السر خلف الباب حكايات اسما السيد1

  1. كل ليلة، كانت ضرتي الجديدة تحمل وسادتها وتتجه إلى غرفة نومي، ثم تقف عند الباب وتطلب أن تنام بيني وبين زوجي.

في البداية ظننت أنها تحاول استفزازي.

ثم ظننت أنها تريد الاستحواذ على زوجي بالكامل.

لكن في الليلة السابعة عشرة، اكتشفت الحقيقة التي جعلتني أتمنى لو أن شكوكي الأولى كانت صحيحة.

اسمي ليلى، ومتزوجة من سيف منذ سبع سنوات. كنا نعيش في فيلا كبيرة بالتجمع الخامس، وكانت حياتنا هادئة حتى عاد ذات يوم وأخبرني أنه تزوج امرأة أخرى.

اسمها ياسمين.

كانت أصغر مني بسنوات، هادئة بشكل مبالغ فيه، ومؤدبة إلى درجة تثير الريبة.

انتقلت للعيش معنا بعد الزواج مباشرة.

ومنذ الليلة الأولى، بدأت تفعل شيئًا لم أسمع به طوال حياتي.

كانت تأتي إلى غرفة نومي بعد منتصف الليل، تحمل بطانية ووسادة، ثم تقف عند الباب وتقول:

“ممكن أنام هنا الليلة؟”

كنت أعتقد أنها تمزح.

لكنها لم تكن تمزح.

كانت تريد النوم في منتصف السرير.

بيني وبين زوجي..في البداية انفجرت غضبًا.

لكن سيف قال بهدوء:

“سيبيها يا ليلى… لسه جديدة على البيت ومش متعودة.”

ولم أفهم كيف يمكن لامرأة متزوجة أن تحتاج للنوم بين زوجها وزوجته الأولى حتى تعتاد على البيت.لكن ياسمين كانت تكرر الأمر كل ليلة.ليلة وراء ليلة.

كانت تأتي في نفس الموعد.تضع وسادتها في المنتصف.

ثم تستلقي صامتة.لا تتكلم.لا تتحرك.ولا تنام تقريبًا.

كنت أفتح عيني أحيانًا في الثالثة فجرًا فأجدها تحدق في سقف الغرفة وكأنها تنتظر شيئًا.وخلال النهار كانت لطيفة بشكل يصعب كرهه…تعد القهوة لي.تساعد الخدم.

وتهتم بأم سيف.حتى بدأت أشعر بالذنب كلما غضبت منها.

لكن شيئًا بداخلي ظل يخبرني أن هناك سرًا لا أعرفه.

وفي الليلة السابعة عشرة استيقظت فجأة على صوت خافت.”تك…”فتحت عيني ببطء.كان البيت كله غارقًا في الصمت.ثم شعرت بيد ياسمين تتسلل تحت البطانية وتمسك بيدي.ضغطت عليها مرة واحدة.

بقوة.كأنها ترسل رسالة.لا تتحركي.

تجمد الدم في عروقي.وفي نفس اللحظة رأيت خيطًا رفيعًا من الضوء يتسلل من أسفل باب الغرفة.

ثم سمعت صوتًا آخر.أقرب إلى محاولة فتح الباب بهدوء شديد.نظرت نحو سيف.كان مستلقيًا بجوارنا.

ظهره لنا.يتنفس ببطء.لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.وفجأة تحركت ياسمين للأمام قليلًا.مجرد حركة بسيطة.

لكنها كانت كافية لتحجب الضوء القادم من الباب بجسدها.

وكأنها تحاول إخفاء وجودي.في تلك اللحظة فهمت الحقيقة.ياسمين لم تكن تنام بيني وبين زوجي لأنها تغار مني.ولم تكن تحاول سرقة مكاني….بل كانت

الفصل الأول: السر خلف الباب

بل كانت تحميني.

الفكرة نفسها بدت جنونية.

لكن في تلك اللحظة، وأنا أشعر بأصابع ياسمين المرتجفة تضغط على يدي، أدركت أن الخوف الذي رأيته في عينيها طوال الأيام الماضية لم يكن خوف زوجة جديدة تحاول إثبات وجودها…

بل خوف شخص ينتظر كارثة.

ظل الضوء أسفل الباب لثوانٍ طويلة.

ثم سمعنا صوت المقبض يتحرك ببطء.

مرة.

ثم مرة أخرى.

كأن أحدهم يحاول فتح الباب دون أن يصدر أي صوت.

شعرت بقلبي يقفز داخل صدري.

أما سيف…

فما زال مستلقيًا بلا حركة.

ظهره لنا.

يتنفس بانتظام.

وفجأة همست ياسمين بالكاد:

“متبصيش ناحية الباب.”

كلماتها كانت ضعيفة جدًا.

لكنني سمعتها.

تجمدت في مكاني.

ثم حدث شيء لم أتوقعه.

صدر من جهة الباب صوت خافت جدًا.

صوت شخص يهمس.

شخص واحد فقط.

ولم أستطع تمييز الكلمات.

بعدها عاد الصمت.

واختفى الضوء.

وتوقف كل شيء.

مرّت دقيقة كاملة.

ثم دقيقتان.

ثم ثلاث.

قبل أن تسحب ياسمين يدها ببطء.

وظلت مستيقظة حتى أشرقت الشمس.

أما أنا…

فلم أغمض عيني ثانية.

في الصباح.

وجدت ياسمين في المطبخ كعادتها.

تحضر القهوة.

وكأن شيئًا لم يحدث.

دخلت عليها مباشرة.

وأغلقت الباب خلفي.

ثم قلت:

“مين كان عند الباب امبارح؟”

توقفت يدها فجأة.

وانسكبت قطرات القهوة على الرخام.

رفعت رأسها نحوي.

وكان وجهها شاحبًا.

“إنتي كنتي صاحيه؟”

قلت بحدة:

“جاوبي.”

ساد الصمت.

ثوانٍ طويلة.

ثم قالت:

“لو قلتلك… مش هتصدقي.”

اقتربت منها.

“جربي.”

تنهدت ببطء.

ثم نظرت حولها كأنها تتأكد أن لا أحد يسمع.

وقالت:

“سيف مش زي ما إنتي فاكرة.”

ضحكت بسخرية.

“يعني إيه؟”

لكنها لم تضحك.

بل ازداد وجهها شحوبًا.

وقالت:

“فيه حد بيدخل أوضتك كل ليلة.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

“إيه؟”

“من قبل ما أتجوزه.”

حدقت فيها.

غير مستوعبة.

فأكملت:

“أول ليلة جيت فيها البيت… صحيت الساعة تلاتة الفجر.”

ابتلعت ريقها.

“ولقيت شخص واقف جوه أوضتي.”

توقفت أنفاسي.

“شخص؟”

هزت رأسها.

“راجل.”

“مين؟”

قالت بصوت مرتجف:

“ماعرفش.”

ظننت أنها فقدت عقلها.

لكنها أكملت.

“كان واقف عند طرف السرير.”

“ولما فتحت عيني… جري واختفى.”

قلت بسرعة:

“وسيف؟”

“كان نايم.”

“بلغتيه؟”

ضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي فرح.

“طبعًا.”

“وقال إيه؟”

“قال إني بتخيل.”

ساد الصمت.

ثم أضافت:

“بس بعدها بثلاث ليالي شفته تاني.”

شعرت بيدي تبردان.

“إزاي؟”

“نفس الوقت.”

“ونفس المكان.”

“وكان بيبص عليا.”

قلت بانفعال:

“وليه ما بلغتيش الشرطة؟”

نظرت في عيني مباشرة.

وقالت:

“لأني لما حاولت أصور الشخص ده…”

توقفت.

ثم أخرجت هاتفها.

فتحت صورة.

ومدت الشاشة نحوي.

نظرت.

وتجمدت.

الصورة كانت لغرفة نومها.

واضحة تمامًا.

لكن في الزاوية…

كان هناك ظل لرجل طويل يقف قرب الستارة.

وجهه غير واضح.

لكن وجوده حقيقي.

وحقيقي جدًا.

شعرت بالغثيان.

“دي متفبركة؟”

هزت رأسها.

“نفسي تكون.”

ثم همست:

“عشان كده كنت بنام بينك وبين سيف.”

“كنت بخاف يجي ناحيتك.”

خرجت من المطبخ وأنا غير قادرة على التفكير.

كل ما قالته بدا مستحيلًا.

لكن الصورة…

الصورة كانت حقيقية.

وفي المساء.

قررت أن أعرف الحقيقة بنفسي.

انتظرت حتى نام الجميع.

ثم تظاهرت بالنوم.

جاءت ياسمين كعادتها.

وضعت وسادتها في المنتصف.

واستلقت.

دون كلمة واحدة.

مرت ساعة.

ثم ساعتان.

ثم…

عند الثالثة إلا عشر دقائق.

فتحت ياسمين عينيها فجأة.

نظرت إلى الساعة.

ثم أمسكت يدي.

كما فعلت الليلة الماضية.

وفي اللحظة التالية…

سمعنا صوتًا.

تك…

تك…

تك…

صوت خطوات.

قادمة من الممر.

بطيئة.

منتظمة.

تقترب من الغرفة.

توقفت الخطوات أمام الباب مباشرة.

ثم…

بدأ المقبض يتحرك.

ببطء شديد.

لكن هذه المرة…

كنت مستعدة.

مددت يدي تحت الوسادة.

وأخرجت هاتفي.

وشغلت الكاميرا.

ووجهتها نحو الباب.

كان قلبي يدق بعنف.

حتى شعرت أنه سيفضح وجودي.

ثم…

انفتح الباب سنتيمترًا واحدًا.

فقط.

سنتيمتر واحد.

وظهر شق أسود ضيق.

ومن خلاله…

رأيت عينًا.

عينًا بشرية.

تراقبنا من الخارج.

عينًا لم تكن عين سيف.

ولم تكن عين أي شخص أعرفه.

وفي اللحظة التي ضغطت فيها زر التصوير…

اختفت العين فجأة.

وأغلق الباب بعنف.

فصل تاني قادم… حيث تكتشف ليلى أن الصورة التي التقطتها لم تُظهر العين فقط، بل أظهرت شخصًا تعرفه جيدًا… شخصًا يفترض أنه مات منذ خمس سنوات.

الفصل الثاني: الرجل الذي عاد من الموت

ظللت جالسة في السرير لثوانٍ طويلة بعد أن أُغلق الباب.

لم أتحرك.

لم أتنفس تقريبًا.

كانت ياسمين تمسك ذراعي بقوة حتى شعرت بأصابعها تغرس نفسها في جلدي.

أما سيف…

فما زال مستلقيًا.

في نفس الوضع.

كأنه لم يسمع شيئًا.

كأنه لم يشعر بالمقبض يتحرك.

ولا بالباب الذي انفتح.

ولا بالعين التي راقبتنا من الظلام.

همست ياسمين:

“شوفتي؟”

لم أجب.

كنت أحاول استيعاب ما حدث.

ثم أمسكت هاتفي بسرعة.

فتحت الصورة التي التقطتها.

وفي البداية ظننت أنني لن أرى شيئًا.

لكن عندما كبرت الصورة…

شعرت بأن الدم ينسحب من وجهي.

كان الباب ظاهرًا.

وكانت العين واضحة.

لكنها لم تكن الشيء الوحيد في الصورة.

في الزاوية اليسرى…

انعكس جزء من وجه الشخص على المرآة المقابلة للباب.

جزء صغير فقط.

لكنه كان كافيًا.

كافيًا لأن يجعل العالم كله يتوقف.

همست دون وعي:

“مستحيل…”

اقتربت ياسمين.

نظرت إلى الشاشة.

ثم شهقت.

أما أنا فكنت أحدق في الصورة وكأنني فقدت القدرة على الرمش.

لأن الوجه الذي رأيته…

كنت أعرفه.

أعرفه جيدًا.

بل كنت قد حضرت جنازته بنفسي.

قبل خمس سنوات.

اسمه عمر.

شقيق سيف الأكبر.

الرجل الذي قالت العائلة كلها إنه مات في حادث سيارة مروع على طريق السويس.

أتذكر ذلك اليوم جيدًا.

أتذكر النعش.

والعزاء.

وبكاء أم سيف حتى فقدت وعيها.

أتذكر أن سيف ظل شهرين كاملين لا يتحدث مع أحد.

عمر كان الابن المفضل.

والأخ الأقرب إليه.

وكان موته صدمة للجميع.

لكن الصورة أمامي الآن…

كانت صورته.

نفس العينين.

نفس الحاجب الأيسر الذي يحمل ندبة قديمة.

نفس الملامح.

شعرت بدوار شديد.

قالت ياسمين:

“إنتي تعرفيه؟”

لم أستطع الكلام.

فقط أومأت برأسي.

وظلت هي تنظر إلى الشاشة.

ثم قالت:

“يبقى أنا مش مجنونة.”

مع طلوع الشمس.

ذهبت مباشرة إلى غرفة أم سيف.

كانت تجلس في الشرفة تقرأ القرآن.

ولأول مرة منذ زواجي دخلت عليها دون استئذان.

رفعت رأسها باستغراب.

وقالت:

“خير يا ليلى؟”

أغلقت الباب.

وجلست أمامها.

ثم وضعت الهاتف على الطاولة.

وعرضت عليها الصورة.

في البداية لم تفهم.

ثم اقتربت أكثر.

وفجأة…

سقط المصحف من يدها.

وشحب وجهها بالكامل.

شهقت بصوت مرتجف:

“يا نهار أبيض…”

تجمدت.

لأن رد فعلها كان أكبر دليل على أنها تعرف الحقيقة.

قلت بسرعة:

“مين ده؟”

لم تجب.

“قولي.”

ظلت تنظر للصورة.

ثم بدأت دموعها تنزل.

ببطء.

وقالت:

“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”

شعرت بقلبي يسقط.

“إيه اللي هييجي؟”

رفعت رأسها نحوي.

وكان الخوف واضحًا في عينيها.

الخوف الحقيقي.

ثم قالت الجملة التي قلبت حياتي كلها:

“عمر ما ماتش.”

شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي.

“إيه؟”

“عمر عايش.”

“إزاي؟”

أخذت نفسًا عميقًا.

ثم قالت:

“الحادث حصل فعلًا.”

“بس الج*ثة اللي دفناها ما كانتش ج*ثته.”

كأن شخصًا ضربني على رأسي.

لم أستطع الاستيعاب.

“يعني إيه؟”

أغمضت عينيها.

وقالت:

“عمر اختفى بعد الحادث.”

“والشرطة ما لقتوش.”

“وبعد شهور ظهر شخص مجهول متفحم.”

“وسيف قال إنه عمر.”

“وأصر يدفنه.”

ازدادت ضربات قلبي.

“وسيف؟”

هزت رأسها.

“هو الوحيد اللي كان عارف الحقيقة.”

خرجت من عندها وأنا أشعر أنني دخلت كابوسًا لا نهاية له.

إذا كان عمر حيًا…

فلماذا يختبئ؟

ولماذا يتسلل إلى الغرف ليلًا؟

ولماذا يراقبنا؟

والأهم…

لماذا أخفى سيف كل ذلك؟

في تلك الليلة.

قررت ألا أنتظر أكثر.

بعد منتصف الليل بقليل.

تركت الغرفة بهدوء.

ونزلت إلى الطابق السفلي.

كانت الفيلا غارقة في الظلام.

لكن أثناء مروري قرب المكتب الخاص بسيف…

رأيت شيئًا غريبًا.

شعاع ضوء يتسلل من أسفل الباب.

رغم أن سيف كان يفترض أنه نائم بالأعلى.

اقتربت ببطء.

وضعت أذني على الباب.

فسمعت صوتين.

صوت سيف.

وصوت رجل آخر.

رجل خشن.

هادئ.

مألوف بشكل مرعب.

ثم سمعت سيف يقول:

“لازم تبعد عنهم يا عمر.”

توقف قلبي.

أما الصوت الآخر…

فرد بهدوء:

“مش قبل ما أخلص اللي بدأتُه.”

وفي نفس اللحظة…

صدر خلفي صوت خشخشة خفيفة.

استدرت بسرعة.

لكن الممر كان فارغًا.

أو هكذا ظننت.

لأنني عندما رفعت رأسي نحو أعلى السلم…

رأيت شخصًا يقف في الظلام.

يراقبني.

وكان يحمل شيئًا معدنيًا يلمع في يده.

ثم قال بصوت منخفض جدًا:

“لو بتحبي حياتك يا ليلى… متفتحيش الباب ده.”

ثم اختفى.

وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

يتبع…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *