اخو جوزى 2 امانى سيد
وقفت مكاني مذهولة، والدم جف في عروقي وأنا شايفة أم سليم والرجالة اللي معاها. حاولت أستجمع ثباتي بسرعة وأداري رعشة إيدي، فزعقت بصوت عالي عشان ألم الجيران وأعمل نفسي الضحية:
“جرى إيه يا أم سليم؟ داخلة عليا ببلطجية في بيتي وشقتي؟ احترمي حرمة بيت أخو جوزك الله يرحمه، ونادي على أنور يشوف المهزلة دي!”
ضحكت أم سليم بصوت عالي ومليان شماتة وغل، وقربت مني خطوة وهي بتبص للفستان والمكياج اللي أنا عاملاه:
“أنور؟ أنور اللي كنتِ مستنياه يكتبلك الشقة ويكتب عليكي النهاردة؟ تحبي أقولك هو فين دلوقتي؟ جوزي العزيز زمانه في القسم بيتحقق معاه بتهمة خيانة الأمانة والتزوير في حسابات الشركة اللي شغال فيها، بعد ما سحبتِ رجله وخلتيه يسرق من ورايا ومن ورا أهله عشان يشتريلك الهدوم والشنط ويكتبلك الشقة!”
نزلت الكلمات عليا زي الصاعقة. حسيت إن الأرض بتلف بيا. أم سليم كملت كلامها وهي بتلوح بالورق اللي في إيدها:
“فاكرة نفسك ناصحة؟ نسيتِ إن تليفون جوزي مربوط بحساب العيلة؟ الصور الرومانسية اللي كنتِ متصوراها معاه على النيل ومفتخرة بيها، نزلت علطول على النسخة الاحتياطية وشوفتها قبل ما تفكري حتى تستغليها. ومن يومها وأنا مراقباكم خطوة بخطوة، وعرفت إنك بتسوقيه يسرق عشان يرضيكي، وبلغت صاحب الشركة وقدمتله الدليل اللي يثبت سرقته عشان أربيه وأربيكي معاه!”
بصيت للرجالة اللي واقفين وراها، وقولت بصوت مرعوش بحاول أخليه قوي:
“ولو كان أنور في القسم، الشقة دي باسمي أنا وولادي، ومتقدريش تخرجيني منها!”
أحد الرجالة اللي مع أم سليم—واللي اتضح إنه المحامي بتاعها—قرب ورفع ورقة تانية وقال ببرود:
“عقد البيع اللي أنور كتبهولك باطل يا مدام، لأن الشقة دي من الأساس مكتوبة باسم أم سليم بعقد مسجل في الشهر العقاري من خمس سنين، وأنور مكنش يملك فيها شبر واحد عشان يبيعهولك أو يكتبه باسمك. الورقة اللي معاكي دي متبلش بيها غسيلك.”
في اللحظة دي، حسيت بالدنيا بتسود في عيني. الخطة اللي رسمتها بدقة، والدلع، والصور، والشعر المصبوغ، والانتصار اللي عشته في المول.. كله انهار في ثواني فوق دماغي.
أم سليم بصتلي وعينيها بتطق شرار وقالت بلهجة مفيهاش أي رحمة:
“قدامك بالظبط أربع وعشرين ساعة يا أميرة.. تلمي شنطك وهدومك وعيالك وتغوري من العمارة دي كلها، وإلا هرمي حاجتك في الشارع وأعملك محضر طرد وتعدي على ملك الغير بالبلطجية دول. فرجتِ عليا الناس في المول؟ أديني هفرّج عليكي العمارة والمنطقة كلها والكل هيعرف حقيقتك وحقيقة موت أخو جوزك اللي فرحتِ فيه!”
مشيت أم سليم ورزعت الباب وراها، وسبتني واقفة في وسط الصالة بترعش من الصدمة والخوف. تليفوني رن في جيبي، بصيت للشاشة لقيت رقم غريب، فتحت الخط وأنا بنهج.. وجالي صوت أنور المكسور والمذلول وهو بيكلمني من القسم وبيستنجد بيا..
كان صوت أنور طالع من التليفون مخنوق، باكي، ومكسور كسر عمري ما تخيلت إن راجل بشنباته ممكن يوصله.
“أميرة.. الحقيني يا أميرة. أنا متبهدل هنا في الحجز والكلابشات في إيدي.. مراتي خانتني وبلغت عني، وصاحب الشغل مش عايز يتنازل إلا لما يدفعوا ربع مليون جنيه عجز في العهدة.. كلمي حد من أهلي، اتصرفي، بيعي أي حاجة من الشنط والدهب اللي جبتهملك، أنا ضعت يا أميرة!”
وقفت مكاني والدموع متجمدة في عيوني، بس مكنتش دموع حزن عليه.. كانت دموع رعب على نفسي. الفلوس؟ الشنط؟ الدهب؟ كل اللي جابهولي ما يجيش تمنه خمسين ألف جنيه على بعضه، وحتى دول لو بعتهم، هعيش أنا وعيالي منين وأنا هترمي في الشارع بعد أربع وعشرين ساعة؟
أول ما حسيت بالخطر بياكلني، قلبت وشي التاني علطول. سحبت نفس طويل وقولتله ببرود ونبرة خالية من أي مشاعر:
“وأنا مالي يا أنور؟ أنا اللي قولتلك اسرق؟ ولا أنا اللي قولتلك امضي على ورق مش ملكك؟ أنت اللي جيت ورايا بدلعك وجريت ورا شهواتك لحد ما ضيعت نفسك وضيعتني معاك! أنا ست غلبانة وعندي كوم لحم وعايزة أربيهم، ماليش دعوة بمشاكلك مع مراتك ولا بقضايا السرقة بتاعتك!”
أنور سكت لثواني كأنه مش مصدق الرد، وبعدين صرخ في التليفون بصوت هز ودني:
“أنتِ بتقولي إيه يا فاجرة؟ ده أنا سرقت عشانك! ده أنا بهدلت مراتي وعيالي عشان أرضيكي! ده أنتِ اللي كنتِ بتتميلي عليا وتغريني بلبسك وشعرك وتوقعي نفسك عليا! بقيتي دلوقتي مالكيش دعوة؟”
قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع كلمة زيادة، وعملتله بلوك علطول. قعدت على الكنبة وأنا بنهج، وعقلي بيشتغل بسرعة جنونية زي المكنة. الوقت بيجري.. الساعة بتعدي، وقدامي أقل من يوم واحد عشان أخرج من الشقة دي قبل ما أم سليم تجيبلي البلطجية وقرايبها ويطردوني فضيحة قدام المنطقة كلها.
بدأت ألم في الشنط بهستيريا.. ألم لبسي ولبس العيال، الدهب البسيط اللي حيلتي، وأي حاجة ليها قيمة في البيت أقدر أبيعها وأعيش منها الفترة الجاية. العيال كانوا واقفين حواليا بيعيطوا من الخضة ومش فاهمين إيه اللي بيحصل، وأنا بزعق فيهم وأنا بلم الهدوم بلهوجة.
نزلت الشنط في نص الليل في سرية تامة عشان محدش من الجيران يشوفني ويشمت فيا. أخدت تاكسي ورحت لبيت أختي في منطقة شعبية بعيدة تماماً عن العمارة. وطول الطريق، كنت باصة من شباك التاكسي والغل بياكل في قلبي. أنا؟ “أميرة” اللي كانت هتبقى هانم العمارة والكل يعملها حساب، أترمي الرمية دي وأرجع لبيت أختي مكسورة ومعايا عيال وفي إيدي شنط هدوم؟
مر كام يوم وأنا قاعدة عند أختي زي اللقمة في الزور. جوزها بدأ يضيق عينه من وجودنا، وأنا فلوسي بتخلص ومبقاش معايا غير ملاليم.
وفي يوم، كنت قاعدة بقلب في فيسبوك بنفس مكسورة، لحد ما عيني جت على صفحة أخبار المنطقة القديمة بتاعتنا. لقيت خبر نزل وصور هزت بدني كله.
الخبر كان بيتكلم عن قض*ية أنور الكبيرة، وصورته وهو متبهدل والكلابشات في إيده، ومكتوب إن أهله رفضوا يدفعوا قرش واحد عشان يخرجوه بعد ما عرفوا الفضيحة، وإن مراته “أم سليم” رفعت عليه ق*ضية خلع وتنازلت عن كل حاجة بس تخلص منه ومن قرفه وقرف عمايله.
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش هنا.. الصدمة كانت في الكومنتات تحت الخبر.
ناس كاتبين تفاصيل الفضيحة بالكامل، وواحد كاتب كومنت باسمي الصريح:
“السبب في خراب البيت ده كله هي الحرباية مرات أخوه الله يرحمه، كانت بتلف عليه لحد ما وقعته وسرق عشانها، وأهو هو دخل السجن وهي اتمسحت بكرامتها الأرض واتطردت في نص الليل زي الكلاب الجربانة!”
الناس بدأت تعملي “منشن” والكل بقى يشتم فيا وفي سمعتي، والخبر بدأ يوصل لبلدنا ولأهلي وأهل جوزي الله يرحمه.
وقفت مكاني والتليفون هيقع من إيدي، وحسيت إن حبل المشنقة بيقرب من رقبتي. مفيش مكان أروحه، سمعتي بقت في الأرض، والكل بقى يشاور عليا بالصوباع..وفجأة، الباب خبط بقوة وعنف.. وجوز أختي دخل الصالة وعينه بتقد شرار وهو ماسك تليفونه وشايف الفضيحة..