حجابي 2 حكايات زهرة

الباب الداخلي لمكتب رئيس مجلس الإدارة اتفتح، وخرج منه راجل في الخمسينات من عمره، شعره فيه طيبة وهيئة هيبة وحزم في نفس الوقت، ولابس بدلة أنيقة جدًا. أول ما الراجل ده خرج، المدير التنفيذي بتاع الشركة وجميع الموظفين وقفوا احترامًا ليه. الراجل مشي بخطوات هادية، وبدأ يبص على المتقدمات للوظيفة المكتظين في الصالة.
عينيه جات عليا، وبعدين راحت لنادر اللي كان ماسك إيدي ومصموم في أرضه. الراجل ده قرب مننا بالراحة، وملامح وشه بدأت تتغير من الجدية الصارمة لابتسامة دهشة وفرحة مش طبيعية!
قرب مني خطوتين وقال بنبرة صوت مليانة ذهول واهتمام
أنتي.. أنتي يا بنتي.. أنتي بنت الأستاذ عبد الرحمن الفيشاوي؟
أنا اتفاجئت، ونادر فك إيدي من الصدمة وبص للراجل بذهول. رديت باستغراب وهدوء
أيوا يا فندم.. أنا منال عبد الرحمن الفيشاوي.. بس حضرتك تعرف بابا

منين؟ الله يرحمه.
الراجل اتنفس ببطء، وعينيه أدمعت دموع محبوسة، وقرب وسلم عليا باحترام شديد وقال وهو بيهز رأسه بقلة حيلة ونبرة مؤثرة
الله يرحمه ويغفرله.. عبد الرحمن ده كان أستاذي وصاحب الفضل عليا بعد ربنا في بداياتي. الراجل الطيب الأنيق اللي كان دايماً يوصينا بالدين والأخلاق والكرامة.. أنتي شبهه أوي يا بنتي، نفس الملامح ونفس الهيبة والنظرة.
نادر كان واقف زي الأصنام، ريقه جف وشهق بصوت واطي مش فاهم حاجة. المدير التنفيذي جرى بسرعة على رئيس مجلس الإدارة وقال بتوتر
دكتور ممدوح.. حضرتك شرفت! إحنا كنا بنجهز عشان نبدأ الانترفيو ونفرز المتقدمات حسب الشروط القياسية للشركة.
دكتور ممدوح بص للمدير التنفيذي بنظرة حادة وباردة للغاية، وسأله بصرامة هزت القاعة كلها
شروط قياسية؟ شروط إيه دي يا أستاذ حسام؟
المدير التنفيذي اتهته وارتبك وقال وهو بيبلع ريقه بتوتر
يعني يا فندم.. الشروط بتاعة المظهر العام للوظيفة دي تحديدًا.. الاستقبال والعلاقات العامة.. حضرتك عارف المقاييس اللي اتفقنا عليها إن المتنافسات يكونوا بستايل مودرن ومن غير حجاب عشان يمثلو الواجهة المكانية للشركة!
المكان كله سكت، والهدوء بقى هو السيد. دكتور ممدوح عينيه وسعت بغضب مكتوم، وشاور بإيده وهو بيبص للمدير التنفيذي بكل حدة وقسوة وقال بصوت جهوري سمع كل الناس اللي واقفين
شروط مين يا أستاذ؟! مين اللي حط المهزلة دي هنا؟! هو إحنا شركة ملابس ولا شركة إدارة واستشارات مالية؟! هي الكفاءة واللغات والخبرة بقت تتقاس بتغطية الراس ولا باللي جوة الراس؟!
المدير التنفيذي وشه اصفر، وقال بصوت متلجلج
يا فندم ده السيستم اللي صاحبي في فرع دبي اقترحه عليا وأنا…
قاطعه دكتور ممدوح بصوت وزنه دهب وصرامة تهز جبال
السيستم ده يتلغي فورًا وميتبصش فيه تاني! الشركة دي أنا اللي بنيتها من الصفر، وقايمة على احترام الناس وكفاءتهم، مش على المظاهر الجوفاء ولا المهن الرخيصة! أي واحدة متقدمة للوظيفة دي هتتقيم بناءً على سي في بتاعها، على لغاتها، ومهاراتها، مش على هي حاطة إيه على شعرها!
لف دكتور ممدوح وبصلي، وابتسامه دافية وجميلة ظهرت على وشه وقال بصوت عالي كأنه بيعلن قرار رسمي
يا بخت الشركة لو بنت الأستاذ عبد الرحمن اشتغلت فيها.. أنتي يا بنتي من غير انترفيو ولا اختبارات شكليات، أنا مراجع ملفك بنفسي وعرف إن معيكي لغتين ممتازين وتقديرك عالي جداً. وظيفة مدير قسم العلاقات العامة والتطوير ملكك من النهاردة، بمرتب الضعف عن اللي كان مكتوب في الإعلان كمان.. عشان المكان هو اللي يتشرف بيكي وبأخلاقك وحجابك اللي مرفوع على رأسك زي التاج.
الصدمة كانت أكبر من إن حد يستوعبها!
لمحة نيوز
الصالة كلها انفجرت بتصفيق حار من البنات المتقدمات اللي كانوا خايفين ومضغوطين من الشرط ده. أنا دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة وشكر لله، رفعت رأسي للسما وقلبي بيدعي ويسبح بفضل ربنا اللي عمره ما بيضيع حد يمسك بدينه وكرامته.
بصيت جنب مني.. نادر كان واقف زي الفرخة المبلولة. وشه أحمر من الخجل والكسوف، عينيه مش قادرة تترفع في عينيا ولا في عينين رئيس مجلس الإدارة. الراجل اللي هددني إنه يرميني أنا وابني في الشارع عشان حتة قماشة، واقف دلوقتي مصدوم وشايف نفس حتة القماشة دي وهي بتفتحلي أكبر أبواب الرزق والكرامة والاحترام!
دكتور ممدوح بص لنادر واستغرب وجوده وهو واقف جنب مني متوتر وبيعرّق، وسألني باهتمام
مين الأستاذ يا بنتي؟ هو المندوب اللي جاي معاكي ولا قرايبك؟
نادر بلع ريقه بسرعة وكان لسه هيفتح بقه ويقول بثقة مزيفة أنا جوزها..، بس أنا سبقت بصوت هادي، ناعم، بس ثقيل زي

الجبل، وقولت
ده.. الأستاذ نادر.. كان جاي بس يوصلني للشركة عشان يطمن إن الشروط انطبقت عليا، وكان فاكر إن حجابي هيكون عائق بيني وبين مستقبلي.
دكتور ممدوح بص لنادر بذكاء وفهم اللقطة كلها من نبرة صوتي ومن توتر نادر الملحوظ. هز رأسه بأسف ونظرة احتقار خفيفة، وقال لنادر بكلمتين يقطعوا العصب
يا أستاذ.. الراجل الحقيقي هو اللي بيصون مراته ويكون لها درع وسند، مش اللي يطلب منها تتنازل عن قيمتها عشان الفلوس.. الفلوس بتروح وتيجي، بس الكرامة والدين لو راحوا، مفيش مال الدنيا يقدر يرجعهم.
نادر حس كأن قلم نزل على وشه قدام الكل. مقتدرش ينطق ولا كلمة، نزل رأسه في الأرض وانسحب ببطء من الصالة وهو بيجر ذيول الخيبة والعار.
رجعت بعد اليوم الطويل ده البيت.. كان يوم مليان مشاعر. أول ما فتحت باب الشقة، لقيت نادر قاعد في الصالة في الضلمة، رأسه بين إيديه. أول ما سمع صوت الباب، قام جرى عليا وشكله مكسور وجاهز يعتذر.
قرب مني بلهفة والدموع في عينيه وقال بنبرة ترجي
منال.. أنا آسف. أنا كنت غبي وعيني كانت عمياء بالفلوس والضغط. الشيطان دخل بيننا.. سامحيني يا منال، أنا عرفت قيمتك وقيمة حجابك النهاردة.. إنتي طلعتي أرجل مني وأحسن مني بمليون مرة.
بصيتله بهدوء شديد، وقعدت على الكنبة وأنا بحط مفاتيح الشقة على الترابيزة. اتنفست بعمق وقولتله
نادر.. أنا سامحتك على الكلام الجارح، لأن ربنا غفور رحيم.. بس المشكلة مش في المسامحة. المشكلة في الشروخ اللي اتعملت في الثقة.
نادر قعد تحت رجلي ومسك إيدي بلهفة
قصك إيه يا منال؟ هتسيبيني؟
رديت عليه بوضوح وصرامة
أنا مش هسيب بيتي عشان خاطر سيف ابني، وعشان أنا أتربيت في بيت بيصون العشار.. بس الشغلانة دي أنا هعملها، ومرتبي هيبقى ليا ولابني ولبيتنا بالحق. وإنت يا نادر.. قدامك فرصة أصلح فيها اللي اتكسر. هتراجع نفسك، وتعرف يعني إيه راجل يعول بيته بشرق وكبرياء، مش راجل بيستسهل ويدوس على كرامة مراته ودينها عشان قرش زيادة. لو أثبتلي إنك اتعلمت الدرس بجد، حياتنا هترجع.. لو فضلت شايف إن القرش أركب من المبدأ، يبقى كل واحد فينا يروح لحاله بكرامته.
نادر هز رأسه بسرعة والدموع في عينيه
موافق.. موافق على أي حاجة تقوليها يا منال.. أهم حاجة متضيعيش مني.
ومن اليوم ده.. حياتي اتغيرت تمامًا. بدأت شغلي في الشركة، و أثبت كفاءتي بجدارة وحجابي مكنش في يوم عائق، بالعكس، كان مصدر احترام وهيبة ليا قدام الكل. ونادر.. اتعلم الدرس القاسي ده، وبدأ يغير من نفسه ومن نظرته للأمور، وعرف إن الكرامة والدين مش حاجات للبيع والشرا.
العبرة
عمر الحجاب أو الالتزام بشرع ربنا ما كان سبب في قطع رزق حد، لأن الرزاق هو الله مش البشر. واللي يتنازل عن مبادئه ودينه عشان يرضي خلق، بيخسر كل حاجة في الآخر.. لكن اللي بيتمسك بحقه ودينه بثبات، ربنا بيكافئه وبيرفعه في الدنيا والأخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *