صعيدي من أكسفورد حصري ل مايا خالد3

الجزء الثالث صعيدي من أكسفورد

نور غمضت عيونها للحظة من لمسة صوابعه الداهية على رقبتها، حست بنبضها بيزيد بطريقة مرعبة، مش بس من الخوف، لكن من هيبته وقربه اللي بيخطف الأنفاس. رجعت راسها لورا وسندت بظهرها على الباب الخشبي وحاولت تبعد إيده بصعوبة وهي بتقول بصوت مهزوز:
​”ابعد عني يا يونس… وبلاش الطريقة دي. أنا صحفية وجيت هنا عشان شغلي، مش عشان أكون تحت رحمتك أو حمايتك غصب عني.”
​يونس نزل إيده ببطء، وابتسامة باردة غامضة اترسمت على وشه وهو بيبص لعنادها اللي بيعجبه في صمت. رجع خطوتين لورا، ومشى ناحية مكتبه الفخم، قفل اللابتوب وسحب الفلاشة وحطها في جيبه، وبصلها ببرود:
​”الحماية اهني مفيهاش غصب يا بت الناس… بس فيها أصول. وأنا أصولي بتقول إن الضيف اللي يدخل دار الهواري، رقبته برقبتنا. الحين سليم زهران بعت ناس يسألوا عليكي في كل مكان، واللعب بدأ يسخن.”
​نور خطت خطوة ناحيته بتوجس:
​”يعني إيه؟ سليم عرف إني هنا؟”
​يونس ضيق عيونه وبصلها بنظرة صقر حاسمة:
​”سليم غبي بس وراه ناس واصلين. تليفونك اللي معايا، جاله كذا رنين من نمرة غريبة… نمرة تابعة لرجالة سليم. كانوا بيحاولوا يحددوا الموقع، بس أنا ناصح وخابر ألاعيبهم زين… قافل الشبكة وساحب الخط.”
​طلع التليفون من جيبه الداخلي، لمحه قدام عيونها اللي لمعت بلهفة عشان تاخده، بس رجعه مكانه بسرعة وقال:
​”التليفون ده هيفضل معايا. بس عاد… أنا هخليكي تكلمي رئيس تحريرك الحين من تليفوني الخاص، عشان تطمنيه وميبلغش عن اختفائك ويعمل شوشرة تضرنا وتكشف مكانا.”
​نور حست ببعض الراحة وبلعت ريقها:
​”بجد؟ طيب أرجوك… خليني أكلمه.”
​يونس سحب تليفونه الأسود الصغير المشفر، وطلب الرقم اللي هي أملتهوله، وفتح الاسبيكر وحطه على المكتب قدامها وهو مربع كتافه وواقف يراقب كل همسة وحركة منها.
​أول ما رئيس التحرير رد بصوت قلقان:
​”ألو؟ نور؟ أنتِ فين يا بنتي؟ قلبت الدنيا عليكي بعد حفلة سليم زهران!”
​نور بصت ليونس اللي شاورلها بعينه بصرامة تسكت، فتنحنحت وقالت بصوت حاولت تخليه طبيعي:
​”أنا كويسة يا فندم… متقلقش عليا. أنا في مكان آمن جداً وبكمل الشغل على التحقيق.”
​رئيس التحرير اتكلم بسرعة وتوتر:
​”نور، سليم زهران قالب الدنيا، والبوليس جاله بلاغ باختفائك… سليم نفسه اتصل بيا وبيسأل لو كنتِ كلمتيني. أرجوكِ خليكي مستخبية، سليم باعت ناس يدوروا عليكي في كل المحافظات، وسمعت إن عينه راحت على الصعيد كمان!”
​يونس أول ما سمع سيرة “الصعيد”، عينيه اسودت أكتر وارتسمت على وشه ملامح غضب صعيدي مكتوم ومخيف. أخد التليفون بسرعة وقفل السكة ببرود، وبص لنور اللي وشها رجع يصفر تاني من الخوف:
​”سمعتِ بنفسك عاد؟ ولد عمي مفكر إن الصعيد ملوش صاحب… ومخابرش إن تراب الهوارية مبيقبلش الخاينين.”
​نور سألته برعب:
​”يعني هو جاي هنا؟ جاي قصرك؟”
​يونس خطى ناحية الباب وفتحه، وبص لها بنظرة أخيرة قبل ما يخرج وقال بثقة زلزلت الأرض تحت رجليها:
​”خليه ييجي… قصر الهوارية ليه هيبة، والشر اللي جواه مبيطلعش برة إلا وهو مقتول. ارجعي جناحك يا نور، وجهزي نفسك… لأن الليلة دي، صوت الرصاص هيطغى على صوت هدوء الصعيد.”

نور اتسمرت مكانها، والبرودة رجعت تسري في أطرافها من تاني وهي بتسمع نبرة صوته المليانة ثقة مرعبة. يونس سابها وخرج من المكتب، وصوت خطواته المنتظمة على الرخام كان بيتباعد لحد ما اختفى تماماً.
​رجعت على جناحها وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها. قعدت جنب الشباك وبصت على الجناين والنخل برة؛ الشمس كانت بدأت تغيب، والليل بدأ يرمي ضله الأسود على القصر وهدوء الصعيد اللي بيخبي وراه عاصفة.
​عدت ساعات الليل ببطء قاتل. الساعة قربت من حداشر بالليل، والهدوء اللي في القصر كان مريب لدرجة تخليك تسمع دقات قلبك… وفجأة، الهدوء ده انكسر بصوت ضرب نار من بعيد، جاي من ناحية البوابات الخارجية للقصر!
​نور اتنفضت من مكانها وقلبها هيقف من الرعب. جريت على الشباك وبصت، شافت حراس القصر بيجروا بأسلحتهم الآلية، وفلاشات كشافات العربيات السودة برة السور بتتحرك بجنون. ضرب النار بدأ يزيد ويسخن، وصوت الرصاص كان بيرن في ودنها زي الرعد.
​جناحها اتفتح فجأة بحدة.
​دخل يونس، ولابس عبايته السودة وفوق كتافه الشال، وماسك في إيده بندقية آلية فخمة، وعيونه الكحلية كانت بتلمع بغضب وصيد حقيقي. قرب منها بسرعة وسحبها من دراعها بخفة ووداها في زاوية دارية ورا دولاب الخشب الأرو الضخم:
​”خليكي اهني… واصل متتحركيش ولا تظهري لوع! رجال سليم هجموا على البوابات، شكل المحروس بايع عمره الليلة وجاي يفتش في دار الهواري.”
​نور مسكت في كم عبايته السودة بخوف حقيقي، وعيونها مدمعة:
​”يونس… أرجوك خليك هنا، متخرجش! دول كتير وسمعت صوت رصاص كتير برة!”
​يونس بصلها بنظرة غامضة، ولمسة حنية خفيفة ظهرت في عيونه للحظة تاهت وسط ملامحه الصارمة. حط إيده الكبيرة على كفها اللي ماسك عبايته وطمنها بنبرة صعيدية دافية بس قوية:
​”متقلقيش على ولد الهواري يا بت الناس… الصقر في أرضه مبيخافش من الغربان. خليكي اهني، وسلا*حي ده مبيخيبش واصل.”
​سابها وخرج وقفل الباب وراه بالمفتاح عشان يأمنها.
​نور حطت إيديها على ودنها وهي بتسمع صوت ضرب النار اللي بقى أقرب بكتير… صوت الرصاص كان بيهز حيطان القصر الأثري، وصوت زعيق رجال يونس برة وصوت يونس الآمر وهو بيوجههم كان واصل ليها.
​بعد نص ساعة من الرعب والضرب المستمر، الصوت بدأ يهدى تدريجياً، لحد ما ساد صمت تام ملوش آخر… صمت مرعب أكتر من ضرب النار نفسه.
​نور فضلت واقفة مكانها ورا الدولاب، كاتمة أنفاسها وبتترعش، مستنية تسمع أي صوت يطمنها… لحد ما سمعت صوت خطوات تقيلة وثابتة بتقرب من باب الأوضة، وصوت المفتاح وهو بيلف في القفل. حكايات مايا خالد
الباب اتفتح ببطء شديد، وصوت مفاصل الخشب القديم كان بيرن في ودن نور زي صفارة إنذار. لفت وشها بسرعة ناحية الباب، وضهرها لزق في الحيطة ورا الدولاب، وصوابعها كانت بتغرس في كفوفها من كتر الرعب.
​دخل هو…
​الجلباب الأسود كان عليه تراب وعفرة من تراب المعركة، الشال البيج ممزق شوية عند الكتف، وفي كف إيده اليمين البندقية الآلية وسطحها الفضي بيلمع تحت ضوء الممر الخافت. ملامحه كانت شبه جبال الصعيد… جامدة، قاسية، ومفيش فيها أي تعبير، بس عيونه الكحلية كانت مليانة بلمعة نصر أسود وغامض.
​أول ما شافها واقفة مكانها، عيونها مبرقة برعب وبتترعش، نزل فوهة البندقية للأرض ومسح على وشه ببطء وهو بيتنهد بعمق. خطى خطوتين لجوة الأوضة وقفل الباب بضهره.
​نور طلعت من ورا الدولاب بخطوات مهزوزة، وصوتها طلع بالعافية:
​”يونس… أنت… أنت كويس؟ إيه اللي حصل برة؟”
​يونس بصلها، ومال براسه لورا وهو بيسند البندقية على الحيطة جنب الباب، وقال بنبرة واطية ومبحوحة فيها هيبة وصوت رجولي هادي:
​”أنا جولتك من جبل يا بت الناس… تراب الهوارية مبيقبلش الخاينين. سليم زهران بعت كلابه يجسوا النبض، مفكرين إننا نايمين في العسل… بس رجالي علموهم الأدب، واللي فضل منهم صاحي هرب في الجبل كيف الفئران.”
​نور بلعت ريقها وقربت منه خطوة، عيونها كانت بتتحرك على جسمه بتوجس وقلق حقيقي تاه منها وسط الخوف:
​”بس… بس أنت بتنزف! كتفك فيه دم!”
​يونس بص لكتفه بإهمال وتجاهل تام، وقال بابتسامة سخرية خفيفة:
​”ده خربوش بسيط من رصاصة طايشة… ميعيبش راجل صعيدي واصل. المهم الحين… سليم زهران عرف إنك اهني بالتاكيد بعد الحركة دي، وبكرا الصبح البلد كلها هتكون مقلوبة.”
​مشى خطوات بطيئة ناحيتها لحد ما بقى بيفصل بينهم سنتيمترات قليلة. ريحة البارود والتراب المخلوطة بالعود الفخم اللي بيستعمله حاصرت حواس نور بالكامل. وطى راسه لمستواها وبص في عيونها مباشرة:
​”اللعب الحين مابقاش فيه تراجع يا نور… سليم زهران حفر قبره بيده لما فكر يضرب نار على قصر يونس الهواري. الملفات اللي معاكي دي… هنسلمها لجهات عليا بكرة، وسليم هيتلم في الحديد قبل ما الشمس تغيب.”
​نور حست بقلبها بيدق بسرعة مرعبة من قربه وأنفاسه السخنة اللي بتلف وشها، وقالت بصوت همس:
​”وتليفوني؟ هيرجعلي؟”
​يونس مد إيده القوية، ومشى صوابعه الخشنة بلطف وهدوء على خصلة من شعرها الغجري المتمرد، وهمس بصوت واطي ومثير هز كيانها:
​”تليفونك هيرجعلك يا قطة… لما أتأكد إنك بقيتي في أمان بعيد عن المحروسة وناسها. بس لحد ما ده يحصل… أنتِ لساتك في حمايتي وتحت عيني… والظاهر عاد، إن صيد الغالي واعر، وأنا مبعرفش أسيب صيدي واصل.”

نور بصت لصابعه اللي بتلعب في شعرها، وغمضت عيونها لثواني وهي بتحاول تاخد نفسها. رجعت خطوة لورا عشان تفلت من قربه اللي كان بيلغي تفكيرها، وبصت لكتفه اللي بدأ ينزف بوضوح أكتر ويبهدل الشال البيج:
​”سيبك من الكلام ده الحين… كتفك بينزف بجد يا يونس، والرصاصة شكلها سابت علامة واعرة. لازم الجرح يتطهر فوراً.”
​يونس بص لكتفه ببرود ولا مبالاة، وابتسم ابتسامة خفيفة مالت بيها شفايفه:
​”وعاد صحفية المحروسة طلعت بتخاف من الدم؟ جولتلك يا بت الناس، صعايدة الهوارية جلودهم ناشفة، والرصاصة اللي متموتش بتقوي.”
​نور حطت إيدها في وسطها وبصتله بعناد غجري طغى على خوفها:
​”وأنا مش هقعد في أوضة واحدة مع راجل بينزف وكأنه مفيش حاجة! انده على الدادة فاطمة تجيب علبة الإسعافات، وإلا والله هطهرها أنا بنفسي بس مش هضمن لو وجعتك!”
​يونس ضحك بحة رجولية واطية رنت في الأوضة، وحط البندقية على جنب، وقلع الشال الممزق ورماه بالإهمال على الكرسي. بصلها بعيون كحلية مليانة تسلية وتحدي:
​”توجعيني أنا؟ عاد وريني كيف يدك الناعمة دي هتعالج صقر الصعيد. علبة الإسعافات في الدرج اللي تحت المراية عندك… وريني شطارتك يا دكتورة.”
​نور بلعت ريقها وحست إنها ورطت نفسها، بس كبريائها منعها تتراجع. مشيت بسرعة وجابت العلبة البلاستيك البيضاء ورجعت وقفت قدامه.
​يونس قعد على طرف السرير بكل ثقة، وفتح أول زرارين من قميصه الأسود ببطء وهو عينه منزلتش من على وشها، ونزل القميص من على كتفه العريض المصاب. الجرح كان عبارة عن حفرة سطحية بس بتنزف دم أحمر قاني.
​نور قربت ببطء، ركعت على ركبة ونص قدامه عشان تكون في مستوى كتفه، وطلعت القطن والمطهر وإيدها بتترعش خفيف. أول ما حطت القطنة المبللة بالمطهر على الجرح، جسم يونس اتشد وعضلات كتافه برزت بقوة، بس مطلعش منه ولا همسة وجع، عينه كانت مركزة في عيونها اللي قريبة منه جوي.
​نور كانت بتتنفس ببطء، وبتحاول تركز في الجرح عشان تداري توترها من نظراته اللي كانت بتخترقها:
​”أنا… أنا متأسفة لو كنت بوجعك.”
​يونس اتكلم بصوت واطي ومبحوح كأنه همس دافي وسط الليل:
​”الوجع الحقيقي يا نور… هو إن الواحد يلاقي صيده غالي وصعب يطوله، بس يفضل يحاول لحد ما يجيبه لأرضه.”
​نور حست بكهربا سرت في جسمها من نبرة صوته المليانة تلميحات سودا ودافية في نفس الوقت. لزقت البلاستر الطبي بسرعة وقامت وقفت وهي بتلم العلبة بتهرب:
​”الجرح كده تمام… وبكرة لازم دكتور يشوفه.”
​يونس وقف وعدل قميصه ببطء وهيبته رجعت تسيطر على المكان:
​”بكرة الصبح عاد، الدكتور اللي هييجي هو اللي هيكتب شهادة وفاة سليم زهران السياسية والمالية في البلد دي. أنا كلمت ناس واصلين في القاهرة، والملفات اللي معاكي على الفلاشة زمانها الحين بتتحول لجهات تحقيق عليا مش هتقبل تساوم.”
