مراتي كانت كل ما امي تزورنا 2
الجزء الثالث:
كان عقرب الساعات يقترب من الحادية عشرة والنصف، والوقت يمر كالسيف يقطع أنفاسي. نظرت إلى زوجتي الباكية على الأرض، ثم إلى الكتابة الحمراء على الحائط. لم يكن أمامي رفاهية التردد؛ فكل دقيقة تمر تقرب أمي من مصير مجهول.
ساعدت زوجتي على النهوض، وقلت لها بنبرة حاسمة:
— مش هينفع تسيبيني هنا، ومش هينفع تقعدي في الشقة دي ولا شقتنا. هتنزلتي تقعدي في العربية، وتقفلي الأبواب عليكِ من جوه، وم تفتحِيش لأي مخلوق مهما حصل لحد ما أرجعلك.
أومأت برأسها وهي ترتجف من الصدمة. نزلنا سريعًا، وركبتْ السيارة وأغلقت الأبواب كما اتفقت معها. أما أنا، فتحركت سيرًا على الأقدام نحو المقابر القديمة التي لم تكن تبعد سوى عشر دقائق عن سكن أمي. كانت المنطقة هناك عبارة عن متاهة من الشواهد القديمة والأزقة الضيقة التي يلفها الظلام، ويزيد من وحشتها هدوء الموت السائد.
أخرجت كشاف هاتفي، ووضعت يدي في جيبي أتفحص المفاتيح الأثرية الثلاثة؛ أحدها كان كبيرًا وذو أسنان غريبة، والآخران أصغر حجمًا. طوال طريقي، كان السؤال ينهش عقلي: ما الذي تركه والدي قبل عشرين عامًا وجعل أولئك الأشخاص يعودون الآن؟ ولماذا كانت أمي تدفع تلك المبالغ الضخمة بالدولار؟ هل كانت تشتري وقتًا لحمايتي؟
دخلت من البوابة الرئيسية للمقابر. كان الجو شديد البرودة على غير العادة، والضباب الخفيف يحجب الرؤية. بدأت أتحرك بين المدافن وعيني تراقب الساعة؛ الحادية عشرة وأربعون دقيقة.
فجأة، سمعت صوت خشخشة خلفي. التفتُّ بسرعة ووجهت ضوء الكشاف، لكنني لم أرَ شيئًا سوى ظلال شواهد القبور التي بدت كأشباح واقفة. أسرعت بخطواتي نحو مدفن عائلتي القديم، وهو مدفن مغلق ببواب حديدية يعود لتاريخ قديم جداً.
عندما وصلت، وجدت باب المدفن الحديدي مواربًا، وبقع دم جديدة منقّطة على الأرض تؤدي إلى الداخل. تسارعت ضربات قلبي لدرجة شعرت معها بالاختناق. دفعت الباب الحديدي الذي أصدر صريرًا حادًا شق صمت المكان.
وجهت الكشاف لأسفل السلالم المؤدية إلى قبو السرداب السفلي. نزلت خطوة تلو الأخرى، والرائحة بالداخل كانت مزيجًا من التراب والرطوبة وشيء آخر نفاذ. في نهاية السلم، رأيت ضوءًا خافتًا ينبعث من غرفة الدفن الداخلية.
تقدمت بحذر، ووجدت أمي جالية على كرسي خشبي قديم، مقيدة اليدين والقدمين، وعلى فمها شريط لاصق. كانت عيناها متسعتين من الرعب، وعندما رأتني بدأت تهز رأسها بعنف وكأنها تحذرني من شيء ما وراء وظهري.
وقبل أن أخطو خطوة واحدة نحوها، شعرت بضربة قوية على مؤخرة رأسي. سقطت على الأرض، وترنحت الرؤية أمامي، وسقط الكشاف من يدي ليضيء زاوية الغرفة.
سمعت صوت خطوات تقترب مني، ثم صوت حذاء ثقيل يتوقف عند رأسي. بحر جهد كبير، رفعت عيني لأرى رجلًا يرتدي معطفًا أسودًا طويلًا، وجهه مغطى بنصف قناع، لكن عيناه كانت مألوفتين بشكل مرعب… كانت فيهما نفس نظرة والدي الحادة، نفس الجحوظ ونفس اللون.
قال الرجل بصوت رخيم وهادئ يحمل نبرة تهكمية:
— أهلًا يا أحمد… كبرت وأصبحت تشبه والدك كثيرًا في ملامحه… وفي غبائه أيضًا.
حاولت النهوض وأنا أتحسس مكان الضربة:
— أنت مين؟ وعايز إيه من أمي؟ الفلوس اللي كانت في الظروف معاها اهي… سيبها تمشي.
ضحك الرجل ضحكة ساخرة zat صدى خاوٍ في السرداب:
— الفلوس؟ هل تظن أننا نهتم بالورق؟ تلك الأموال كانت مجرد “أرضية” تدفعها والدتك شهريًا لتعوض جزءًا من الخسائر التي تسبب فيها أبوك للجمعية قبل عشرين عامًا. نحن نريد الأمانة الحقيقية… التي تفتحها المفاتيح التي في جيبك الآن.
نظر إلى ساعته وقال:
— بقيت عشر دقائق على منتصف الليل. المفاتيح التي معك تفتح صندوقًا حديديًا مدفونًا في هذا الجدار خلف والدتك مباشرة. والدك سرق من السرداب الأثري تحت هذه المقابر مخطوطات وقطعًا لا تقدر بثمن، وأخفاها هنا قبل أن يموت. إذا لم تفتح الصندوق وتسلمني المحتويات الآن… سأدفن والدتك حية في هذا القبر، وسألحق بك وبزوجتك المنتظرة في السيارة لاحقًا.
تأكدت حينها أن هذا الشخص يعلم كل تحركاتي، وأنه كان يراقبنا منذ اللحظة الأولى. نظرت إلى أمي التي كانت تبكي بصمت وتهز رأسها نفيًا، كأنها تخبرني ألا أفعل.
لكن لم يكن أمامي خيار آخر. وقفت على قدمي متثاقلًا، وتحركت نحو الجدار خلف أمي. أزحت بعض قوالب الطوب المفككة كما أشار لي الرجل بمسد..سه، ليظهر خلفها تجويف مظلم يحتوي على صندوق حديدي ضخم ومصفح، يعلوه الصدأ، وبه ثلاثة أقفال متتالية.
أخرجت المفاتيح من جيبي. وضعت المفتاح الأول في القفل العلوي، ودرت به… سُمع صوت تكة قوية. وضعت المفتاح الثاني في القفل الأوسط، ففتح هو الآخر.
بقيت ثوانٍ معدودة قبل منتصف الليل، ويدي على المفتاح الثالث والأخير. نظرت إلى الرجل المقنع، ثم إلى أمي، وشعرت أن فتح هذا القفل لن يكون نهاية الكابوس، بل هو البداية الحقيقية لشيء أكثر رعبًا… ودرت بالمفتاح الثالث لتتحرك التروس الضخمة ويفتح الصندوق ببطء، لينبعث منه بريق غريب غطى على عتمة المكان.
الجزء الرابع (قبل الأخير):
انفتح باب الصندوق الحديدي الثقيل بصرير معدني حاد، وتراجع الضباب الخفيف في السرداب وكأن الغرفة تحبس أنفاسها. انبعث من الداخل بريق خافت، لكنه لم يكن بريق ذهب أو مجوهرات، بل كان انعكاس الضوء على غلاف معدني لكتاب ضخم ومخطوطات جلدية قديمة، بجانبها لفافة قماشية سوداء تفوح منها رائحة كافور وعطارة عتيقة.
تقدم الرجل المقنع بخطوات سريعة، وعيناه تلمعان من خلف القناع بجشع لا يخطئه حدس. دفعني بيده بقوة ليقترب من الصندوق، ومد يده المرتعشة ليلتقط اللفافة القماشية والمخطوطات. في تلك اللحظة، وفي غمرة انشغاله بالأمانة التي انتظرها عشرين عامًا، التقت عيناي بعيني أمي.
كانت تشير بنظراتها بوضوح نحو الأرض، خلف قدم الرجل مباشرة.
نظرت لأسفل، ووجدت قالب طوب إسمنتي ثقيل كان قد سقط من الجدار أثناء فتح التجويف. لم أتردد لثانية واحدة. استجمعت كل ما تبقى لي من قوة، وانحنيت بسرعة لالتقاط القالب، وهويت به بكل عزمي على رأس الرجل من الخلف.
تلقى الضربة وسقط على ركبتيه، وأطلق صرخة ألم مكتومة وهو يمسك برأسه، وسقطت المخطوطات واللفافة من يده على الأرض. وقبل أن يستعيد توازنه، اندفعت نحو أمي، وجذبت الشريط اللاصق عن فمها بسرعة، وبدأت أحل الحبال التي تقيد يديها.
صرخت أمي بصوت مبحوح يملأه الذعر:
— اهرب يا أحمد! سيبني واجري.. ده مش لوحده.. الباب الخارجي هيتقفل علينا!
— مش هتمشي من غيرك يا أمي!
بمجرد أن تحررت يدها، التقطت أمي اللفافة القماشية السوداء والمخطوطات عن الأرض بسرعة لا تناسب سنها، ودفتسها في يد الصندوق الحديدي ثم سحبتني من يدي:
— تعالى ورايا بسرعة من السلم السري.. أبوك عمل حساب اليوم ده!
التفتُّ خلفي لأجد الرجل المقنع يحاول النهوض وهو يترنح، والدماء تسيل من تحت قناعه، لكنه كان يرفع مسد…سه باتجاهنا. أطلق رصاصة دوت في السرداب كصاعقة رعد، لتستقر في الجدار على بعد سنتيمترات من رأسي.
سحبتني أمي خلف جدار جانبي في الغرفة، وضغطت على حجر بارز في الحائط السفلي، فتحرك جزء من الجدار الخشبي القديم ليظهر خلفه ممر ضيق ومظلم للغاية ينحدر لأسفل. دخلنا وأغلقنا الحائط خلفنا تمامًا، لنسير في عتمة مطلقة لا يضيئها سوى كشاف هاتفي الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة وبطاريته على وشك النفاد.
قالت أمي وهي تلهث وتكاد تسقط من التعب:
— الممر ده بيطلع على أرض فضاء ورا المدافن.. لازم نوصل لمراتك بسرعة.
وأحنا نتحرك في الممر الضيق، سألتها والذهول يعصف بي:
— مين الراجل ده يا أمي؟ وإيه المخطوطات دي؟ وأبويا كان شغال في إيه بالظبط؟
بكت أمي بصوت خفيض وقالت:
— أبوك الله يرحمه كان جزء من شبكة دولية لتهريب الآثار والمخطوطات السحرية والأثرية النادرة.. الراجل ده يبقى “عمران”، الشريك القديم لأبوك. قبل عشرين سنة، أبوك عرف إنهم هيغدروا بيه وهيقتلوه بعد ما يوصلوا للمقبرة الكبيرة اللي تحت الأرض هنا، فسبقهم وأخد أهم المخطوطات والمفاتيح وخباها، وضحك عليهم وفهمهم إنها ضاعت.
واستطردت وهي تمسح دموعها:
— لما أبوك مات، عمران رجع و هددني بيك.. قالي لو مدفعتش فدية شهرية هقتلك.. كنت باخد الفلوس اللي أبوك سابها لي في البنك بالدولار وأحطها في ظروف تحت مرتبة سريرك كل ما أزورك، عشان عمران كان مراقب بيتي وبيروح ياخدها من تحت السرير عندك من غير ما تحسوا.. كان بيدخل شقتك كأنه شبح!
تذكرت على الفور كلام زوجتي، وكيف أن الظرف الأحمر وُضع في نفس اليوم. عمران كان يملك نسخة من مفاتيح شقتي، وكان يدخل ويخرج بعلم أمي وتحت تهديدها!
— طب والظرف الأحمر؟
قالت أمي بنبرة مرعوبة:
— الظرف الأحمر ده كارت التهديد الأخير.. عمران حس إن الفلوس قربت تخلص، فقرر ينهي اللعبة ويهددني بيك وبمراتك عشان أقوله على مكان المفاتيح والصندوق.. وهو اللي كتب الرسالة وحطها تحت مرتبتك عشان يجرّك للمقابر هنا.
فجأة، انقطع صوت أمي عندما وصلنا إلى نهاية الممر، ووجدنا أنفسنا نخرج من فتحة ضيقة خلف سور المقابر القديم. كانت السيارة تقف على بعد أمتار قليلة والأنوار مطفأة.
ركضنا نحو السيارة، وطرقت على الزجاج لزوجتي. فتحت الأبواب وهي تصرخ من الفرحة والخوف:
— أحمد! مامتك كويسة؟ الحمد لله!
ركبنا بسرعة، وأدرت محرك السيارة وانطلقت بأقصى سرعة أبتعد عن منطقة المقابر. نظرت في المرآة الخلفية، ولم يكن هناك أي أثر لعمران أو رجاله. تنفست الصعداء لثوانٍ، وظننت أن الكابوس انتهى وأننا في أمان.
التفتُّ إلى المقعد الخلفي لأطمئن على أمي، فوجدتها ممسكة باللفافة القماشية السوداء وتنظر إليها برعب شديد. وجهت نظري للطريق، لكن فجأة.. لمعت أضواء قوية خلفنا.
سيارة دفع رباعي ضخمة سوداء ظهرت من العدم، وبدأت تطاردنا بسرعة جنونية، وقبل أن أتمكن من الانحراف، صدمت سيارتنا من الخلف بقوة جعلت عجلة القيادة تنحرف من يدي، لتنطلق السيارة نحو منحدر مظلم على جانب الطريق وهي تنقلب بنا… وصوت صراخ زوجتي وأمي يملأ المكان قبل أن يطبق الظلام التام على عيني مجددًا.
الجزء الخامس والأخير:
فتحتُ عيني بصعوبة بالغة. كان هناك ثقل شديد يربض على صدري، ورائحة بنزين نفاذة تملأ الأجواء مع تصاعد أبخرة ساخنة من محرك السيارة المقلوبة. الرؤية كانت مشوشة، والدماء تسيل من جبهتي حافرةً طريقها على وجهي.
نظرت بجانبي… كانت زوجتي مغشيًا عليها، لكن جسدها يتحرك بأنفاس متلاحقة وضئيلة. التفتُّ للخلف بذعر؛ كانت أمي ملقاة بين المقاعد، تنزف من رأسها وتئن بصوت واهن للغاية، لكن يدها… يدها كانت لا تزال تتشبث باللفافة القماشية والمخطوطات كأنها تقبض على حياتها.
حاولت تحريك قدمي، ونجحت بعد ألم عاصف في دفع باب السيارة المهشم والزحف للخارج. تلمست الأرض الترابية، وكانت أنوار سيارة الدفع الرباعي تقف على بُعد خطوات أعلى المنحدر، مسلطة كشافاتها العملاقة نحونا كعينين لحيوان مفترس.
نزل “عمران” من السيارة. كان يمسك بقطعة قماش يضغط بها على جرح رأسه الذي سببته له، وفي اليد الأخرى كان يحمل مسد..سه الملعون. تقدم نحوي بخطوات بطيئة وواثقة، ونبرة صوته أصبحت أكثر فظاظة وغلًّا:
— انتهت اللعبة يا أحمد. سلمني المخطوطات واللفافة الآن… ولن أطلق رصاصة أخرى. سأترككم لسيارة الإسعاف، لعل وعسى يعيش أحدكم.
زحفتُ عائدًا نحو باب السيارة، مددت يدي لداخل المقعد الخلفي، وسحبت اللفافة والمخطوطات من يد أمي الواهنة التي فتحت عينيها ونظرت إليّ بنظرة وداع رجتني فيها ألا أستسلم.
وقفتُ على قدمي أترنح، مستندًا على هيكل السيارة المحطم. رفعتُ المخطوطات في الهواء وقلت بصوت حشرجت فيه الدماء:
— تريد هذه؟ عشرون عامًا وأنت تطارد سرًا ليس ملكك؟
— إنها ملك من يدفع ثمنها! سلمها لي! — صرخ وعيناه تتسعان جنونًا وهو يوجه المسد..س نحو صدري مباشرة.
في تلك اللحظة، لمحت شيئًا لم يحسب له عمران حسابًا. لم تكن اللفافة القماشية تحتوي على مخطوطات فقط؛ بل كانت تلف زجاجة معدنية قديمة ومحكمة الغلق، تفوح من فتحتها الصغيرة رائحة مواد بترولية سريعة الاشتعال، وضعها والدي قبل عشرين عامًا كفخ أخير لحماية أمانته إذا ما سقطت في يد الغدر.
نظرت إلى بنزين السيارة الذي يسيل بغزارة تحت قدمي ويصل إلى منتصف المنحدر حيث يقف عمران. أخرجت من جيبي الولاعة الصغيرة التي أحتفظ بها دائمًا، وأشعلتها في ثانية واحدة.
تغيرت ملامح عمران من الجشع إلى الرعب الخالص في لمحة بصر. صرخ:
— لا يا أحمد! ستقتل نفسك!
— بل سأنهي الكابوس الذي بدأه والدي!
ألقيت الولاعة المشتعلة على الأرض. في جزء من الثانية، التهمت النيران خط البنزين السائل، ليمتد اللهب كبرق خاطف صعودًا وهبوطًا. ألقيت بالمخطوطات واللفافة في قلب النار المستعرة، ودفعت بجسدي بكل ما أوتيت من قوة لداخل السيارة فوق زوجتي وأمي لأحميهما بجسدي.
دوى انفجار هائل هز أرجاء المكان. تطايرت شظايا الزجاج والحديد، وارتفعت ألسنة اللهب لتلتهم المخطوطات وتحولها إلى رماد في ثوانٍ معدودة، ومعها انفجرت الزجاجة المعدنية القديمة لتطلق مادة حارقة تطايرت مباشرة على جسد عمران الذي كان يقف فوق بركة البنزين.
تعالت صرخات عمران المرعبة وهو يتحول إلى كتلة من النار، يتخبط بين أشجار المنحدر حتى سقط جثة هامدة متفحمة، وانتهى معه سر “الجمعية” وعشرين عامًا من التهديد والدم.
بعد مرور ثلاثة أشهر…
كنت أجلس في صالة شقتنا الجديدة التي انتقلنا إليها في حي آخر تمامًا، بعيدًا عن كل الذكريات القديمة. جرح جبهتي ترك أثرًا صغيرًا، لكن الجروح الكبيرة في نفوسنا بدأت تلتئم أخيرًا.
خرجت زوجتي من المطبخ وهي تحمل كوبين من الشاي، وبدت ملامحها هادئة لأول مرة منذ تلك الليلة الملعونة. التفتت نحو غرفة المعيشة حيث كانت أمي تجلس على الأريكة، تتابع التلفاز بابتسامة راضية بعد أن استردت عافيتها تمامًا وتخلصت من خوفها المزمن.
قالت زوجتي وهي تضع الشاي أمامي:
— مامتك نامت ساعتين النهاردة في أوضتنا وفضلت صاحية جنبها… مفيش أي قلق تاني يا أحمد.
ابتسمت لها وأمسكت يدها:
— الحمد لله يا حبيبتي… السر اندفن، والظروف انتهت، ومفيش حد هيدخل بيتنا تاني.
نهضت زوجتي لتدخل غرفة النوم لترتيبها. تنهدتُ بارتياح كبير وأنا أشرب الشاي، وظننت أن الحياة ابتسمت لنا أخيرًا بعد كل هذا الرعب.
لكن بعد دقيقة واحدة… سمعت صوت شهقة مكتومة من غرفة النوم، صرخة صامتة جمدت الدماء في عروقي.
ركضت إلى الغرفة بسرعة وجنون. وجدت زوجتي واقفة وممسكة بملاية السرير وهي ترتجف، وعيناها شاخصتان نحو السرير الذي قمنا بشرائه ونقله إلى هذه الشقة الجديدة قبل أسابيع فقط.
نظرت حيث تنظر… كانت المرتبة مرفوعة قليلًا من تلقاء نفسها… وتحتها، كان يقبع ظرف أحمر جديد تمامًا، لم يمسه تراب، ومكتوب عليه بخط حاد وصارم:
“الحساب لم ينتهِ بعد يا أحمد… المخطوطات التي حرقتها كانت مجرد نسخة مقلدة… والأصل لا يزال معي.”