ضرتي الكركوبه حكايات اسما السيد 2

الجزء الثالث
ليلتها…
ولا واحد في الفيلا عرف ينام.
البيت اللي كان من ساعات مليان ضحك وسخرية…
بقى مليان توتر وخوف.
كريم كان ماشي رايح جاي في الصالون.
كل شوية يمسك الموبايل.
يتصل بحد.
لكن كل المكالمات كانت بتنتهي بنفس الجملة.
“آسفين يا فندم… القرار فوق إيدينا.”
ضرب الموبايل في الكنبة بعصبية.
وقال:
— مستحيل… مستحيل حد يوقع مجموعة المنصور في يوم واحد.
دولت قربت منه.
وقالت وهي بتحاول تهديه:
— أكيد منافسينك.
كريم هز راسه.
— لا يا أمي.
دي مش شغل منافسين.
دي حد ماسك كل الخيوط.
حد يعرف كل حاجة عن الشركة.
وسما كانت قاعدة في ركن بعيد.
أول مرة تحس بالخوف الحقيقي.
لأنها كانت فاكرة إن الفلوس والجاه…
هيدوموا طول العمر.
لكن دلوقتي…
كل حاجة بتنهار.
وفجأة…
رن موبايل كريم.
كان رقم مجهول.
رد بسرعة.
— ألو.
جاله صوت رجل كبير في السن.
— أنا المستشار فؤاد… المحامي القديم لوالدك.
وقف كريم مكانه.
المحامي ده كان مختفي بقاله سنين.
قال بسرعة:
— حضرتك عارف إيه اللي بيحصل؟
رد الرجل بهدوء:
— عارف…
وحذرت والدك منه من زمان.
كريم اتعصب.
— طب قوللي مين اللي بيعمل فينا كده؟!
سكت الرجل لحظات.
وبعدين قال:
— افتكر آخر وصية قالهالك أبوك.
وساعتها هتعرف.
وقفل الخط.
فضل كريم واقف.
كلمة واحدة فضلت تتردد في دماغه.
“إوعى تزعل صاحب النصيب الأكبر.”
لكن…
مين هو صاحب النصيب الأكبر؟
فتح خزنة أبوه القديمة.
كان محتفظ بيها في المكتب.
فضل يقلب في الملفات.
ساعات.
لحد ما لقى ظرف أصفر قديم.
عليه بخط إيد أبوه:
“يفتح عند الضرورة القصوى.”
فتح الظرف بسرعة.
طلع منه ورقة واحدة.
مكتوب فيها:
“إذا وصلت للمرحلة دي… يبقى أنت أخطأت مع الشخص الوحيد اللي كان قادر يحافظ على الإمبراطورية دي.”
وتحتها جملة تانية.
“إوعى تفتكر إن اسم المنصور هو اللي بنى الشركة… فيه اسم تاني عمره ما ظهر للناس.”
اتجمد كريم.
وقلب الورقة.
لكن الضهر كان فاضي.
صرخ بعصبية.
— الاسم فين؟!
رماه على الأرض.
وسحب شعره.
أما دولت…
فبدأت تسترجع مواقف قديمة.
افتكرت إن جوزها الله يرحمه…
كان كل ما ليلى تزور الشركة…
يقف بنفسه يستقبلها.
وكانت مستغربة وقتها.
وسألته مرة:
— ليه مهتم بالبنت دي بالشكل ده؟
ضحك وقال:
— هتعرفي في الوقت المناسب.
افتكرت كمان…
إنه قبل وفاته بأسبوع.
طلب يشوف ليلى لوحدها.
وقعد معاها أكتر من ساعتين.
ولما خرجت…
كانت عيونها كلها دموع.
لكنها وعدته بحاجة.
دولت عمرها ما عرفت إيه هي.
وفجأة…
حست بقلبها يدق بسرعة.
بصت ناحية كريم.
وقالت بتردد:
— هو…
ممكن…
ليلى يكون ليها علاقة؟
ضحكت سما بسخرية.
— طنط…
إنتِ هتخلوا الست الغلبانة دي هي اللي وقعت أكبر شركة في البلد؟
لكن دولت ما ضحكتش.
لأول مرة…
بدأ الشك يدخل قلبها.
—
في نفس الوقت…
كانت ليلى قاعدة في مكتبها.
مش أي مكتب.
الدور الأخير…
في برج زجاجي ضخم.
المكان كله هادئ.
وكل الموظفين أول ما شافوها…
وقفوا احترامًا.
— مساء الخير يا فندم.
ابتسمت لهم.
ودخلت مكتبها.
بعد دقائق…
دخل المستشار حسام.
ومعاه ملف كبير.
قال:
— المرحلة الأولى تمت.
كل البنوك التزمت.
وكل الشركات التابعة وقفت تعاملاتها.
ليلى فتحت الملف.
بدأت تقلب الصفحات.
كل صفحة…
كانت فيها مخالفة مالية.
أو صفقة مشبوهة.
أو تحويلات اتعملت من غير موافقتها.
قالت بهدوء:
— أنا كنت سايبة كريم يدير.
مش علشان مش عارفة.
علشان كنت مستنية يشوف آخره.
المستشار سألها:
— نبلغ الجهات المختصة بكل الملفات؟
ليلى قفلت الملف.
وقالت:
— لسه.
أنا وعدت راجل عظيم قبل ما يموت…
إني هدي ابنه آخر فرصة.
لو فهم غلطه.
هسامحه.
ولو كمل…
مش هرحم.
رن هاتفها الداخلي.
السكرتيرة قالت:
— يا فندم…
فيه راجل كبير مستني حضرتك بره.
اسمه…
فؤاد المنشاوي.
ابتسمت ليلى.
وقالت:
— دخليه.
دخل الرجل.
كان في السبعين من عمره.
أول ما شافها…
ابتسم.
وقال:
— أبو كريم…
لو كان عايش…
كان هيفتخر بيكي.
وقفت ليلى.
وسلمت عليه بكل احترام.
قال:
— نفذتِ وصيته بالحرف.
بس السؤال…
هتقدري تنفذي أصعب جزء؟
ليلى سألته:
— تقصد إيه؟
قال وهو يبصلها في عينيها:
— لما كريم يعرف الحقيقة…
ويركع قدامك…
ويطلب السماح…
هتقدري تسامحي الراجل…
اللي وقف يتفرج عليكي…
وانتي حامل…
وهو سايب الناس تدلق عليكي مية وسخة؟
ساد الصمت داخل المكتب.
ولأول مرة…
نزلت دمعة من عين ليلى.
لكنها مسحتها بسرعة.
وقالت بصوت ثابت:
— لما ييجي اليوم ده…
ساعتها هعرف قلبي اختار إيه…
أما دلوقتي…
فالحساب…
لسه ما بدأش.
الجزء الرابع
طلع الصبح…
لكن الشمس ما دخلتش بيت المنصور.
رغم إن الستاير كلها مفتوحة…
كان فيه إحساس تقيل مخيم على المكان.
دولت كانت قاعدة على الكنبة…
ماسكة السبحة.
ولأول مرة من سنين…
مش قادرة تتكلم.
أما سما…
فكانت ماشية في الصالون وهي بتكلم نفسها.
— أكيد هتتحل… أكيد كل ده سوء تفاهم.
لكن صوت كريم قطع كلامها.
كان نازل من على السلم.
وشكله متغير تمامًا.
دقنه طالعة.
وعينيه حمرا من السهر.
وفي إيده ملف أبوه.
وقف قدامهم.
ورمى الملف على الترابيزة.
وقال:
— أبويا كان مخبي عني نص الحقيقة.
دولت بصتله باستغراب.
— يعني إيه؟
فتح الملف.
طلع عقد قديم.
عليه توقيع والده.
وقال:
— الشركة عمرها ما كانت ملكنا لوحدنا.
سما ضحكت.
— حتى لو فيه شريك… إحنا معانا أغلب الأسهم.
كريم هز راسه بالنفي.
— لا…
إحنا معاناش الأغلبية.
فضل يقلب في الورق.
لحد ما طلع صفحة مكتوب فيها:
“لا يجوز اتخاذ أي قرار استراتيجي دون موافقة المالك المسيطر.”
سما قالت:
— والمالك ده مين؟
كريم ضغط على سنانه.
— الاسم متشال من النسخة دي.
دولت حطت إيديها على قلبها.
وقالت:
— يبقى اللي بيحصل دلوقتي… من الشخص ده.
وفجأة…
رن جرس الباب.
فتح الخادم.
دخل رجلين لابسين بدلات.
قدموا نفسهم.
— إحنا من مكتب المراجعة الدولي.
كريم قال بعصبية:
— عايزين إيه؟
أحدهم رد بهدوء:
— جايين نستلم كل الملفات الخاصة بالشركة.
— بأمر مين؟
طلع خطاب.
وحطه قدامه.
قرأ كريم أول سطر.
“بناءً على تعليمات المالك الرئيسي…”
وقف.
بص للورقة.
وبعدين قال بصوت واطي:
— تاني المالك الرئيسي!
الرجل قال:
— حضرتك مطالب بالتعاون الكامل.
ولو رفضت…
هنستعين بالشرطة الاقتصادية.
دولت قامت تصرخ.
— بيت ابني مش هيدخله حد!
لكن محدش رد عليها.
بدأوا يجمعوا الملفات.
والهاردات.
وأجهزة الكمبيوتر.
سما قربت من كريم.
— اعمل حاجة.
كريم كان واقف…
زي التمثال.
مش قادر يتحرك.
—
في نفس الوقت…
كانت ليلى داخلة اجتماع مجلس الإدارة.
أول ما دخلت…
وقف أكتر من خمسين مديرًا.
ورئيس الاجتماع قال:
— صباح الخير يا رئيسة المجلس.
قعدت على الكرسي الرئيسي.
قدامها شاشة ضخمة.
ظهر عليها شعار المجموعة.
قال المستشار حسام:
— يا فندم…
دي كل الشركات التابعة.
واحدة ورا التانية…
بدأت تبلغ إنها مستعدة تستبدل إدارة مجموعة المنصور بالكامل.
ليلى قالت بهدوء:
— تمام.
لكن محدش يتحرك.
كل حاجة في وقتها.
أحد أعضاء المجلس سألها:
— مع كامل احترامي…
ليه حضرتك مستنية؟
كان ممكن ننهي الموضوع من أول يوم.
ليلى سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— لأن فيه فرق…
بين العدالة…
والانتقام.
أنا مش جاية أدمر حد.
أنا جاية أرجع حقي.
ولو هما اللي اختاروا يضيعوا نفسهم…
يبقى الذنب ذنبهم.
الجميع سكت.
لأنهم عارفين…
إنها كانت تقدر تسحب الشركة من سنين.
لكنها استحملت.
—
على الناحية التانية…
وصل كريم للشركة.
أول ما نزل من عربيته…
اتصدم.
أفراد الأمن وقفوه.
— آسفين يا فندم.
قال بعصبية:
— افتحوا الباب.
الحارس نزل عينه.
— عندنا تعليمات.
— تعليمات مين؟
— محدش يدخل إلا بعد موافقة الإدارة الجديدة.
صرخ كريم.
— أنا صاحب الشركة!
الحارس بلع ريقه.
وقال:
— كنت يا فندم.
الكلمة نزلت عليه…
كأنها طلقة.
في اللحظة دي…
كل الموظفين كانوا واقفين من الشبابيك.
بيبصوا عليه.
الراجل اللي كانوا بيخافوا منه…
واقف برا شركته.
وممنوع يدخل.
طلع كارت الدخول.
حطه على الجهاز.
ظهر باللون الأحمر.
“تم إلغاء الصلاحية.”
كررها.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وفي كل مرة…
نفس الرسالة.
بدأ يحس إن الأرض بتهتز تحته.
ركب عربيته.
وضرب الدريكسيون بكل قوته.
وقال:
— مستحيل!
أنا لازم أعرف مين!
—
بالليل…
رجع الفيلا.
لقى أمه قاعدة مستنياه.
أول ما شافته…
قالت:
— أنا افتكرت حاجة.
رفع راسه بسرعة.
— إيه؟
قالت:
— يوم كتب كتابك على ليلى…
أبوك خدني على جنب.
وقال لي…
“البنت دي حافظ عليها.
لو خسرتها…
هتخسر كل حاجة.”
وقتها افتكرته بيتكلم عن الجواز.
لكن دلوقتي…
حاسّة إنه كان يقصد حاجة تانية.
سكت كريم.
وفضل باصص في الفراغ.
كل ذكرى مع ليلى…
بدأت ترجع.
افتكر إنها كانت كل ما يدخل في صفقة…
تقوله:
“راجع البند الخامس.”
ولما كان يسمع كلامها…
الصفقة كانت تنجح.
ولما كان يتجاهلها…
كان يخسر.
افتكر إنها كانت تعرف أرقام الشركة كلها…
من غير ما تبص في ورقة.
افتكر إن المستثمرين الأجانب…
كانوا أول ما يشوفوها…
يعاملوها باحترام غريب.
وقتها كان فاكر…
إنهم بيجاملوها لأنها مراته.
دلوقتي…
بدأ يشك…
إنهم كانوا يعرفوا حقيقتها…
وهو الوحيد…
اللي كان جاهل بيها.
وفي اللحظة دي…
رن موبايله.
رقم خاص.
رد بسرعة.
جاله صوت هادئ.
— مساء الخير يا أستاذ كريم.
— مين؟
— بكره الساعة عشرة الصبح…
فيه اجتماع مهم.
ولو حضرتك متأخرتش…
هتعرف مين الشخص…
اللي قلب حياتك في يوم واحد.
وقبل ما كريم ينطق…
اتقفل الخط.
فضل ماسك الموبايل…
وقلبه بيدق بعنف.
لأنه لأول مرة…
حس إن الحقيقة…
أقرب إليه من أي وقت مضى.
لكن الحقيقة التي كانت تنتظره… لم يكن مستعدًا لها أبدًا.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *