الرز بايت ج 2 حكـايات مني السيد
ـ “ومش بس كده يا سعاد.. البيت ده بيتي، وإنتِ لو مش عاجبك العيشة دي، تقدرِ تطلعي برة بشنطة هدومك، من غير ما تاخدي ورقة واحدة ولا مليم واحد من اللي حطيتيه هنا. 430 ألف بتوع التجديدات؟ اعتبريهم إيجار قعدتك معانا التلاتين سنة اللي فاتوا! وأزيدك من الشعر بيت.. لو ما رجعتيش الفيز والكروت واعتذرتِ لأمي حالا، أنا ممكن أعمل لك محضر عدم تعرض وأطردك من البيت الليلة دي!”
كنت حاسة بالدم بيغلي في عروقي، بس عقلي كان صاحي جداً. كشف أوراقه كاملة.. كان فاكر إن القانون معاه عشان العقود باسمه، وإن تحويلات الفلوس تحت مسمى “حسابات عائلية” هتخليه يهرب بفعلته.
الحاجة فاطمة خرجت من أوضتها في اللحظة دي، بتتكسع على عصايتها، وبصت لي وقالت بكل قسوة:
ـ “اسمعي كلام جوزك يا سعاد.. بدال ما تترمي في الشارع على كبر. أحمد ابني أصلح منك وأفهم منك، والبيت ده بيته، والفلوس اللي دخلت هنا دخلت برضاط.”
وقفوا هم الأربعة قدامي في صالة البيت.. أحمد، أمه، أخته، وجوز أخته. أربعة جدار من الجشع والاستغلال، فاكرين إن ست كبرت في السن، قضت عمرها بتشتغل وتصرف، هتنهار وتعيط وتترجاهم عشان تسيب لها أوضة تنام فيها.
بصيت لهم واحد واحد.
مسحت كل مشاعر الضعف من وشي، وبصيت لأحمد في عينيه.
ـ “طرد؟ إنت فاكر إنك تقدر تطردني يا أحمد؟”
أحمد حط إيده في جيبه وقال بثقة مزيفة:
ـ “القانون في صف صاحب الملك يا سعاد.. والبيت ده ملكي. قدامك لحد بكرة الصبح.. يا ترجعي كل حاجة زي ما كانت وتعتذري لأمي، يا تمشي بشنطة هدومك وورقك، وما تحلميش بمليم واحد.”
أخدت نفس عميق.. وتبسمت.
ـ “تمام يا أحمد.. إنت اختارت الطريقة دي.”
رفعت الموبايل وفتحت الواتساب، وبعت رسالة صوتية للمحامي بتاعي، وقلت فيها بصوت عالي وواضح قدامهم كلهم:
ـ “أستاذ عصام.. ابدأ في إجراءات القضية فورًا. ارفع دعوى إثبات صورية العقود، وقدم كشوفات الحسابات البنكية الموثقة اللي بتثبت الاستيلاء والتزوير، واعمل طلب تحفظ تحفيظي على شقة التجمع الخامس وعلى البيت هنا بصفة عاجلة بناءً على أوراق الميراث القديمة والجمعيات.”
أحمد وشه اتغير شوية، بس حاول يبان متماسك:
ـ “أوراق إيه يا روح أمك؟ إنتِ معندكيش حاجة!”
ـ “أنا معنديش؟” ـ ابتسمت له بثقة خلت ركبه تترعش ـ “إنت نسيت إن أنا مهندسة أنظمة وشبكات يا أحمد؟ نسيت إن كل حركة سحب، كل تحويل، وكل رسالة بينك وبين بنك الاستثمار العقاري، مسجلة إلكترونيًا ومصحوبة بتوقيعك الرقمي وإشعارات البنك اللي طالعة من إيميلي أنا المربوط بالحساب؟ نسيت إن كشوفات الحساب بتاعت ‘حساب مستقبل فاطمة’ فيها توقيعك على السحوبات الكاش اللي كنت بتعملها بالفيزا بتاعتي من مكنة البنك اللي جنب البيت وفي أوقات كنت أنا فيها في الشركة بالدليل والشهود؟”
منى بصت لأحمد بقلة صبر:
ـ “أحمد.. هي بتقول إيه؟ يعني إيه توقيع رقمي وكشوفات؟”
أحمد ماردش.. وشه بدأ يعرق، والارتباك ظهر في عينيه بشكل ملحوظ.
كملت كلامي بمنتهى الهدوء:
ـ “ومش بس كده يا أحمد.. إنت فاكر إن الـ 430 ألف بتوع تجديد البيت راحت عليا؟ الفواتير كلها، وإيصالات الشركات اللي عملت التعديلات والدرابزين وأرضيات الحمام، كلها باسمي أنا وصادرة لشركتي، ومسجلة في الضرائب العقارية كمصاريف تحسين مدفوعة مني شخصيًا على عقار ورث. يعني أنا ليا حصة دائنية في البيت ده تثبت حقي وتخليني أقدر أحجز عليه قانونًا!”
مجدي جوز منى رجع خطوة لورا، وبص لأحمد باستغراب:
ـ “هو الكلام ده صحيح يا أحمد؟ الفواتير باسمها هي؟”
أحمد اتلخبط وبقى يزعق بصوت هيستيري:
ـ “إنتِ كدابة! كل دي ألاعيب عشان تخوفيني! اطلعي برة بيتي! اطلعي برة حالا!”
قرب مني ومسك دراعي بقوة عشان يزقني ناحية الباب، لكن قبل ما يعمل أي حاجة، صوت تليفونه يرن بصوت عالي جداً.
رنة متواصلة.. نغمة إشعار من البنك.
أحمد بص في شاشة الموبايل.. وشه اتقلب أبيض زي الفراخ المسلوقة.
فتح الرسالة وإيده بتترعش.
كانت رسالة إشعار رسمية من البنك المركزي ومن تطبيق البنك:
“تم إيقاف الحساب الفرعي وتجميد المعاملات المالية بناءً على بلاغ رسمي وجود شبهة استيلاء وتحويلات مشبوهة قيد التحقيق.”
أحمد بص للشاشة ومش مصدق، ورفع عينيه ليا وهو مش قادر يتنفس.
ـ “إنتِ.. إنتِ عملتي إيه؟”
ـ “أنا ما عملتش حاجة يا أحمد..” ـ قلتها وأنا باخد شنطتي وبتجه ناحية الباب بمنتهى الثبات ـ “أنا بس فتحت الملفات اللي إنت حاولت تدفنها. والبنك وقف كل المعاملات لحد ما النيابة والمحكمة تقول كلمتها.”
الحاجة فاطمة قعدت على الكرسي وهي بتصوت:
ـ “يا لهوي يا أحمد! الفلوس اتجمدت؟ يعني مش هنعرف نسحب حاجة؟”
منى بدأت تصرخ في أحمد:
ـ “إنت عملت إيه يا أحمد؟! إنت مش قلت إن كل حاجة متأمنة وإن سعاد مش هتقدر تعمل حاجة؟! العربية اللي قسطها ينزل الأسبوع الجاي هدفعها منين دلوقتي?!”
المكان اتحول لساحة حرب بينهم.. هم الأربعة بقوا ياكلوا في بعض. منى بتزعق لأحمد، وأحمد بيصرخ في مجدي، والحاجة فاطمة بتولول وتضرب على صدرها.
وقفت عند باب الشقة، ولفت ببتسامة باردة:
ـ “أنا ماشية دلوقتي يا أحمد.. هروح أقعد في فندق نضيف، وأرتاح بعد الشفت الطويل بتاعي. وأنتوا اتفضلوا اقعدوا مع بعض، وكلوا المكرونة بالبشاميل والفراخ المشوية.. بس المرة دي، ادفعوا تمنها من جيبكم.”
فتحت الباب وخرجت، وسبت الباب مفتوح ورايا على أصوات خناقهم اللي كانت جايبة آخر الشارع.
نزلت السلم بخطوات ثقيلة بس بثبات.. حسيت إن الهواء برة الشقة له طعم تاني.
بس وأنا ماشية في الشارع ورايحة أركب عربيتي، جالي إشعار تاني على التليفون.. رسالة غريبة من رقم غير معروف، فيها تهديد واضح وصريح، وصورة لأوراق متفبركة كانت هتغير مجرى القضية كلها وتكلّفني حريتي مش بس فلوسي.
أحمد مكنش بيلعب لعبة فلوس بس.. أحمد كان مجهز لي مصيبة أكبر بكتير مكنتش تتخيلها عقلية أي ست عاشت مع راجل تلاتين سنة.
يتبع…