي الفخم، ممسكاً بسبحته الكهرمانية التي تداعبها أصابعه بقوة وعصبية لم يعتدها رجاله فيه.
تنهد بعمق، ومرر يده على كتفه المصاب الذي بدأ يتماثل للشفاء. فجأة، قفزت صورتها أمام عينيه… لمعة عينيها العنيدة وهي تركع أمامه لتطهر جرحه، وصوت أنفاسها المتوترة التي كانت تلف وجهه في عتمة الليل.
نفض يونس رأسه بعنف، وضغط على حبات سبحته وهو يهمس لنفسه بحدة وغضب صعيدي مكتوم:
“جرا لك إيه يا ولد الهواري؟ عاد واجف تفكر في بنت البندر وتتنهد كيف المراهقين؟ دي بنت بنديرية، كانت واجفة تتأفف وتستعر من الصعايدة وتقول علينا بنضرب بالكرابيج! تلاقيها الحين نسيتك وراحت لحياتها وناسها… أنت يادوب مشتاق لوشها الصبياني وعنادها الغجري، مش أكتر واصل.”
حاول إقناع نفسه بأنها مجرد نزوة عابرة فرضها ظرف الخطر، لكن دقات قلبه التي كانت تثور مع كل ذكرى لها كانت تفضح كذبه على نفسه.
قطع خلوته رنين هاتفه المشفر. نظر إلى الرقم الذي يظهر على الشاشة، ليرد على المكالمة الغامضة التي لم تتجاوز الكلمات المعدودة والمبهمة.
أصغى يونس للطرف الآخر بتركيز شديد، وبدت ملامحه غامضة ولا تكشف شيئاً مما يدور في عقله، سوى أن عروق يده برزت بقوة وهو يضغط على الهاتف.
أغلق الخط دون مقدمات، ونظر من الشرفة بشرود عميق، ثم نادى بصوت جهوري رجولي تردد في أنحاء القصر:
“همام! جهز العربية الكبيرة الحين… أنا هوصل المحروسة على الفجر.”
في عصر اليوم التالي، وقبل ساعات قليلة من موعد وصول العريس المرتقب، كانت نور تشعر باختناق شديد. قررت النزول لشراء بعض الأشياء والمشي قليلاً على كورنيش النيل الهادئ بالزمالك، هرباً من حصار الأفكار وتجهيزات والدتها في البيت.
كان الجو يميل للبرودة، ونور تسير بشرود على رصيف الشارع، ملتفة بوشاحها الصوفي.
وفجأة… توقفت سيارة سوداء ضخمة ذات زجاج فاميه معتم بجانب الرصيف مباشرة، وقطعت عليها طريقها.
انفتح الباب الخلفي للسيارة ببطء. وقبل أن تستوعب نور ما يحدث، ترجل منه رجل فارع الطول، يرتدي بدلة سوداء كلاسيكية فاخرة بدون كرافتة، يضع فوق كتفيه شالاً كشميرياً بلون البيج الدافئ يدمج بين هيبة البندر وعراقة الصعيد.
تسمرت نور مكانها، وحبس الهواء في صدرها. إنه هو… يونس الهواري بشحمه ولحمه، وعيونه الكحلية التي تخترقها كالسرداب المظلم.
خطى يونس خطوات ثقيلة وثابتة نحوها، ووقف أمامها مباشرة، يفصل بينهما خطوة واحدة، محافظاً على مسافته لكن حضوره الطاغي كان كافياً لاختراق دفاعاتها بالكامل. ريحة العود الفخم المخلوطة بهيبة الصعيد حاصرتها في ثانية واحدة، لتمحو كل ضوضاء القاهرة من حولها.
نور بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت استجماع شتات كبريائها وعنادها، وقالت بصوت حاولت جعله بارداً ومستنكراً:
“يونس بيه؟ أنت… أنت إيه اللي جابك هنا؟ وبتراقبني ليه؟”
يونس لم تبتسم شفتاه هذه المرة، بل كان وجهه كلوح من الجرانيت الصعيدي الصارم. نظر في عينيها مباشرة، وبنبرة رجولية منخفضة ومرعبة في قوتها، همس قائلاً:
“سمعت إن عريس البندر جاي الليلة يخطب يا بت الناس… وسمعت إنك وافجتي عاد؟”
نور رفعت رأسها بتحدٍ وعناد غجري، وصوتها اهتز قليلاً لكنها تماسكت، وحاولت إخفاء فرحتها وصدمتها بظهوره:
“وإنت مالك؟ دي حياتي وأنا حرة فيها! أنت ملكش دعوة بيا… دورك معايا انتهى من يوم ما سبت قصرك ورجعت هنا ومسمعتش منك حتى مكالمة واحدة!”
يونس قرب خطوة كمان، لتلف أنفاسه الحارة وجهها البارد، وعيونه اشتعلت بغيرة مقموعة وجبروت عاشق صامت:
“دوري منتهش واصل يا نور… ولا هينقص. أنا جولتلك من جبل، الحرمة اللي تدخل دار يونس الهواري وتتحامى في جلبابه… تفضل طول عمرها في حمايته وتحت عينه. وملهاش راجل في الدنيا دي يطولها غيري أنا… واصلي عنادك كيف ما تحبي يا بنت عاصم، بس العريس اللي جاي الليلة ده… قسماً عظماً مش هيعتب باب بيتكم، لأن دارك ليها راجل حاجزها من يوم ما وقفت قصاده في الأسانسير ورفعت مناخيرها في السما.”
وقبل أن تستوعب نور الكلمات أو تجد ردًا يليق بكبريائها، تحرك يونس بسرعة وخفة لم تتوقعها من جسده الضخم. وبدون أن يلمس جسدها بشكل مباشر يخدش حياءها، فتح باب السيارة الخلفي بيده الواحدة، وبذراعه الأخرى المفرودة حاصر حركتها ليوجهها بصرامة وهيبة آمرة نحو المقعد الخلفي للسيارة، قائلاً بنبرة لا تقبل الجدال:
“اركبي يا بت الناس… بالذوق كدة ومن غير شوشرة في وسط البندر.”
نور وجدت نفسها تندفع لداخل السيارة بفعل هيبته الطاغية التي شلت لسانها، وفي ثانية واحدة كان يونس قد ركب بجانبها وأغلق الباب بقوة، ليزأر السائق بالمحرك وتنطلق السيارة بأقصى سرعتها وسط شوارع الزمالك.
نور التفتت إليه وعيونها تشتعل بالشرار والغضب، وصاحت بعنادها الغجري:
“أنت اتجننت يا يونس؟! أنت بتخطفني؟ نزلني حالااً! أنا مش جارية عندك عشان تتحكم فيا وتحدد مين يدخل بيتي ومين يخرج!”
يونس ظل على جموده، مربعاً كتافه العريضة وهو ينظر إليها ببرود مميت وثقة تزلزل الجبال:
“الخطف ده للغُرب يا بت الناس… إنما أنتِ طالما دخلتِ دار الهواري، تبجي في حمايتي ليوم الدين. وأنا الحماية عندي مفيهاش أنصاف حلول… ومفيش راجل غريب هيقعد قصادك الليلة.”
في هذه اللحظة المشتعلة، اهتز هاتف نور في يدها بعنف، وأضاءت الشاشة باسم والدها “الحاج عاصم”.
نور حاولت الرد بسرعة لتستنجد به، لكن يونس مد يده الكبيرة وبسرعة البرق سحب الهاتف من يدها قبل أن تفتح الخط، وضغط على زر الفتح ووضعه على أذنه هو، فيما كانت نور تحاول جذبه منه وهي تهمس بغضب مكتوم: “هات التليفون يا يونس!”
صوت الحاج عاصم جاء من السماعة حاداً ومتوتراً للغاية، والضوضاء خفيفة في الخلفية تدل على وصول الضيوف:
“نور! إنتي فين يا بنتي؟ الضيوف وعيلتهم وصلوا وقاعدين في الصالون بقالهم ربع ساعة! ده موقف بايخ جداً في حقي وحقك! ينفع كدة تسيبينا محرجين قدام الناس والكل بيسأل عليكي؟ اخلصي وتعالي حالاً!”
يونس أخذ نفساً عميقاً، وبنبرة صعيدية هادئة، رصينة، ومليئة بالوقار الذي ألجم والدها في ثوانٍ، قال:
“السلام عليكم يا حج عاصم… معاك يونس الهواري.”
ساد الصمت من طرف الحاج عاصم للحظات من هول المفاجأة، قبل أن يكمل يونس بقوة وحسم:
“بنتك في الأمان وتحت عيني… واعتذر عاد للناس اللي عندك وجولهم إن بنتك محجوزة لراجل صعيدي مبيفرطش في حقه واصل. والخميس الجاي عاد… رجالتنا هيدخلوا بيتك من بابه بالأصول.”
أغلق يونس الهاتف ببرود وهدوء، وسط ذهول نور وصدمتها التي عقدت لسانها.
حكايات مايا خالد
نور فضلت باصة ليونس بذهول وصدمة حقيقية، شفايفها كانت بتترعش وعيونها متسعة على الآخر ومش قادرة تستوعب الجرأة والجبروت اللي بيتكلم بيهم. وفي لحظة، اتحول ذهولها لبركان غضب صرخت فيه وهي بتحاول تشد تليفونها من إيده بقوة:
“أنت اتجننت رسمي! أنت بأي حق تكلم أبويا بالطريقة دي؟ وبأي حق تلغي وجودي وتقرر حياتي وتطرد ضيوف من بيتي بالبلطجة دي؟ نزلني! نزلني حالااً يا يونس!”
يونس متأثرش بصرخاتها ولا بمحاولاتها لشد التليفون، حط الموبايل في جيب جاكيت بدلته وبص قدامه ببرود جليدي، وقال بصوت واطي ومزلزل للسائق:
“لف وعاود يا همام… متمشيش في طريق السفر.”
نور بكت من كتر الغيظ والعجز، وبقت تضرب كف بكف وهي بتبصله:
“هتوديني فين؟ هتحبسني عندك؟ فاكر نفسك مين عشان تعمل فيا كدة؟!”
يونس لف راسه ليها ببطء، وعيونه الكحلية كانت ثابتة وصارمة، وقال بنبرة هادية بس تقطر حسم:
“أنا مش هسافر بيكي الصعيد غصب عنك يا بنت الناس.. يونس الهواري مياخدش حرمة لبيته بالدراع والوعورة. أنا هلف بيكي في المحروسة دي لحد ما دماغك الناشفة دي تلين، ولحد ما ميعاد عريسك ده يفوت والبيت يفضى، وبعدها هرجعك لبيت أبوكي معززة مكرمة.”
العربية فضلت تلف بيهم في شوارع القاهرة بلا هوادة. همام كان سايق بهدوء تلو التاني، بيقطع كوبري ورا كوبري، من كورنيش الزمالك لوسط البلد لشوارع المعادي الهادية.
طوال الساعتين دول، كانت العربية عبارة عن ساحة حرب صامتة. نور لفت وشها تماماً ناحية الشباك، دموعها نشفت على خدودها واتبدلت بنظرات عناد وغل وهي بتراقب أضواء القاهرة السارحة على النيل، وجواها صراع طاحن؛ مكسوفة من والدها والموقف البايخ اللي اتحطت فيه قدام الضيوف، وفي نفس الوقت فيه رعشة خوف دافية وصادقة في قلبها من الغيرة العمياء اللي شافت عيون يونس بتطق منها.
أما يونس، فكان قاعد زي الأسد في عرينه، مسند ضهره، وعيونه مش بتفارق ملامحها الجانبية العسولة وعنادها الغجري اللي كان بيزيدها جمال في نظره. كان حاسس بنار الشوق اللي جواها وهي بتداريها بالعناد، وعارف إن خطوته دي “واعرة” بس كانت الدوا الوحيد عشان يصحّي قلبها اللي قرر يهرب لعريس غريب.
المواجهة الكبرى في بيت الحاج عاصم
بعد ما الوقت مرّ وعمّ الليل، وتأكد يونس إن ميعاد المقابلة انتهى والضيوف مشيوا مكسورين الخاطر من الانتظار، بص لهمام وقال بكلمة واحدة:
“على بيت الحج عاصم يا همام.”
نور اتنفست الصعداء أول ما لقت العربية بتدخل الشارع بتاعهم، بس قلبها بدأ يدق بخوف من مواجهة والدها. العربية وقفت قدام البوابة، ويونس نزل الأول بوقاره المعتاد، ولف فتح الباب لنور وبص لها بتمعن:
“انزلي يا نور… ورجلك على رجلي لجوة.”
نور نزلت وبصتله بغضب: “أنا هدخل لوحدي، كفاية المصيبة اللي عملتها لحد هنا!”
يونس ضيق عيونه وقال بلهجة صعيدية حاسمة:
“أنا ممشيش وأسيبك تواجهي زعق أبوكي لحالك بسبب عملتي… يونس الهواري بيلبس ثوبه ويتحمل فوعته. يالا بينا.”
دخلوا الجنينة وطلعوا السلم، ونور كانت حاسة إن رجليها مش شايلاها. أول ما الباب اتفتح، لقوا الحاج عاصم واقف في الصالة، وشه كان خالي من التعبير بس عيونه كانت مليانة عتب وغضب حاد وكسرة نفس من الموقف البايخ اللي اتحط فيه قدام الناس.
الحاج عاصم بص لنور بنظرة وجعت قلبها، وقال بنبرة مكسورة وحادة:
“أهلاً يا هانم… أهلاً بالصحفية الكبيرة اللي خلت راسي في الأرض قدام الناس وعيلتهم! بقالنا ساعتين بنعتذر ونألف حكايات عشان نداري غيابك غير المبرر! والناس مشيت وهي شاعرة بالخطية والوجع لأننا صغرناهم!”
نور لسه هتتكلم والدموع في عيونها، خطى يونس خطوة سريعة لقدام، ووقف بجسده الضخم حايط سد بين نور وبين غضب والدها، وبكل أدب ووقار صعيدي، وطى راسه وباس كتف الحاج عاصم وقال بنبرة رجولية دافية:
“حقك عليا أنا يا حاج عاصم… ارمي اللوم كله على ولد الهواري واقطع رقبتي لو تبي، بس بنتك ملهاش صالح واصل باللي حصل الليلة.”
الحاج عاصم بص ليونس بذهول ممزوج بالضيق: “أنت يا يونس بيه؟ تعمل كدة؟ ده أسلوب رجالة صعايدة محترمين برضه؟ تخطف بنتي في قلب البندر وتخرب بيتي قدام ضيوفي؟”
يونس رفع راسه وعيونه لمعت بقوة وثقة تهز الجبال:
“أنا مخطفكش يا عمي… أنا جيت أمنع حاجة مكنتش هتحصل واصل حتى لو قعدتوا سنة تفكروا فيها. بنتك دخلت داري، والكلمة دي عندي بتمشي على رقاب الرجال.. الحرمة اللي تلوذ بيونس الهواري وتتحامى فيه، بتبقى في حمايته وتحت عينه ليوم الدين، وملهاش راجل في الدنيا دي يلمس طرف ثوبها غيري أنا.”
سكت يونس لثوانٍ، وبص لنور اللي كانت واقفة وراه وصدرها بيعلو ويهبط بذهول، ورجع بص للحاج عاصم وكمل بقوة:
“الناس اللي مشيت دي… لو كانوا شارينها، مكنش كسر خاطرهم غياب ساعة. وأنا جايلك بكرة بالأصول والرجالة والجاهة الكبيرة عشان أطلب نور منك قدام مصر كلها.. والخميس الجاي، كتب الكتاب لو وافقت عاد. بس الليلة… كان لازم الكل يعرف إن نور ليها راجل بيغار عليها حتى من الهوا الطاير.”
نور حست بكهربا سرت في جسمها كله… العناد اللي جواها انهار تماماً قدام جبروت الحب والرجولة اللي يونس بيفرضها عليها. بصت لوالدها اللي سكت وبدأ يهدى تدريجياً وهو بيشوف في عيون يونس صدق وحماية كان يتمناها لبنته طول عمره.
مرت الأيام وكأنها حلم وردي طويل، بين تحضيرات العرس ووعود يونس التي لم تكن يوماً كلمات جوفاء، بل كانت مواثيق غليظة. وجاء اليوم الموعود… يوم “الدخلة” الكبرى إلى قصر الهوارية، لكن هذه المرة لم تكن نور أسيرة، ولا ضيفة، ولا متمردة، بل كانت “ست الدار”.
كانت الشمس تغرب خلف جبال الصعيد، ترسم لوحة من الألوان البرتقالية والأرجوانية التي تعشقها عيون نور، والسيارة تشق طريقها نحو القصر الذي بدت أضواؤه الذهبية وكأنها ترحب بها. نور كانت تجلس بجوار يونس، يدها في يده، تشعر بدفء كفه القوي الذي أصبح ملجأها ووطنها.
ما إن توقفت السيارة، حتى فُتحت البوابات الحديدية الضخمة على مصراعيها، ووقف الحراس في صفوف، ليس خوفاً وهيبة هذه المرة، بل استقبالاً لـ “سيدة القصر”.
يونس نزل، ودار ليفتح لها الباب. مد يده ونظراته تفيض بشيء لم تعرفه نور من قبل؛ نظرة محب استرد أغلى ما يملك.
“خطوة عزيزة يا نور عيني…” همس يونس بصوت خافت لم يسمعه غيرها، بينما كانت يده تشد على كفها بلطف.
نور نزلت، وقفت أمام البوابة العتيقة التي كانت يوماً ما تمثل لها سجناً ورهبة، لكنها اليوم تراها بعيون أخرى. تذكرت خوفها الأول، وضحكت في سرها. التفتت ليونس، وضغطت على يده قائلة:
“أنا دخلت الدار دي قبل كدة يا يونس… بس المرة دي، قلبي هو اللي فتح الباب، مش إنت.”
يونس ابتسم، تلك الابتسامة التي تظهر فقط لنور، وأحاط خصرها بذراعه في حركة تملك وحماية، ومال برأسه ليهمس في أذنها:
“والله يا بنت البندر، ما دخلتِ الدار غير لما دخلتِ قلبي.. والدار دي مكنتش دار واصل قبل ما تنوريها بطلتك.”
دخلوا إلى البهو الرئيسي، حيث كانت روائح العود والبخور الصعيدي الأصيل تفوح في الأرجاء. الخدم والنساء من عائلته كنّ ينتظرن بابتسامات وتهاني، ونور كانت تشعر لأول مرة بانتمائها لهذا المكان. لم تكن مجرد صحفية جاءت لتكتب تقريراً، بل كانت جزءاً من هذا النسيج العريق.
بعد ساعات من الاستقبال والاحتفالات الهادئة، اختلى يونس بنور في شرفة الجناح الخاص بهما، الشرفة التي تطل على مساحات شاسعة من النخيل والليل الصعيدي الساكن.
جلس يونس على الأريكة، وجذبت نور لتجلس بجواره. نزعت شالها، وأخذت نفساً عميقاً من هواء الصعيد البارد.
“يونس…” قالت بهدوء.
“نعم يا قلب يونس؟”
“أنا خايفة.. خايفة أصحى ألاقي ده كله حلم، وأرجع تاني لروتين مكتبي وحياتي الباردة في القاهرة.”
يونس استدار إليها، وبحركة حنون، أبعد خصلات شعرها عن وجهها، وتأمل عيونها بتركيز.
“الحلم هو اللي كنت عايشه قبل ما تظهري في حياتي يا نور. أنا كنت صقر عايش في الجبال، بيعرف يطير بس ميعرفش يغني… إنتِ اللي علمتيني إزاي أطمن، وإزاي أحب.”
أمسك كفها وقبله بعمق، ثم أكمل بصوته الرخيم:
“إنتِ دخلتِ دار الهوارية برضاكِ، وبحبك.. وده عندي أغلى من أي عقد كتبناه. الصعيد اللي كنتِ بتخافي منه، هيحميلك ضهرك، وأنا… أنا هكون بيتك، وجبلك، وأمانك.”
نور لم تتمالك نفسها، مالت برأسها على كتفه، واستنشقت رائحته التي صارت ترادف “الوطن” بالنسبة لها. رفعت وجهها لتبادله النظرات، وقالت برقة:
“مش خايفة دلوقتي.. لأني عرفت أخيراً إن الهواري اللي بيحمي بقلبه، أحن بكتير من الهواري اللي بيحمي بسيفه.”
ضحك يونس ضحكته الرجولية الدافئة، وضمها إليه بقوة، بينما كانت نجوم الصعيد تتلألأ فوقهما، شاهدة على بداية حياة جديدة، حيث التقت عراقة الصعيد بتمرد القاهرة، وامتزجا في قلبين صارا نبضاً واحداً. حكايات مايا خالد
مرّت عدة أسابيع على زواجهما، وبدأت نور تتأقلم مع حياتها الجديدة كـ “سيدة قصر الهوارية”. ورغم حبها الشديد ليونس، إلا أن شغفها بالصحافة لم يمت؛ بل اتفقت مع يونس على أن تكمل عملها من القصر، وتتابع التحقيقات الكبرى عبر الهاتف والإنترنت، مع زيارات خاطفة للقاهرة للضرورة القصوى وبحراسة مشددة بالطبع.
وفي أحد الأيام، هبطت على القصر “قنبلة” مؤقتة على هيئة وفد صحفي أجنبي ومحلي، جاء لإجراء حوار صحفي ومصور مع يونس الهواري، باعتباره أحد أكبر وأهم الشخصيات الاقتصادية والقبلية في الصعيد، وخصوصاً بعد دوره في تنظيف المنطقة من بؤر الفساد.
نور كانت واقفة في البهو الرئيسي تشرف على الترتيبات بنفسها، وكانت ترتدي عباية استقبال فخمة من الحرير الأسود المطرز بخيوط ذهبية رقيقة، لمت شعرها بعفوية رفعت من جمالها الغجري، وكانت تبدو غاية في الأناقة والمهابة.
وصل الوفد، وكان من بينهم مصور صحفي شاب، وسيم ومندفع يُدعى “رامي”، كان زميلاً قديماً لنور في الجامعة وفي بدايات العمل الصحفي.
ما إن رأى رامي نور حتى اتسعت عيناه بذهول وابتهاج، وتقدم نحوها بسرعة وهو يقول بصوت عالٍ نسبياً:
“نور؟! مش معقول! وحشتيني جداً يا بنتي.. بقالك أسابيع مختفية، والكل في الجريدة بيسأل عنك! أتاري الجميلة سابت البندر واستقرت في قصر الهوارية!”
رامي، ببساطة أهل البندر وعفويتهم التي لا تناسب هيبة الصعيد، مد يده بلهفة ليصافحها، بل وخطى خطوة إضافية وكأنه يهمّ باحتضانها كزميلة قديمة اشتاق إليها.
نور تراجعت خطوة غريزية للخلف، والابتسامة تجمدت على شفتيها وهي تشعر ببرودة مفاجئة تجتاح المكان.
في تلك اللحظة بالذات، كان يونس يهبط درجات السلم الرخامي العريض.
تصلب جسده الضخم بالكامل، وعيونه الكحلية تحولت في ثانية واحدة إلى كتلتين من الجمر المشتعل وهو يرى الشاب يقف قريباً جداً من زوجته، ويمد يده لمصافحتها، ويتحدث بنبرة تفيض بالإعجاب والجرأة.
صوت خطوات يونس الثقيلة على الرخام كان كفيلاً بقطع أنفاس الجميع.
تقدم بخطوات واسعة، وهيبته الطاغية سبقت حضوره. وقف فجأة كالحائط السد بين رامي ونور، بحيث اضطر الشاب للتراجع خطوتين للخلف من فرط المفاجأة والرهبة.
يونس لم ينظر لرامي حتى، بل التفت بوجهه الصارم نحو نور، وبصوت هادئ، منخفض، لكنه يحمل نبرة من الفحيح المرعب الذي جعل فرائص رامي ترتعد، قال وهو يضغط على كل حرف:
“ادخلي جوة يا بت الناس.. ومشوفش خيالك واصل طول ما الضيوف اهنه.”
نور حاولت الدفاع عن كبريائها وقالت بنبرة خافتة: “يونس، ده رامي زميلي في الجرنـ…”
يونس لم يدعها تكمل، بل ضيق عينيه بحدة وصرامة صعيدية لا تقبل الجدال:
“جولت جوة يا نور.. الحين!”
أدركت نور أن النقاش الآن سينتهي بكارثة، فالتفتت بضيق وغيظ مكتوم ودخلت الجناح الداخلي، بينما التفت يونس لرامي الذي كان وجهه قد شحب تماماً.
نظر يونس ليد رامي التي كانت ما زالت معلقة في الهواء، وبنبرة تقطر بروداً وقوة، قال:
“أهلاً بيكم في دار الهواري.. الشغل والحديث معايا أنا بس، ورجالتنا في الصعيد يد الحرمة منينا متسلمش غير على جوزها.. واصل؟”
بلع رامي ريقه بصعوبة وقال بتلعثم: “طبعاً.. طبعاً يا فندم، اعتذاري الشديد.”
المواجهة النارية خلف الأبواب المغلقة
انتهى اللقاء بعد ساعتين مرتا على أعصاب الجميع كأنهما دهر. وبمجرد أن غادر الوفد بسلام، صعد يونس إلى الجناح الخاص بهما بخطوات سريعة وعصبية ثائرة.
دفع الباب بقوة ودخل ليرى نور واقفة في وسط الغرفة، مربعة ذراعيها، والشرار يتطاير من عينيها بانتظاره.
“أنت إزاي تحرجني كدة قدام زمايلي؟!” صاحت نور بعنادها المعتاد: “رامي ده زميل دراسة وشغل، وميقصدش أي حاجة! طريقتك كانت همجية يا يونس، كأني عملت جري*مة!”
يونس اقترب منها بسرعة فائقة حتى حاصرها خلف ظهر السرير، وعيونه الكحلية كانت تشتعل بغيرة عمياء كادت تحرق الغرفة. انحنى عليها ليصبح في مستواها، وقال بصوت يرتجف من كتم الغضب:
“همجية؟! واعر وجاهل وصعيدي.. جولي اللي تجوليه يا بنت البندر! بس قسماً عظماً، لو شفت راجل تاني بيبصلك اللمعة اللي في عيونه دي، أو بيمد يده يبي يتلمس طرف ثوبك، لأكون دافنه في مكانه وميهمنيش جرنان ولا بندر ولا حكومة!”
نور أنفاسها تسارعت، وقالت بنبرة تحدي ضعيفة تحاول تداري بيها دقات قلبها اللي اهتزت من رجولته الطاغية:
“دي غيرة مرضية يا يونس! أنت مش واثق فيا؟”
يونس سكت للحظة، ملامحه الغاضبة بدأت تلين تدريجياً وتحل محلها نظرة شوق وتملك تذوب الصخر. رفع يده الكبيرة ببطء، ولمس وجنتها بنعومة دافئة تلمس قلبها مباشرة، وهتف بنبرة مبحوحة من فرط المشاعر:
“أنا واثق فيكي أكتر من روحي يا نور.. بس أنا بغير عليكي من الهوا اللي بيتنفسه غيري في حضورك. بغير من الشمس لو لمست جلدك، بغير من رامي ومن أي حد عيونه تلمح الجميلة اللي خطفت قلب صقر الصعيد وسجنت حرّيته.. أنتِ ملكي أنا بس، والحاجة الغالية مبيتحطش عليها غير يد صاحبها.”
نور تاهت كلمات العناد من فوق شفتيها. تلاشت الغيظ وحل محله فيضان من الحب والدفء. نظرت في عيونه الشغوفة، وهمست بنبرة رقيقة تفيض بالاستسلام:
“وأنا مش عايزة أكون غير ملكك يا يونس.. بس براحة عليا، أنا لسه بتعلم أصول عشقك الواعر ده.”
يونس ابتسم نص ابتسامة دافئة، وجذبها لدفء صدره العريض ليدفن رأسها هناك، وكأن معركتهما الدائمة تنتهي دائماً بأقوى مرسى للأمان.
يونس سمع كلماتها الرقيقة، وحس بنار غيرته بتهدى وتتحول لدفا غريب سرى في عروقه. ضحكته الرجولية الواطية رنت في الأوضة وهو بيقرب منها أكتر، لدرجة إن نور حست بدقات قلبه السريعة تحت كف إيدها اللي كانت لسه سانداها على صدره العريض.
يونس رفع إيده التانية وبأطراف صوابعه مشى بنعومة على طول فكها، وطلع لورا ودنها يرجع خصلة متمردة من شعرها الأسود الغجري، وهمس بعيون بتلمع حب وشقاوة صعيدي:
“تتعلمي؟ وعلى يد مين عاد؟ ده أنا اللي محتاج أتعلم كيف أتحكم في عقلي لما عيونك دي تبصلي.. يا بوي على العناد اللي بيجرى في دمك يا نور، بيخليني أبقى عايز أهد الدنيا وأبنيها تاني بس عشان أشوف اللمعة دي في عيونك.”
نور رفعت راسها وبصتله بدلال، ولفت دراعاتها حوالين رقبته بجرأة فاجأته هو نفسه، وقالت بنبرة هامسة وفيها ضحكة رقيقة:
“طب وطالما خايف على عقلك.. بتعاندني ليه من الأول؟ ما كنت تسيبني أرحب بزميلي عادي زي أي صحفية!”
يونس ضيق عيونه بابتسامة خطفت قلبها، ومسك وسطها بدراعه القوي ورفعها عن الأرض شوية لحد ما بقت عيونها في نفس مستوى عيونه. همس وهو بيبص لشفايفها:
“تلمسي يد راجل تاني يا نور؟ ده أنا كنت قطعتها وقطعت رقبتي وراها.. إنتِ حقتي، وحقي مبيلمسوش حد واصل.”
وقبل ما نور تلحق ترد بعنادها المعتاد، يونس مال عليها ببطء ولغى كل المسافات اللي بينهم. حط كف إيده ورا راسها يثبتها بنعومة، وطبع قبلة دافية وطويلة على جبينها كأنه بيعتذر لها عن عصبية الهوارية، وبعدين نزل ببطء وشغف لشفايفها، يدوب في قبلة رقيقة، عميقة، ومحملة بكل الشوق والغيرة اللي كتمها جواه من وقت ما رجعت البندر.
نور غمضت عيونها واستسلمت تماماً لدفاه، إيديها اتخللت في شعره الأسود الكثيف وهي بتشده ليها أكتر، كأنها بتأكد له إنها ملكه هو وبس، وإن كل عنادها ده كان مجرد غلاف بيتحمي فيه من سحر عيونه.
لما بعد عنها يونس ببطء عشان يديها فرصة تتنفس، كانت خدودها وبشرتها البيضا واخدة لون الورد الأحمر من الكسوف والدفا. سند جبهته على جبهتها وهو بيتنفس بصعوبة، وابتسامة انتصار وتملك مرسومة على وشه:
“لسه شايفة إن طريقتي همجية يا بنت البندر؟”
نور دفنت وشها في رقبة بدلته وهي بتضحك بكسوف، وضربت صدره بخفة بقبضتها الصغيرة:
“همجية وواعرة.. بس مفيش أحن منها في الدنيا دي كلها يا يونس.”
يونس تنهد بحب، وضيق دراعاته حوالين وسطها أكتر كأنه بيطمن قلبه إنها خلاص بقت في حماه وبقت ملكه بالكامل. رفع راسها بصباعه تحت دقنها برفق عشان يبص لعيونها اللي كانت بتلمع بدفا ملوش مثيل، وهمس بصوته الرجولي الخشن:
“والله يا نور، أنا عمري ما عرفت طعم الراحة ولا سكنت روحي واصل، غير لما راسك دي ريحت على كتفي.. الصعيد بجباله وناسه وقصوره كفة، وإنتي يا بنت عاصم في كفة تانية لوحدك.”
نور ابتسمت ابتسامة رقيقة ودافية، ومشت صوابعها بنعومة على جرح كتفه القديم اللي اتصاب فيه ليلتها وهي بتطهرهوله، وقالت بصوت مليان حنية:
“تعرف يا يونس؟ ليلتها.. لما كنت بتخانق معاك وبعاندك، ولما كنت واقفة خايفة من صوت الرصاص والدنيا مقلوبة برة الأوضة، كنت حاسة بأمان غريب لمجرد إني عارفة إنك واقف ورا الباب ومش هتسمح لحد يلمس شعرة مني. الأمان ده هو اللي خلاني أرجعلك هنا برضايا.”
يونس عيونه لمعت بصدق دافي، ومسك إيدها اللي على كتفه وباس كفها بحنان، ونزل بشفايفه يطبع قبلات صغيرة ورقيقة على صوابعها واحد ورا التاني، وقال بنبرة تذوب الصخر:
“أنا أفدي دمك بروحي يا نور.. إنتي مش بس حرمة يونس الهواري، إنتي روحه اللي بيمشي بيها بين الناس. والراجل منينا لو راحت روحه، ميبقاش ليه عازة في الدنيا.”
وبحركة خفيفة وساحرة، شالها بين دراعاته وخطى بيها ناحية الشرفة الكبيرة اللي كانت نسايم الليل الصعيدي الباردة بتدخل منها وتداعب ستاير الحرير البيضا. وقف بيها قدام المنظر الساحر للنخيل والزرع اللي نايم تحت ضوء القمر، ونور لفت دراعاتها حوالين رقبته وسندت راسها على كتفه وهي حاسة بقمة الدفا والراحة.
”شايفة الأرض دي كلها يا نور؟” يونس سألها وهو بيبص للأفق الواسع.
نور هزت راسها برقة: “شايفاها يا حبيبي.. جميلة ومهيبة زيك.”
يونس ابتسم وطبع قبلة دافية على خدها المتورد وهمس:
“كل الأرض دي ملكي وتحت طوعي.. بس أنا واجف هنا، وراضي ومكتفي بإن أكون أنا اللي ملكك وتحت طوع قلبك الغجري ده.”
نور رفعت عيونها ليه وبصت لملامحه الرجولية الصارمة اللي لانت وبقت كلها عشق في حضورها، وقربت منه وطبعت قبلة رقيقة وسريعة على طرف شفايفه وهي بتهمس بدلال:
“وأنا قبلت استسلام صقر الصعيد.. بس خلي بالك، قلبي الغجري ده طماق ومش هيشبع من حبك أبدًا.”
ضحكة يونس الرجولية الدافية طلعت من قلبه وهو بيشدها لحضنه أكتر، والليل الصعيدي الهادي كان شاهد على اتنين لقوا وطنهم الحقيقي في حضن بعض بعد طول عناد وصراع. حكايات مايا خالد
مرت تلك الليلة كأنها غيمة من الطمأنينة تظلل قصر الهوارية.
في صباح اليوم التالي، تسللت خيوط شمس الصعيد الذهبية الدافئة من بين فرجات الستائر البيضاء، لتداعب وجه نور النائم بسلام. فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها ما زالت مغمورة في حضن يونس الدافئ. كان مستيقظاً قبلها، يستند برأسه على وسادته ويده الكبيرة تخلل خصلات شعرها الغجري برفق مفرط، وعيونه الكحلية ترقب ملامحها الشاردة بهيام وصمت.
أول ما تلاقت عيونهما، ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة حملت كل معاني التملك والحب، وهمس بنبرة صباحية مبحوحة:
“صباح الخير يا وجه الخير… صباح الورد على ست الدار وست قلبي.”
نور ابتسمت بخجل، ودفنت وجهها في صدره العريض للحظات هرباً من نظراته الجريئة، قبل أن ترفع رأسها وتقول بدلال:
“صباح النور يا يونس… أنت صاحي من بدري؟”
يونس قبل جبينها برقة وقال:
“صاحي وعيني مش جادرة تشبع من ملامحك وهي هادية ورايحة في النوم. كنتِ شبه طفلة صغيرة هربت من الدنيا كلها واتحمت في حضني… والطفلة دي وجعت صقر الهوارية على بوز كبدة في ثانية.”
نور ضحكت رنتها العذبة، ومست بأصابعها ذقنه النامية الخشنة وقالت بشقاوة:
“أنا طفلة برضه يا يونس؟ ده أنا صحفية عنيدة وهديك بكتب تحقيقات تهز بلد!”
يونس قبض على كفها الصغير الذي يداعب وجهه، وطبع قبلة حارة في منتصف كفها وقال وعيونه تفيض بالجدية والصدق:
“تكتب اللي تبيه… وتهز بلد بحالها بقلمك يا نور، وضهرك مسنود على جبل اسمه يونس الهواري. بس هنا، بين جدران القصر ده، وفي حضني أنا بالذات… ملكيش صالح بالصحافة ولا البندر. هنا أنتِ نوري، ودنيتي، وصبيتي الغجرية اللي روضت وحشي.”
نور شعرت بقلبها ينبض بقوة، واقتربت منه تهمس له بصدق لم تعد قادرة على إخفائه:
“أنا بحبك يا يونس… بحب وعورتك، وحنيتك، وغيرتك اللي بتخوفني وتطمني في نفس الوقت.”
يونس تنهد بعمق، كأن الكلمة قد روت ظمأ قلبه لسنوات، واحتضنها بقوة إلى صدره وكأنه يعيد دمج جسديهما معاً، هامساً وسط شعرها:
“وأنا عشقتك يا بنت البندر… عشق ملوش نهاية، طالما فيا نفس طالع وداخل.”
طوال ذلك اليوم، لم يتركها يونس للحظة. أخذها في جولة نهارية نادرة بداخل أراضي الهوارية الشاسعة، كان يركب حصانه العربي الأسود وهي تجلس أمامه ممسكة بخصره بقوة، وهوا الصعيد البارد يداعب وجهيهما، بينما كان يشرح لها عن كل شبر من أرض أجداده وكأنه يسلمها مفاتيح مملكته بالكامل.
وعندما عادا إلى القصر مع غروب الشمس، وقفا مجدداً في الشرفة يشاهدان الليل وهو يرخي سدوله. نور نظرت إلى الأفق، ثم نظرت إلى يونس الذي كان يقف بجانبها بشاله الكشميري الفاخر، وشعرت لأول مرة في حياتها بالوصول… بالوطن الحقيقي الذي طالما بحثت عنه في الكلمات والكتب والتحقيقات، فوجدته أخيراً بين ذراعي هذا الرجل الذي جمع بين قسوة الجبل ولين العاشق.ومع حلول الليل، كانت الأجواء في القصر تزداد دفئاً وشاعرية.
دخل يونس ونور من الشرفة إلى داخل الجناح، حيث كانت الإضاءة خافتة والموسيقى الصامتة المنبعثة من روح المكان تضفي سحراً خاصاً. يونس نزع شاله الكشميري وألقاه بجانبه ببطء، والتفت إلى نور التي كانت تقف بجمالها الآسر تتأمله بعيون تلمع بالحب والاستسلام.
اقترب منها بخطوات هادئة ممتلئة بالثقة، ووقف أمامها مباشرة. مد يده ليمسح بلطف على وجنتها المتوردة، ثم نزل بأصابعه ليعبث برقة بأطراف عقدها الذهبي الذي يزين عنقها.
“عارفة يا نور…” همس بصوته الرجولي الدافئ القريب جداً من أذنها: “الصعيد ده واعر وقاسي، بس من اليوم اللي دخلتي فيه حياتي، حاسس إن كل حاجة لانت.. الجرانيت الصعيدي بقا في حضورك طوع أمرك.”
نور رفعت عينيها لتلتقي بعيونه الكحلية التي لم تعد مخيفة بل أصبحت ملاذها، وقالت بصوت متهدج من فرط المشاعر:
“وأنا عنادي الغجري كله داب في حبك يا يونس.. مبقتش عايزة أهرب، ولا بقيت عايزة أثبت لنفسي أو للدنيا أي حاجة غير إني جمبك.”
ابتسم يونس ابتسامة ساحرة تفيض بالنصر والعشق، ومال برأسه ليطبع قبلة دافئة ورقيقة على عنقها، جعلت قشعريرة دافئة تسري في جسدها، قبل أن يرتفع بوجهه ليغرق في عينيها طويلاً. وبحركة حانية وبطيئة، التقت شفتيه بشفتيها في قبلة أخيرة طويلة، هادئة وعميقة، حملت عهد العمر والوفاء والراحة بعد طول عناء وتعب.
احتضنها بقوة إلى صدره الواسع، دافناً وجهه في خصلات شعرها العطرة، بينما كانت دقات قلبيهما تدق بنبض واحد متناسق، وكأن الأقدار قد كتبت نهاية صراعهما الطويل لتبدأ قصة عشق أبدية لا تنتهي.
الخاتمة
وفي تلك الليلة، أُغلقت أبواب قصر الهوارية على قلبين وجدا أخيراً وطنهما الحقيقي. تلاشت ضوضاء البندير وعناد الغجر، وذاب كبرياء صقر الصعيد في دفء عينيها، ليعيشا معاً حياة عنوانها الأمان، الدفء، وعشق صعيدي واعر.. لا يزول ولا ينتهي ليوم الدين. حكايات مايا خالد
النهاية
النهاية
تفاعل
رايكم صفةحة روايات مايا خالد