​نور بصتله بامل حقيقي:
​”يعني خلاص؟ اللعبة هتنتهي؟”
​يونس قرب منها خطوة، وبص لوشها اللي بدأ يسترد لونه الودي، وقال بنبرة صعيدية أصيلة تقطع الشك باليقين:
​”هتنتهي لـ سليم… بس حكايتي معاكي عاد، مخابرش واصل هتنتهي كيف ولا ميتى. اطلعي سريرك ونامي يا بت الناس… وصوت الرصاص اللي سمعتيه الليلة، اعتبريه كان زفة ترحيب بيكي في بلاد الهوارية.”
​سابها وخرج وقفل الباب وراه بهدوء، ونور وقفت مكانها بتبص للباب، وحاسة إن السواد اللي كانت خايفة منه مابقاش بس بيحاصرها من برة… ده بقى بيحاصر قلبها من الراجل الصعيدي اللي نايم ورا الباب ده. حكايات مايا خالد
نور فضلت واقفة باصة للباب شوية، ضربات قلبها كانت لسه مسموعة، مش من رعب الرصاص، لكن من نظرات يونس وكلماته اللي بترن في ودنها. “حكايتي معاكي مخابرش واصل هتنتهي كيف”. الجملة دي كانت زي اللغز اللي خايفة تحله.
​راحت للسرير، رمت نفسها عليه بتعب، وغطت وشها بالمخدة وهي بتحاول تهرب من التفكير. الساعات الباقية من الليل مرت بطيئة، وصوت أنفاسها كان الحاجة الوحيدة اللي قاطعة صمت الأوضة.
​شمس جديدة وعاصفة جديدة
​الصبح طلع بدري في الصعيد. نور صحيت على خبط خفيف على الباب، وصوت الدادة فاطمة الدافي:
​”يا بتي… يا بتي اصحي عاد، يونس بيه مستنيكي تحت على الفطار.”
​نور قامت بكسل، غيرت هدومها ولبست جينز واسع وتيشيرت قطن أبيض، ولمت شعرها ديل حصان بسيط. نزلت السلم الرخام وهي حاسة بتوتر، القصر كان هادي، بس هدوء مختلف عن هدوء الليل المرعب.
​دخلت غرفة السفرة الضخمة، لقت يونس قاعد على راس الترابيزة. لابس قميص أسود بسيط بنص كم، باين منه عضلة دراعه، والشال الصعيدي مرمي بإهمال على الكرسي اللي جنبه. كان بيشرب قهوة سادة وبيقرا في ورق قدامه بتركيز. أول ما سمع صوت خطواتها، رفع عينه وبصلها، وعيونه الكحلية كانت هادية بس فيها نظرة ثاقبة.
​”صباح الخير يا بت المحروسة.” قالها بنبرة صعيدية هادية، وشاور لها على الكرسي اللي جنبه، “اجلسي كلي لقمة تفطري بيها، اليوم طويل.”
​نور قعدت بتوتر، وبدأت تاكل ببطء. حاولت تفتح كلام عشان تكسر الصمت المربك:
​”أنت قولت امبارح إن الملفات زمانها اتحولت لجهات التحقيق… هل فيه جديد؟”
​يونس ساب الورق اللي في إيده وبصلها بجدية:
​”الأخبار الزينة إنهم مسكوا طرف الخيط، والليلة دي سليم زهران هيكون في قبضة الحكومة. والأخبار الواعرة… إن سليم خابر زين إن النهاية قربت، والنوع ده من الرجالة لما بيحسوا بالخطر، بيضربوا في أي اتجاه، ومش هيهمه غير إنه يوصل لك، إنتي بالذات.”
​نور سابت الأكل بخوف:
​”هيوصلي إزاي؟ أنا في قصر الهوارية ومحدش يقدر يدخل هنا، صح؟”
​يونس مالت شفايفه بابتسامة خفيفة، بس عيونه كانت مليانة تحدي:
​”صح… طول ما أنتي جوة السور ده، رقبتك في حماية يونس الهواري. بس الخطر مش بس من برة، الخطر ممكن ييجي من الناس اللي مفروض يحموا سليم، والناس دي في كل مكان.”
​فجأة، صوت تليفون يونس رن. رفع التليفون، وملامحه اتغيرت فجأة، الجدية اتحولت لغضب مكتوم، وعروق رقبته برزت.
​”جولتهالك ميت مرة يا همام، البنت مش هتمشي من اهني! سليم بيحاول يلعب بورق أخير، وأنا اللي هقطع الورق ده بإيدي.”
​قفل الخط ورزع التليفون على الترابيزة بقوة خلت نور تتنفض.
​”إيه اللي حصل؟” سألت بخوف حقيقي.
​يونس قام وقف، وسند بإيديه على الترابيزة وبصلها بنظرة مرعبة:
​”سليم زهران بعت رسالة. بيهدد إنه هيفضح عيلة الهواري كلها لو الملفات دي طلعت للعلن، ومفكر إنه كدة بيلوي دراعي.”
​نور وقفت، الكبرياء والخوف بيتصارعوا جواها:
​”وأنت… أنت هتسلمني ليه؟ عشان تحمي عيلتك؟”
​يونس ضحك ضحكة قوية ومرعبة رنت في غرفة السفرة، خطى ناحيتها ومسكها من دراعها بقوة بس مش مؤلمة، وقربها منه لحد ما أنفاسه لفتت وشها:
​”أسلمك؟ عاد يونس الهواري مبيسلمش حرمة دخلت حمايته، حتى لو التمن دمار البلد كلها. سليم زهران فتح باب الجحيم، وأنا اللي هزقه فيه. بس الحين… مفيش خروج من القصر، ومفيش كلام مع حد، ولا حتى الدادة فاطمة. مفهوم؟”
​نور بلعت ريقها وهزت راسها بضعف، وهي بتبص لعيونه اللي كانت بتغلي بالغضب والتحدي. يونس سابها وخرج من الغرفة بخطوات سريعة، سايبها وسط دوامة من الأسئلة والخوف من اللي جاي.
​اللعبة دخلت في مراحلها الأخيرة، وصقر الصعيد فرد جناحاته للحرب، ونور لقت نفسها في قلب المعركة، ومصيرها مربوط براجل كل ما فيه بيخوفها، وكل ما فيه بيشدها أكتر لعالم أسود وغامض. حكايات مايا خالد
نور فضلت واقفة مكانها، عيونها بتبص للباب الفاضي اللي خرج منه يونس. لمت دراعاتها حوالين نفسها، وحست برعشة خفيفة برغم دفء الجو الصعيدي. كلام يونس كان واضح، التهديد زاد وسليم زهران مابقاش عنده حاجة يخسرها، وده معناه إنه مستعد يحرق الأخضر واليابس عشان يوصل للفلاشة… أو يوصل لرأسها هي بالذات.
​رجعت على الجناح الشرقي وحبست نفسها فيه. اليوم مر عليها كأنه سنة، مفيش أي صوت في القصر غير صوت الهوا اللي بيخبط في شيش الشبابيك، وحركة خفيفة برة للحراس اللي يونس زود عاددهم على السور.
​الساعة عدت تمانية بالليل، والظلمة كحلت المكان تماماً.
​نور كانت قاعدة على الكرسي الهزاز في ركن الأوضة، ضامة رجليها لصدرها وعيونها على الباب. فجأة، سمعت صوت حركة غريبة تحت شباك أوضتها. صوت خطوة خفيفة على الرمل، ووراها صوت وشوشة واطية مكنتش مفهومة.
​اتنفضت من مكانها وراحت للشباك ببطء شديد، وربت الشيش وبصت لتحت.
​الملامح مكنتش واضحة من الضلمة، بس لقطت حركة لراجل لابس لبس الحراس بتوع القصر، بس كان بيتكلم في تليفون صغير ومخبي بوقه بإيده:
​”أيوه يا باشا… البنت في الجناح الشرقي فوق… يونس بيه خرج من ساعة مع همام ورجالته الكبار، والقصر مفيش فيه غير حراسة خفيفة ع البوابات… الطريق فاضي ليكم.”
​نور الدم هرب من عروقها، وقلبها سقط في رجليها.
الخاين جوة البيت! الحارس اللي مفروض يحميها شغال مع سليم زهران وجاي يبيعها ليهم.
​رجعت لورا بخطوات سريعة وهي بتفكر بجنون. يونس مش هنا، وتليفونها معاه، وهي محبوسة في قصر غريب وسط بلد مكنتش تعرف عنها حاجة من يومين.
​ملاقيتش قدامها غير حل واحد. جربت تفتح باب الجناح ببطء، الحمد لله مكنش مقفول بالمفتاح المرة دي. سحبت نفسها في الممرات المظلمة بتاعة القصر وهي بتمشي على طراطيف صوابعها. نزلت السلم الرخام بخفة، وعقلها بيقولها تروح لمكتب يونس… تليفونها الخاص أو تليفون المكتب الأرضي هو أملها الوحيد عشان تطلب المساعدة.
​دخلت المكتب وقفلت الباب وراها بهدوء. الأوضة كانت ضلمة تماماً ومفيش فيها غير ضوء القمر اللي داخل من الشباك الإزاز الكبير.
​راحت على طول على مكتب يونس، بدأت تفتح الأدراج بجنون وتدور وسط الورق عن تليفونها. مكنش فيه أي أثر ليه.
​وفجأة… النور اتفتح في المكتب كله مرة واحدة.
​نور اتخضت وصرخت وهي بتلف وشها ناحية الباب وسندت بضهرها على المكتب.
​كان واقف عند كبس النور، سانده بكتفه العريض وباصص ليها ببرود مميت وعيونه الكحلية بتلمع بسخرية وغضب مكتوم. “يونس الهواري”.
​بصلها من فوق لتحت وقال بنبرة صعيدية هادية وباردة تقطع الأنفاس:
​”بتدوري على إيه عاد في أدراج مكتبي يا بت الناس؟ تليفونك؟ ولا كنتِ ناوية تهربي ورا ضهري بعد كل اللي عملته عشان أحميكي؟”
​نور بلعت ريقها وبصتله بعيون مليانة دموع ورعب، وجريت عليه ومسكت في قميصه الأسود بقوة وإيدها بتترعش:
​”يونس! فيه خاين هنا… فيه حارس من رجالتك واقف تحت الشباك وكان بيكلم سليم زهران! قاله إنك مش هنا وإن الطريق فاضي ليهم عشان يدخلوا ياخدوني! أرجوك صدقني!”
​يونس ملامحه متهزتش شعرة. مد إيده الكبيرة وبمنتهى الهدوء مسك إيدها اللي ماسكة قميصه ونزلها ببطء، وبص في عيونها مباشرة وقال بصوت دافي ورجولي واثق لدرجة الرعب:
​”عارف.”
​نور اتسمرت مكانها وعيونها اتسعت بصدمة:
​”عارف؟ عارف إزاي؟”
​يونس خطى خطوة ناحية الكنبة وقعد عليها بكل هيبة، وربع رجل فوق رجل وقال وهو بيمسح على دقنه الخفيفة:
​”أنا يونس الهواري يا نور… يعني مفيش نملة بتتحرك في داري من غير إدني. الحارس الخاين ده، أنا اللي سايبه يتكلم… والكمين اللي سليم زهران جاي برجله فيه الليلة، أنا اللي نصبه بيدي.”
​قربت منه بذهول:
​”يعني أنت مخرجتش من القصر؟”
​يونس وقف تاني، وبقى يفصل بينه وبينها خطوة واحدة، وطى لمستواها وهمس بصوت واطي فيه بحة رجولية خطفت قلبها:
​”أخرج وأسيب صيدي لوحده؟ عاد ده يبقى عيب في حق الهوارية. أنا اهني… وسليم زهران الليلة هيدخل برجله لعرين الصقر، والملفات اللي معاكي بقت الحبل اللي هيلتف حوالين رقبته في نص بيتي.”

حكايات مايا خالد
نور وقفت مكانها، عقلها بيحاول يستوعب الجبروت والذكاء المرعب اللي في الراجل ده. يعني هو كان مرتب لكل حاجة، وسايب الخاين وسطهم زي الطعم عشان يسحب سليم زهران لآخر مكان ممكن يتوقعه… عرين الصقر نفسه.
​بصت لعيونه الكحلية اللي مكنش فيها ذرة خوف، وقالت بصوت واطي مهزوز:
​”يعني أنت… استخدمتني طعم؟”
​يونس ضيق عيونه، وملامحه لانت شوية وهو بيبص لملامحها المخطوفة. خطى خطوة سريعة ناحيتها ومسك كفوف إيدها الباردة بين إيديه الكبار الدافية وقال بنبرة صعيدية أصيلة فيها رجولة وصدق غريب:
​”وعاد واجفة تقولي طعم؟ يا بت الناس، لو كنت بايعك أو بستخدمك كيف ما بتقولي، مكنتش وفجت بصدري ل رصاصهم في الجراج، ولا كان كتفي الحين ينزف دم عشانك. سليم زهران كان لازم يطمن عشان يرتكب غلطته الأخيرة اللي هتوديه ورا الشمس. الحارس ده اتصل بيه تحت عيني، والكمين الحين منصوب ع البوابات… وسليم لو خطى خطوة جوة السور، مش هيطلع منها إلا على السجن.”
​نور سحبت إيدها ببطء وهي بتحاول تسيطر على دقات قلبها اللي زادت من قربه، وسألته بتوجس:
​”والحين؟ إيه اللي هيحصل؟”
​يونس سحب مسد*سه الفضي من حزامه وراجع الأمان بتاعه بهدوء حاسم، وبص ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على الجنينة:
​”الحين… هتدخلي الحمام اللي جوة المكتب ده وتقفلي على نفسك بالضبة والمفتاح. ورجالي برة صاحيين، وصوت الرصاص اللي هتسمعيه بعد دجيجة واحدة… ده صوت نهاية سليم زهران.”
​قبل ما نور تتحرك، النور انقطع عن القصر كله فجأة، وساد الضلام الدامس مفيش فيه غير ضوء القمر الضعيف اللي رامي ظلال الشجر على الحيطة. وفي نفس الثانية، صوت ضرب نار كثيف وسريع ملى الجو برة، وصوت صراخ وجري ورجال بتنادي على بعضها.
​نور صرخت بخفوت من المفاجأة، بس في ثانية واحدة كانت إيد يونس القوية لفت حوالين وسطها وضمتها لصدره العريض، وحست بضربات قلبه القوية والمنتظمة اللي بتوحي بثبات غريب. همس جنب ودنها ببحته الرجولية الدافية:
​”متخافيش واصل… الصقر واجف على رجله.”
​شالها بخفة ورشاقة ووداها لحد باب الحمام الصغير الملحق بالمكتب، ودخلها وقفل الباب عليها وهو بيقول من ورا الخشب بصوت آمر وصارم:
​”حسك عينك تفتحي الباب لأي حد… حتى لو سمعتي صوتي أنا شخصياً، متفتحيش إلا لما أنده عليكي باسمك. فاهمة يا نور؟”
​نور سكتت من رعبها وضمت نفسها ورا الباب وهي بتسمع صوت خطوات يونس الثقيلة وهي بتبتعد برة المكتب، وصوت تعمير سلا*حه الفضي رن في ودنها كأنه إعلان لبداية النهاية.
​ضرب النار برة بقى زي الإعصار، وصوت يونس الهواري وهو بيزعج ويؤمر رجالته بلهجته الصعيدية الواعرة كان بيهز جدران المكتب. نور حطت راسها بين ركبها ودموعها نزلت بصمت، ويدها راحت تلقائياً لقلبها اللي بقى يدق باسم الصعيدي اللي مكنتش تطيق مظهره في المصعد… وبقى الحين هو الراجل الوحيد اللي مستعدة ترمي نفسها في وسط النار عشان يفضل عايش.
المكتب كان بيتهز مع كل طلقة بتطلع برة، ونور كانت عاصرة عيونها في الضلمة، كأنها بتحاول تختفي جوة جدران الحمام الضيق. الصوت كان غريب، خليط من رعب الرصاص وصوت ريح الليل اللي بتخبط في الشجر برة. كانت بتفكر في يونس، في كتفه المصاب اللي لسه مطهر ملقاش وقت يرتاح، وفي هيبته وهو واقف بسلا*حه الفضي وصدره المفتوح للموت عشان يحميها.
​فجأة… ضرب النار برة بدأ يهدى ويسكت تدريجياً.
​السكوت اللي حل بعد العاصفة كان أصعب بكتير. ساد صمت قاتل ملوش آخر، ونور كانت بتتنفس ببطء شديد، وودنها ملتصقة بباب الخشب، بتحاول تلقط أي نبرة، أي خطوة.
​سمعت صوت خطوات تقيلة وجافة بتدخل المكتب برة. الخطوات كانت بطيئة ومترددة، مش خطوات يونس الواثقة اللي بتهد الأرض.
​وقف صاحب الخطوات قدام باب الحمام بالظبط. نور كتمت أنفاسها بإيدها، والدموع جمدت في عيونها من الرعب. مقبض الباب بدأ يتحرك ببطء… حد بيحاول يفتحه من برة، بس الباب كان مقفول بالترباس من جوة.
​صوت نفس خشن وضيق جه من ورا الباب، وراه نبرة غل وحقد مألوفة جوي… كان “سليم زهران”:
​”نور… أنا خابر إنك جوة يا بت الناس. افتحي بالذوق بدل ما أطير الباب ده برصاصة وأطير راسك معاه. يونس الهواري ورجالته انتهوا برة، ومحدش واجف معاكي الحين.”
​نور قلبها سقط في رجليها. هل فعلاً يونس جرى له حاجة؟ هل الصقر وقع؟
​قبل ما سليم يكمل كلامه أو يمد إيده على الزناد، صوت هبدة قوية هزت المكتب برة، وصوت جسم بيتزق بعنف على الحيطة الخشب.
​”وعاد مفكر دار الهواري ملهاش صاحب يا ولد زهران؟”
​صوت يونس! النبرة الرجولية الواعرة، المليانة غضب وثقة تزلزل جبال.
​نور شهقت بفرحة ودموعها نزلت وهي سامعة صوت يونس وهو بيطبق على خناق سليم. صوت ضرب وعنف ملى المكتب برة، وصوت سليم وهو بيصرخ بوجع ويحاول يفلت من إيد يونس القوية اللي كانت شبه الكلبشات الحديدية.
​يونس بلهجة صعيدية حامية تطلع شرار:
​”أنت مفكر إنك واصل بفلوسك وناسك؟ الحين الكبار اللي كنت بتتحامى فيهم سحبو يدهم منك بعد ما الملفات بقت في يد النيابة العامة بوزارة الداخلية… ورجالتك برة كلهم متكتفين في الحوش تحت رجلين صبياني. انتهيت يا سليم… وقبرك حفرته بيدك اهني في الصعيد.”
​سليم وهو بيلهث وبيتكلم بصعوبة وهو تحت إيد يونس:
​”مش هترتاح يا يونس… البنت دي مش هتبقى ليك!”
​يونس رد بصوت واطي ومبحوح، بس هز كيان نور اللي ورا الباب:
​”البنت دي في حمايتي… والكلمة دي تمنها رقبتي ورقبة عيلة الهواري كلها. غور من وشي.”
​سمعت نور صوت خطوات رجالة كتيرة بتدخل وسحبت سليم وهو مكسور وبيجر أذيال خيبته برة القصر عشان يتسلم للشرطة اللي كانت محاوطة المكان من برة بعد ما يونس رتب كل شيء مع الجهات الرسمية.
​الصمت رجع تاني للمكتب، بس المرة دي كان صمت دافي ومريح.
​خبطتين خفاف وعلى الهادي جم على باب الحمام، وصوت يونس الهمس رجع يملى المكان بحنية صعيدية أصيلة:
​”نور… اطلعي يا بت الناس. الصقر خلص صيده، والأمان رجع لدارك.”
​نور فتحت الترباس بسرعة وإيدها بتترعش، وفتحت الباب.
​كان واقف قدامها، وشه عليه عفرة بسيطة من التراب، والقميص الأسود متبهدل، بس عيونه الكحلية كانت بتلمع بهدوء وراحة غريبة أول ما وقعت عليها.
​نور متمالكتش نفسها، ومن كتر الضغط العصبي والخوف اللي عاشته ليلتها، حست إن الدنيا بتلف بيها، وقبل ما تقع على الأرض، يونس لمح هبوطها وبسرعة البرق، وبدون ما يلمسها بشكل مباشر، سحب الكرسي الفخم اللي وراه وزقه بنعومة تحتها عشان تسند عليه، وسند كتفها بطرف العباية اللي كان لابسها فوق قميصه لحد ما استعادت توازنها وجلست وهي بتتنفس بصعوبة.
​يونس خطى خطوة لورا فوراً، وحط إيديه ورا ضهره التزاماً بوقاره وصعيديته اللي بتمنعه يتجاوز حدوده مع حرمة مش من حريمه، وبص لها بعيون مليانة قلق دافيء بس مغلف بالبرود:
“شد حيلك يا بت الناس… الوعر كله فات، ومبقاش باجي غير الطين اللي هيتلم فيه سليم زهران. ارتاحي واشربي مية.”
​نور رفعت راسها وصدرها بيعلو ويهبط، وبصتله بعيون لسه مدمعة بس لمع فيها عنادها الغجري من تاني، وقالت بصوت مبحوح وهي بتعدل وقفتها بكبرياء:
“أنا كويسة… مفيش داعي للقلق ده كله يا هواري. أنا صحفية ومش من أول قلم يغمى عليا، ده بس… هبوط مفاجئ من قلة الأكل.”
​يونس مالت شفايفه بابتسامة سخرية خفيفة، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة صعيدية تقطر ثقة:
“هبوط برضه؟ قولي خوف… قولي إن قلبك الرقِيق ده مستحملش هيبة الصعيد ورجالها. على العموم، المحروس سليم زهران الحين في عربية الترحيلات، والملفات اللي على الفلاشة بقت في يد وكيل النيابة ومستندات الإدانة قفلت عليه كل الأبواب. يعني تقدري تجولي إن قضيتك كسبت، واسمك بكرة هينزل في الصفحة الأولى.”
​نور وقفت على رجليها، ورجعت خصلة متمردة من شعرها ورا ودنها ببرود مصطنع عشان تداري دقات قلبها اللي كانت لسه سريعة بسبب قربه، وقالت بعناد:
“تعبك مش هنساه يا يونس بيه… وجميلك ده فوق راسي. بس دلوقتي، بما إن اللعبة انتهت وسليم زهران بقى ورا القضبان، أظن ملوش لازمة وجودي هنا في قصرك. تليفوني يرجعلي، وبكرة الصبح دلني على الطريق لمحطة القطار عشان أرجع مصر.”
​يونس ضيق عيونه الكحلية، ونبرة صوته رجعت هادية وصارمة زي جبال الصعيد:
“قطار إيه اللي تركبيه لِحالك يا بت الناس؟ يونس الهواري ميسيبش حرمة دخلت حمايته تسافر لوحدها في غبش الليل أو عفرة النهار. تليفونك هتاخديه بكرة الصبح… وهمام ورجالتي هياخدوكي في العربية الكبيرة لحد باب بيتك في المحروسة، معززة مكرمة.”
​نور رفعت حاجبها بتحدي وعناد صعّب الأمور بينهم:
“وأنا مباخدش أوامر من حد يا يونس! قولتلك أنا صحفية وبسافر بلاد وبدخل وسط خطر، مش محتاجة حراسة ولا عربيات كبيرة.”
​يونس قرب منها خطوة واحدة، وطول قامته وهيبته فرضت الصمت في الأوضة، وبص في عيونها مباشرة وقال بكلمات واضحة وقوية هزت كيانها:
“في المحروسة بتاعتك اعملي اللي يريحك… بس طول ما رجلك على أرض الهوارية، كلمتي هي اللي بتمشي، وده للأصول مش فرض سيطرة. رجوعك بكرة لبيتك وسط أهلك هو الصح عشان نطمن عليكي.”
​نور سكتت وبصت للأرض، حاسة بصراع غريب جواها؛ عقلها عايز يرجع لحياتها وشغلها في القاهرة ويبعد عن الراجل ده اللي بيلغي تفكيرها بنظرة، وقلبها لأول مرة كان حاسس بأمان غريب في وسط ضرب النار لمجرد إنه كان واقف ورا الباب بيحميها لكنها في الأخر كانت أمانه وهو صانها.
​صباح اليوم التالي – الوداع الصامت
​الصبح طلع ونور كانت واقفة عند بوابة القصر الكبيرة، لابسة هدومها وجاهزة للسفر. همام كان واقف جنب العربية السوداء الضخمة ومجهز كل حاجة.
يونس خرج من باب القصر، لابس جلبابه الصعيدي الوقور وشاله على كتافه، ملامحه كانت هادية ومفيش فيها أي تعبير، بس عيونه كانت بتقول كلام كتير ملوش آخر.
​وقف على مسافة متر منها، ومد إيده بالتليفون بتاعها وقال بوقار:
“ده تليفونك يا نور… الأمان رجع ليكي ولبلدك. تقدري ترجعي الحين وانتي رافعة راسك.”
​نور أخدت التليفون ببطء، صوابعهم متلمستش بس النظرة اللي بينهم كانت أعمق من أي لمسة. بصتله بعنادها المعتاد بس بنبرة فيها رجاء خفي:
“شكراً يا يونس… على كل شيء. حكايتك وحكاية الصعيد دي مش هتنزل في الجرنان… دي هتفضل في مكان تاني.” وأسفة على اي كلام صدر مني مع صحابي وقت ماشوفتني انتو بجد شرف ورجالة فوق الدماغ
​يونس ابتسم بوقار وهز راسه:
“توصلي بالسلامة يا بت الناس.”
​ركبت العربية، والباب اتقفل، وتحركت العربية وسابت قصر الهوارية وراها. نور بصت من الشباك لآخر لحظة، شافت يونس واقف في مكانه بيبص على أثر العربية، هيبته وصمته وعناده كانوا آخر حاجة شافتها وهي بتودع أرض الصعيد… والاتنين عارفين إن العناد ده مش نهاية الحكاية، بل هو البداية لحرب تانية خالص، حرب القلوب اللي مبتسلمش بسهولة.
​
يتبع حكايات مايا خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *