إنتي فاشله سامعاني حكايات منــال عـلـي
السكة تقريباً… الدموع نزلت لوحدها من غير ما تحس. الراجل اللي قاعد قدامها بص في موبايله وعمل نفسه مش شايف، وست كبيرة حودت وشها الناحية التانية علشان ماتحرجهاش. كل واحد اتصرف بالطريقة اللي شايفها صح، لأن فرحة الناس ساعات بتبقى أصعب وأغرب من حزنهم. منة نفسها مكنتش عارفة دي فرحة ولا صدمة، يمكن الاتنين مع بعض مخبوطين في خلاط واحد.
لما وصلت البيت، اتصلت بأمها، الحاجة فاطمة، اللي عايشة في بلد صغيرة في الصعيد. كريم ساب البيت قالت منة. سكات طويل على الخط. سابه خالص؟ خالص. راح لنرمين… وطلعت حامل. سكات تاني أطول. وإنتِ؟ أخدت منة نفس عميق وملت صدرها هوا وأنا كمان حامل… وغالباً في تلاتة. من الناحية التانية مطلعش غير صوت واحد بس يا ساتر يا رب… ضحكت منة لأول مرة من أيام تقريباً ده نفس اللي قلته بالظبط لما عرفت. وهتعملي إيه يا بنتي؟ بصت للريحان اللي بدأ يدبل ويموت على الشباك، وقالت بهدوء شديد وثقة هولدهم… وأربيهم.
مرّت تلات شهور… وبطن منة بدأت تبان. حياتها اتشقلبت، بس الغريب إنها لأول مرة من سنين بقت تنام من غير ما تعيط. كانت كل زيارة للدكتورة بتأكد إن الحمل ماشي كويس، وإن التلاتة بيتابعوا نموهم كويس رغم إنه حمل متعب. أما كريم… فكان عايش حياته مع نرمين، ينزل صور أكل وخروجات، ويكتب تحتها الحمد لله على نعمة الاستقرار. ومنّة كانت كل مرة تشوف حاجة من دي… تقفل الموبايل، ولا تعلق، ولا حتى تدعي عليه.
وفي يوم، وهي قاعدة في الشركة، تليفونها رن برقم غريب. ردت أستاذة منة؟ أيوه. أنا المحامي أحمد رفعت… معايا توكيل من الأستاذ كريم. قلبها دق مرة واحدة. خير؟ الأستاذ كريم طالب يرفع قضية طلاق رسمي… وكمان عايز يثبت إن الحمل الحالي لا يخصه.
سكتت ثواني… وبعدين ضحكت ضحكة خلت المحامي نفسه يسكت. حضرتك لسه معايا؟ معاك. يعني… موافقة؟ قالت بمنتهى الهدوء بلغ الأستاذ كريم إني مستنياه في المحكمة.
يوم الجلسة… دخل كريم القاعة وهو واثق، ونرمين ماشية جنبه وإيديها على بطنها، وكل شوية تبص لمنة بابتسامة انتصار. أما منة… فكانت داخلة بفستان حمل بسيط، وماسكة ملف أزرق في إيدها. القاضي بص في الورق، وبدأت المرافعات. محامي كريم وقف وقال موكلي انفصل عنها قبل ثبوت الحمل، وعنده شك في النسب. القاضي بص لمنة عندك رد؟
منة فتحت الملف بهدوء، طلعت منه تاريخ آخر عملية حقن مجهري، وتققرير المركز، وتوقيع كريم بنفسه على كل الموافقات، وبعدين قالت كل خطوة في العلاج كانت بموافقته… وكل الإجراءات تمت وهو موجود… ودي المستندات.
ساد الصمت في القاعة. القاضي قلب الورق كله، وبعدين رفع عينه ناحية كريم المستندات دي عليها توقيعك؟ كريم بص للورق… واتغير لون وشه أ… أيوه.
بعد أسابيع، صدر الحكم بإثبات نسب الأطفال لأبوهم قانونًا، وتطلقت منة رسميًا مع إلزام كريم بكل حقوقها وحقوق أولاده. خرجت من المحكمة وهي حاسة إن حمل كبير اتشال من فوق قلبها… مش من فوق كتفها.
بعد أربع شهور… في ليلة مطر خفيفة… ولدت منة. الدكتور خرج مبتسم مبروك… تلاتة. ولدين… وبنت. أمها كانت بتبكي من الفرحة، وأول ما شالت أول طفل بينهم، همست وهي بتبوس راسه أبوكم سابكم قبل ما يشوفكم… بس عمره ما هيقدر يحرمكم من إنكم تتحبوا.
بعد سنة… كانت منة قاعدة في البلكونة، والتلاتة بيلعبوا قدامها على سجادة مليانة لعب صغيرة، وضحكاتهم كانت مالية البيت. وفجأة… الموبايل رن. الاسم اللي ظهر على الشاشة خلاها تبتسم بسخرية كريم.
ردت. صوته كان مكسور منة… ممكن أشوفهم؟ بصت للتلاتة… وافتكرت يوم ما رمى المفاتيح وقال لها إنتِ فاشلة… وملكيش أي لازمة. ابتسمت ابتسامة هادية وقالت الأطفال ليهم أب، وده حقهم… لكن الاحترام كمان حق ليا. لو عايز تكون موجود في حياتهم، يبقى وجودك يكون لمصلحتهم، وبالطريقة اللي يحفظلهم كرامتهم ويحفظ كرامتي.
وسابت له القرار… وقفلته. رجعت تبص لأولادها وهم بيضحكوا، وحست إن البيت اللي خرج منه يومًا وهو فاكر إنه ساب وراءه ست مكسورة… بقى النهارده مليان حياة، وأمل، وتلات قلوب صغيرة كانوا أحسن بداية جديدة في عمرها كله.
تمت.