جوزى بيحملنى ذنب بسمه
جوزي كل يوم بيحملني ذنب إنه مخلفش ولد ولما فقدت الوعي بعد خناقة بينا. جري بيا على المستشفى وهو بيكدب على الدكاترة ويقول إني وقعت من على السلم لكنه مكانش يعرف إن الفحوصات اللي هتتعمل بعد شوية هتكشف حاجة هتخليه واقف قدام الدكتور مش قادر ينطق بحرف واحد.
وقف الدكتور وهو ماسك تقرير الأشعة، وبص لجوزي نظرة طويلة، وبعدين قال بهدوء، لكن كل كلمة كانت بتنزل عليه كأنها حجر:
واضح إن في حاجات كتير لازم نتكلم فيها… لأن اللي كشفته الفحوصات النهارده، عمره ما يتوافق مع القصة اللي حضرتك حكيتها.
جوزي حاول يبتسم ابتسامة مصطنعة وقال بسرعة:
يعني إيه يا دكتور؟ أنا قولت لحضرتك الحقيقة… هي وقعت من على السلم.
الدكتور هز راسه بالنفي، ورفع الأشعة قدام النور.
وقال:
الكسور اللي عند مراتك مش كلها جديدة. فيه كسور قديمة التأمت، وكسور تانية في مراحل مختلفة من الالتئام، وفيه إصابات
حديثة حصلت من وقت قريب جدًا. طبيًا… مستحيل ده كله يكون نتيجة وقعة واحدة.
حسيت إني سامعة دقات قلبي.
أما هو… فاتغير لون وشه فجأة.
حاول يتماسك وقال وهو بيتلعثم:
يمكن… يمكن كانت وقعت قبل كده، وأنا معرفش.
الدكتور قاطعه بنبرة حاسمة:
أستاذ… بلاش تضييع وقت. أنا شوفت حالات كتير قبل كده، والإصابات دي بتقول حاجة واحدة بس.
سكت لحظة، وبعدين قال وهو بيبصله في عينه:
مراتك ضحية اعتداء متكرر.
الجملة نزلت على الأوضة كلها كأنها صاعقة.
أنا غمضت عيني، لأول مرة حد قال الحقيقة بصوت عالي.
أما جوزي، فبدأ يتوتر وقال بعصبية:
حضرتك بتتهمني؟! أنا جبتها المستشفى بنفسي!
الدكتور رد بكل هدوء:
كونك جبتها المستشفى، ده ميغيرش اللي الفحوصات أثبتته.
وبعدين لف ناحية الممرضة وقال:
هاتوا نتيجة السونار.
استغربت.
سونار؟
أنا أصلًا مكنتش فاهمة ليه عملولي سونار.
الممرضة دخلت بعد ثواني، وسلمت الدكتور التقرير.
قرأه بهدوء، وبعدها رفع عينه ناحية جوزي.
وقال:
وفي حاجة تانية…
لاحظت إن جوزي وقف مكانه.
حتى أنا حسيت إن نفسي اتقطع.
الدكتور كمل كلامه وهو بيبص في التقرير:
مراتك حامل.
الكلمة خلت الدنيا تلف بيا.
حامل؟!
أنا؟
حطيت إيدي على بطني من غير ما أحس.
دموعي نزلت لوحدها.
مكنتش أعرف.
ولا كان عندي أي فكرة.
أما جوزي…
فلأول مرة من سنين، شوفت على وشه حاجة شبه الفرحة.
ابتسم غصب عنه.
وقال بسرعة:
يعني… الحمل كويس يا دكتور؟
الدكتور هز راسه وقال:
الحمل في الشهر الرابع تقريبًا… والجنين حالته مستقرة، لكن محتاج متابعة دقيقة بسبب الإصابات اللي تعرضتلها الأم.
سكت ثانية، وبعدين بصله مباشرة، وقال الجملة اللي خلت الابتسامة تختفي من على وشه في نفس اللحظة:
وبحسب السونار… الجنين
ذكر.
في اللحظة دي… اتجمد جوزي مكانه.
وشه فقد لونه مرة واحدة، وبقى يبص للدكتور كأنه مستني يسمع إنه بيهزر.
أما أنا… فكنت ببصله ومش فاهمة إيه اللي حصل في ثانية واحدة خلاه بالشكل ده.
الدكتور بص له بهدوء، وقال:
واضح إن الخبر صدمك… لكن في حاجة أهم لازم تعرفها.
بلع جوزي ريقه بصعوبة، وقال وهو بيحاول يتماسك:
إيه… إيه هي؟
رد الدكتور وهو قافل ملف الأشعة:
سواء الجنين ولد أو بنت… الأم ملهاش أي علاقة بتحديد نوع الجنين.
سكت ثانية، وبعدين كمل وهو باصص له في عينه:
اللي بيحدد إذا كان الجنين ذكر أو أنثى هو الأب… ودي حقيقة علمية معروفة.
حسيت الدنيا كلها وقفت.
الكلام فضل يرن في وداني.
يعني…
كل السنين اللي فاتت…
كل الاتهامات…
كل الإهانات…
كل مرة كنت بصدق إني السبب…
مكنتش حقيقية؟
بصيت لجوزي.
أول مرة أشوفه مش لاقي
كلمة يقولها.
ولا حتى قادر يبصلي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
مش علشان الحمل.
ولا علشان الخبر.
لكن علشان أول مرة في حياتي حد يقول قدامي بصوت واضح إن الذنب عمره ما كان ذنبي.
الدكتور لمح دموعي.
قرب مني خطوة، وصوته بقى أهدى.
وقال:
أنا محتاج أسألك سؤال واحد… وتجاوبي عليه بصراحة.
لمحة نيوز
هزيت راسي من غير كلام.
قال بهدوء:
مين اللي عمل فيكي الإصابات دي؟
قبل ما أنطق…
حسيت جوزي بيرفع عينه ناحيتي.
كانت نفس النظرة.
نفس النظرة اللي كنت بخاف منها كل مرة.
نظرة معناها…
لو اتكلمتي… هتندمي.
الدكتور لاحظ اللي حصل.
لف ناحيته فورًا، وقال بحزم:
لو سمحت… ابعد عن السرير.
حاول يتكلم.
لكن الدكتور ضغط زر الاستدعاء الموجود جنب السرير، وقال للممرضة أول ما دخلت:
استدعوا الأمن… حالًا.
ساعتها…
بصيت للدكتور.
وأخدت أول نفس عميق من سنين وقولت
أنا… ما وقعتش من على السلم.
الكلمات خرجت مرتعشة، لكنها كانت أثقل من أي صرخة سكتُّ عنها قبل كده.
ساعتها، ملامح جوزي اتبدلت في لحظة، واتحول من الراجل الهادئ اللي كان بيمثل دور الزوج الخايف على مراته، لإنسان مرتبك، مش عارف يلف ولا يدور ولا يلاقي كدبة جديدة ينقذ بيها نفسه.
لكن الدكتور مكانش مستني منه أي تبرير.
بمجرد ما سمع اعترافي، طلب الأمن، وبلغ إدارة المستشفى، وبعد دقائق قليلة كانت الشرطة وصلت، وبدأت الإجراءات الرسمية تتاخد قدام عيني لأول مرة، من غير ما حد يحاول يقنعني أسكت، أو يقول لي: استحملي… ده جوزك.
النيابة انتقلت للمستشفى في نفس اليوم، والطبيب سلّمهم تقرير الأشعة بالكامل، واللي أثبت إن جسمي كان مليان إصابات قديمة وحديثة، وإن الكسور الموجودة في الضلوع والحوض وآثار الالتئام المختلفة، يستحيل تكون نتيجة وقعة واحدة من فوق السلم، وإن الإصابات بتشير إلى تعرض متكرر لإيذاء عنيف على فترات زمنية مختلفة.
ومع أقوالي، وتقرير
الطب الشرعي، صدر قرار بحبس جوزي احتياطيًا على ذمة التحقيقات، لحد ما الحقيقة كلها تظهر.
افتكرت وقتها إن الكابوس خلاص انتهى…
لكن الحقيقة كانت لسه في أولها.
بعد أيام من التحقيق، النيابة بدأت تسمع أقوال الجيران.
وأغلبهم قالوا إنهم كانوا بيسمعوا صريخي كتير، لكن كل واحد كان بيقفل بابه ويقول: دي مشاكل بين راجل ومراته.
إلا جارتنا أم محمود.
الست دي دخلت النيابة وهي مرتبكة، وقالت إنها بقالها سنتين شايلة سر مأكلهاش النوم.
حكت إنها في ليلة من حوالي سنتين سمعت صراخي بشكل عمرها ما سمعته قبل كده، وإن الصوت فضل مستمر لساعات، وبعدها شافت حماتي داخلة البيت وهي شايلة كيس فيه أعشاب وزجاجات صغيرة، وكانت بتردد قدام الناس إن دي وصفة من ست مشهورة بتنضف الرحم.
وقالت كمان إنها استغربت لما شافتني بعدها بيومين، وشي أصفر، ومش قادرة أقف على رجلي، وعرفت من واحدة من قرايبنا إني فضلت أنزف يومين كاملين من غير ما حد يوديني مستشفى.
الكلام ده قلب سير التحقيقات كلها.
النيابة استدعت حماتي.
في الأول أنكرت كل حاجة، واتهمت الجارة إنها بتفترى عليها.
لكن مع مواجهة الأقوال، والأسئلة المتتالية، والتناقض اللي وقع فيه كلامها… بدأت تنهار واحدة واحدة.
وفجأة…
غطت وشها بإيديها، وانفجرت في البكاء.
وقالت بصوت متقطع إنها عرفت وقتها إني حامل، وخافت أكون حامل في بنت تالتة، وإنها أخدتني بنفسها لست بتعالج بالأعشاب، وأجبرتني أشرب خليط كانت مقتنعة إنه ينظف الرحم ويخلصني من الحمل، وبعدها لما بدأت أنزف وأتألم، منعت ابنها إنه ينقلني للمستشفى، وكانت
تردد طول الوقت:
هتقوم لوحدها… متفضحناش.
أمرت النيابة بعرض كل الأوراق على الطب الشرعي.
وبعد مراجعة التقارير الطبية، خلص التقرير إلى أن فقدان الحمل في ذلك الوقت يُرجح طبيًا أنه ارتبط بما تعرضت له من اعتداءات متكررة، مع الإهمال في تقديم الرعاية الطبية اللازمة رغم ظهور أعراض خطيرة استوجبت التدخل العاجل.
ومع صدور التقرير…
اتبدلت القضية كلها.
وما بقتش مجرد قضية زوج أساء معاملة زوجته.
لأن التحقيقات كانت لسه ماشية، وكل يوم بيكشف سر جديد، لحد ما حصل اللي محدش فينا كان يتوقعه.
في صباح يوم كنت راجعة فيه من جلسة تحقيق، رن تليفون والدي فجأة.
رد، وبعد ثواني لقيت لون وشه اتغير.
بصلي بسرعة وقال بصوت مخنوق:
البنت… بنتك الكبيرة مش موجودة في المدرسة.
حسيت الدم انسحب من جسمي كله.
جريت أنا وأبويا على المدرسة، وهناك المديرة كانت مستنيانا وهي في حالة ارتباك.
قالت إن ست كبيرة راحت قبل انتهاء اليوم الدراسي، وقدمت نفسها على إنها جدة الطفلة، وأكدت إن الأم تعبانة في المستشفى وإنها جاية تاخدها بأمر من العيلة.
ولأن البنت كانت عارفاها فعلًا…
خرجت معاها من غير ما تشك لحظة.
أول ما سمعت الوصف…
عرفتها.
حماتي.
صرخت من غير ما أحس.
وحسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا.
لسه القضية شغالة…
ولسه التحقيقات مخلصتش…
وبرغم كده، قدرت توصل لبنتي.
في أقل من دقائق، المدرسة بلغت الشرطة، واتعمل محضر رسمي، وبدأت أجهزة الأمن تراجع كاميرات المراقبة الموجودة عند بوابة المدرسة والشوارع المحيطة.
الكاميرات بينت
كل حاجة.
ظهرت حماتي وهي ماسكة إيد بنتي وبتخرج بيها بهدوء، وبعدها ركبت تاكسي واختفت.
لكنها مكانتش تعرف إن الكاميرات سجلت رقم العربية بالكامل.
ومن خلال تتبع خط سيرها، وقدرة رجال المباحث على الوصول للسائق، عرفوا المكان اللي نزلت فيه.
وبعد ساعات من البحث…
اتعملت مداهمة للمكان.
واتلقوا بنتي قاعدة في أوضة صغيرة، مرعوبة وبتعيط، أول ما شافتني جريت عليا ورمت نفسها في حضني وهي بتصرخ:
ماما….
حضنتها بكل قوتي، وفضلت أبكي وأنا بشكر ربنا إنها رجعتلي سالمة.
أما حماتي…
فاتقبض عليها في نفس اليوم، واتضافت للقضية تهمة جديدة بعد تعريض طفلة للخطر وأخذها دون حق.
وبعد شهور طويلة من جلسات المحكمة، وسماع الشهود، وتقارير الطب الشرعي، وأقوال الأطباء والجيران…
صدر الحكم.
عوقب جوزي بالسجن بعد إدانته بما نُسب إليه من اعتداءات متكررة وتعريضي أنا وجنيني للخطر.
وصدر حكم على حماتي بعد ثبوت مسؤوليتها عن اشتراكها في الإيذاء، والإهمال الذي رجح التقرير الطبي أنه كان سببًا في فقدان حملي قبل سنوات، إلى جانب واقعة أخذ حفيدتها من المدرسة دون وجه حق.
أما أنا…
فحصلت على الطلاق للضرر، ورجعت أعيش في بيت أبويا، ومعايا بنتَيّ، ولأول مرة من سنين كنت بنام من غير خوف، ومن غير ما أصحى مفزوعة على صوت باب بيتفتح أو خطوات بتقرب من أوضتي.
ورغم إن حملي كان صعب، وكل الأطباء كانوا بيخافوا على الجنين في كل زيارة…
إلا إن ربنا كتب له السلامة.
وبعد شهور، سمعت أول صرخة ليه وهو بينور الدنيا.
لما الممرضة حطته بين إيديا، بصيت له،
وبعدين بصيت لبنتَيّ اللي كانوا واقفين جنبي، وابتسمت وسط دموعي.
وقلت وأنا بضمهم كلهم لحضني:
ربنا رزقني ولد بعد بنتين… لكن أكبر نعمة رزقني بيها، إنه نجاني أنا وبناتي من بيت كان فاكر إن الرحمة ضعف، وإن الظلم حق.
ومن يومها كل ما حد يسألني عن أغلى حاجة كسبتها بعد السنين دي كلها…
بقول:
كرامتي… لأنها لما رجعت، رجع معاها عمري كله.
تمت بحمد الله.