نوايا مسمومة ج 1 حكـايات مني السيد حصري
الغريب إنهم كانوا مجهزين أكلي المفضل، وكل حاجة كانت مثالية بشكل مريب.
قعدنا على السفرة.
ندى ابتسمتلي وقالت:
—بقولك إيه يا فاطمة… هو البيت اللي ورثتيه عن أبوكي مساحته كام بالظبط؟
سكتُّ.
كملت وهي بتحاول تبان عادية:
—والعقد مكتوب باسمك لوحدك؟ ولا مامتك ليها فيه؟
بصيت لها باستغراب.
وقبل ما أرد، سألت سؤال تالت:
—وأصل العقد… بتحتفظي بيه فين؟
في اللحظة دي، حماتي بطلت أكل.
ورفعت عينيها عليّا مستنية إجابتي.
ساعتها فهمت.
المصالحة دي…
مالهاش أي علاقة باللي حصل في العزومة.
كانوا عايزين حاجة تانية خالص.
حاجة أنا لسه ما اكتشفتهاش.
ولأول مرة، بدأت أسأل نفسي:
هما عايزين عقد البيت ليه؟
وإيه اللي محمد مخبيه عني من أول يوم في جوازنا؟
واللي اكتشفته بعد كده كان أخطر بكتير مما كنت أتخيل…
الجزء الثاني
فضلت قاعدة على الكنبة، وعينيا بتتحرك بين ندى وحماتي. السكوت اللي ملى الصالة بعد سؤال ندى كان غريب، سكوت تقيل، من النوع اللي يخليك تسمع دقات قلبك. حماتي كانت ماسكة الشوكة في إيدها، بس عينيها كانت مركزة على بوقي، مستنية الكلمة اللي هتنزل مني عشان تلقطها.
حسيت بنغزة في قلبي، بس رتبت أفكاري بسرعة. السنين اللي عشتها في شبرا، وأمي اللي كانت بتعلمني إزاي أكون واعية ومفتحاش عيني على الغدر، خلوني ألقط اللعبة.
ابتسمت ببرود، وحطيت المنديل على رجلي وقلت:
— والله يا ندى، مساحته مش كبيرة ولا حاجة، بيت أبويا الله يرحمه على قدنا. وبعدين العقد وأوراقه دي حاجات تخص أمي وتخصني، يعني متشالة في مكان أمين وخلاص. المهم، إنتِ مكلتيش من صينية الرقاق ليه؟ دي شكلها عاجبك أوي.
وش ندى اتقلب للحظة، وحماتي اتنحنحت وقالت بصوت حاولت تخليه حنين بس كان طالع مخنوق:
— يا بنتي، ندى بتطمن عليكي وعلى مالك، ما إنتِ بقيتي بنتنا برضه. إحنا بس بنقول لو الأوراق دي محتاجة توثيق أو تسجيل في الشهر العقاري، محمد أخوها بيفهم في الحاجات دي وممكن يساعدك، بدل ما تتبهدلي في المحاكم والمصالح الحكومية.
— تسلمي يا طنط —قلتها وأنا بقوم من مكاني— محمد فيه الخير، بس الحمد لله ورق البيت سليم ومسجل من أيام والدي، مش محتاج تعب. أنا هقوم أغسل إيدي بقا.
دخلت الحمام، وقفت قدام المراية ونفست نفسي بالعافية. “هما عايزين إيه من بيت شبرا؟” البيت قديم، صحيح موقعه في شارع تجاري وحيوي، بس مش للدرجة اللي تخلي عيلة عايشة في مصر الجديدة وعندهم عربيات يبقوا ملهوفين على عقده كده! في إنّ في الموضوع، ومحمد هو راس السهم في اللعبة دي.
لما خرجت، لقيت محمد لسه واصل، دخل وشكله كان هربان منه النوم، عينه حمرا ووشه شاحب. أول ما شافني، حاول يبتسم وقال:
— فاطمة! كويّس إنك جيتي، نورتي بيتك يا حبيبتي. شوفتي بقا إن أمي وندى بيحبوكي؟
بصيت له من فوق لتحت، وقلت في سري: “يا خسارة يا محمد.” رديت عليه:
— بنورك يا محمد. أنا كنت ماشية خلاص عشان الوقت اتأخر وماما قاعدة لوحدها.
— تمشي فين؟ لا طبعًا، إنتِ هتباتي في بيتك، إحنا خلاص صفينا النفوس —قالها وهو بيقرب يمسك إيدي، بس أنا سحبتها بهدوء.
— لأ، أنا اتفقت مع طنط وندى إني هاجي أتعشى بس، ولسه حسابنا وصُلحنا أنا وإنت مخلصش. لما شروطي تتنفذ يا محمد، نبقى نتكلم.
حماتي وقفت بسرعة وقالت بنبرة حدة بدأت تظهر تاني:
— شروط إيه يا بنت الأصول؟ هو إحنا مش خلاص اتعشينا وبقينا كويسين؟ إيه لزمتها الشروط والورق اللي بتقولي عليه ده؟ إنتِ عايزة تخربي على نفسك من أولها؟
— الخراب مش بييجي من اللي بيطلب حقه يا طنط، الخراب بييجي من اللي عينه على حق مش بتاعه. عن إذنكم.
سيبتهم ومشيت، صوته وهو بينادي عليا في المدخل كان عالي، بس أنا مابصيتش ورايا. نزلت السلم وأنا بجري، ركبت أول تاكسي وقبل ما أتحرك، لقيت رسايل على موبايلي من محمد: “فاطمة ارجعي”، “فاطمة متضيعيش كل حاجة من إيدك”.
وصلت شبرا، طلعت السلم وفتحت الباب. أمي كانت قاعدة على السجادة بتصلي، استنيتها لما خلصت وسلمت. ارتميت في حضنها وأنا بعيط، مش من الكسرة، لأ، المرة دي من الحيرة والخوف من اللي جاي.
— مالك يا قلب أمك؟ حصل إيه تاني؟ هما زعلوكي؟
— لأ يا ماما، الموضوع مابقاش موضوع زعل وعزومة ولحمة. الموضوع فيه حوار كبير أنا مش فاهماه.
قعدت وحكيت لها كل اللي دار على السفرة، من أول أسئلة ندى لحد كلام حماتي عن الشهر العقاري. أمي سمعتني وهي حاطة إيدها على خدها، وملامح وشها بدأت تتغير، مابقتش ملامح الست الهادية الطيبة، ظهرت في عينيها نظرة قلق قديمة، نظرة أنا عارفاها كويس.
أمي سكتت شوية، وبعدين قامت وقفت، وراحت ناحية الدولاب بتاعها. طلعت مفتاح صغير كانت دايماً شايلاه في جيب جلابيتها الداخلي، وفتحت درج مقفول، وطلعت منه لفة قماش سميكة.
قعدت جنبي وفكت القماش، وطلعت منه عقد البيت الأصلي، ومعاه ورقة تانية قديمة ومصفرة.
— خدي يا فاطمة، اقري دي.
مسكت الورقة، كانت عبارة عن خطابات ومكاتبات رسمية قديمة من المجلس المحلي ومن شركة مقاولات كبيرة، وتاريخها من حوالي شهرين بس قبل جوازي من محمد! قريت السطور وعينيا بتوسع من الصدمة.
المنطقة اللي فيها بيتنا في شبرا، الشارع كله داخل في خطة تطوير وتنظيم جديدة، وهيتبني مكانه ممشى تجاري ومجمع أبراج ضخم. الدولة هتعوض أصحاب البيوت دي بمبالغ خيالية، أو بشقق ومحلات في الأبراج الجديدة دي.. والتعويض لبيتنا إحنا بالذات، عشان موقعه على الناصية الرئيسية، كان واصل لملايين!
رفعت عيني لأمي وأنا مش مصدقة:
— ماما.. الورق ده جه هنا إمتى؟ وإزاي أنا معرفش؟
— الورق ده يا بنتي جه من شهرين، وأبوكي الله يرحمه كان كاتب البيت باسمك وباسمي، بس النصيب الأكبر ليكي إنتِ كنوع من التأمين. أنا قولت مش هقولك دلوقتي عشان مفيش حاجة تبوظ جوازتك، ومحمد لما جه يتقدم، سألني عن البيت وعن الشارع، وأنا طيبة وعلى نيتي قولتله إن في كلام عن تطوير.. مكنتش أعرف إن عينه هتبق زايغة كده!
حسيت بطعنة في ضهري. محمد كان عارف! محمد مكانش بيتجوزني عشان بيحبني أو عشان شايفني “بنت أصول” زي ما كان بيقول. محمد خطبني واتجوزني بسرعة وربع عشان التعويض ده! عشان كده حماتي وندى كانوا بيموتوا ويمسكوا العقد في إيديهم، عشان يخلوني أمضي على تنازل أو بيع وشراء لمحمد من غير ما أحس، تحت مسمى “الصُلح” و”تأمين المستقبل”.
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع نار. افتكرت كل كلمة قالها لي، افتكرت لما كان بيقولي: “أنا شاريكي يا فاطمة ومش عايز من الدنيا غيرك”. طلع شاري الملايين اللي ورايا، مش شاريني أنا.
— هتعملي إيه يا بنتي؟ —أمي سألتني وهي بتمسح دموعي بإيدها الشقيانة.
— هربيهم يا ماما. اللي يفتكر بنت شبرا لقمة طرية ياكلها ويتمسخر بيها، يبقى لسه معرفش مين هي فاطمة. والكسرة اللي كسروهالي في وسط عيلتهم، هردها لهم في وسط الناس كلها.
تاني يوم الصبح، مكلمتش محمد ولا ردت على مكالماته الكتير. نزلت ورحت لمكتب محاماة كبير في وسط البلد، واحد من المعارف اللي كانوا بيخلصوا لوالدي أوراق الشغل زمان. قعدت مع المحامي، أستاذ رأفت، وحطيت قدامه ورق البيت والخطابات الرسمية.
أستاذ رأفت نظارته نزلت على طرف مناخيره وهو بيقرا، وبصلي وقال:
— يا فندم، الأرض دي تسوى ذهب دلوقتي. الشركة المطورة هتموت وتخلص مع أصحاب العقارات اللي على الناصية عشان يبدأوا حفر. لو جوزك أو أهله قدروا يخلّوكي تمضي على توكيل عام أو عقد بيع ابتدائي، حقك كله راح.
— وأنا مش هخليهم يلمسوا ورقة واحدة يا متر. أنا عايزة أعرف، إزاي أحميهم قانونياً بالملي، وفي نفس الوقت أخليهم يجوا ورايا وهم راكعين؟
المحامي ابتسم وقال:
— القانون في صفك، العقد مسجل ومفيش فيه ثغرة. بس عشان نلعب معاهم صح، إحنا هنعمل “فخ”. هتمشي معاهم في السكة، وتفهميهم إنك موافقة تديهم اللي عايزينه، بس بشرط.. والشرط ده هو اللي هيعلق مشنقتهم.
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة بإن قوتي رجعتلي تالت ومتلت. ركبت الميكروباص ورجعت البيت، وطول الطريق وأنا برسم الخطة في دماغي. محمد لازم يدفع تمن كل نظرة استهانة، وكل كلمة قالتها أمه في حقي وفي حق أمي، وكل علبة أكل ندى رمتها على السفرة عشان تحسسني إني قليلة.
أول ما وصلت شبرا، لقيت عربية محمد واقفة تحت البيت. كان قاعد جواه، وساند راسه على الدريكسيون وشكله تعبان. أول ما شافني نازلة، فتح الباب وجري عليا.
— فاطمة! كنتِ فين؟ بقالي ساعات مستنيكي هنا، وتليفونك مقفول! حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده!
بصيت له بملامح هادية جداً، ملامح خالية من أي غضب، وقولت بنبرة ناعمة:
— كنت بريح دماغي شوية يا محمد. المشي في الشوارع بيخليني أفكر أحسن.
— وفكرتي في إيه؟ —سألني بلهفة، وعينيه لمعت بالطمع اللي بقيت شايفاه بوضوح دلوقتي.
— فكرت إن كلام مامتك صح. إحنا ملناش غير بعض، ومينفعش نخرب بيتنا من أول أسبوع عشان خناقة في المطبخ أو كلمتين اتقالوا في وقت عصبية.
محمد اتنفس الصعداء، وابتسامته رجعت لوشه:
— أيوا كده يا فاطمة! دي فاطمة العاقلة اللي أنا عرفتها وحبيتها. يلا لمي حاجتك عشان نرجع شقتنا.
— لأ، مش دلوقتي يا محمد. أنا هرجع معاك، بس بعد ما نصفي كل حاجة عشان ندخل على نظافة. إنت قولت إنك زعلان ومامتك ندمانة، صح؟
— طبعاً! أمي هتموت وتصالحك، وندى كمان.
— خلاص، أنا موافقة. بس أنا قولتلك إني محتاجة أكون متأمنة. البيت بتاعي وبتاع أمي في شبرا، أنا قررت أعمل فيه حاجة تضمن مستقبلي ومستقبلك. أنا هعمل عقد شراكة بيني وبينك في البيت ده، عشان نبقى بنبني مستقبلنا سوا، ومحدش يقول إننا غُرب عن بعض.
محمد عينيه كانت هتطلع من مكانها من الفرحة، حاول يداري لهفته وقال:
— بجد يا فاطمة؟ إنتِ هتعملي كده؟ طب والورق؟ والعقد الأصلي فين؟
— العقد معايا وفي حفظ وصون —قولتها وأنا ببتسم وبطبطب على كتفه— بس عشان نعمل العقد ده صح، أنا عازماكم كلكم عندي هنا في بيت شبرا يوم الجمعة الجاية. مامتك، وندى، وإنت طبعاً. هنعمل قعدة أصول، ونجيب المحامي يكتب عقد الشراكة باللي يرضي الطرفين، وأهو بالمرة مامتك تشوف البيت وتعرف إن بنت شبرا جاية من خير وعز برضه، مش من قلة.
— ماشي يا حبيبتي، اللي تشوفيه! أنا هكلم أمي دلوقتي وأقولها، هيفرحوا أوي!
سيبته وطلعت السلم، وكل خطوة كنت بخطيها كانت بتأكد لي إن النهاية بتاعتهم قربت. هما فاكرين إنهم جايين ياخدوا ورقة تخليهم ملايين، ومش عارفين إنهم جايين يوقعوا على صك نهايتهم وخروجهم من حياتي للابد.
يوم الخميس، نزلت السوق مع أمي. اشترينا أحسن خضار وأحسن لحمة. قضينا اليوم كله نطبخ ونجهز، بس المرة دي وأنا بضحك وبغني مع أمي. مكنتش تعبانة، لأن الأكل ده مكانش عشان أثبت لحد إني “شاطرة”، الأكل ده كان “العشا الأخير” لعيلة محمد في حياتي.
يوم الجمعة جه، والساعة دقت خمسة بعد الظهر. الباب خبط، فتحت ولقيت محمد واقف، ووراه حماتي لابسة ومشيّكة على الآخر، وندى جاية وراهم بتبص لمدخل البيت القديم بقرف ومش عاجبها العجب.
— أهلاً وسهلاً، اتفضلوا، البيت نور —قولتها وأنا ببتسم بكل ترحيب.
حماتي دخلت، وبدأت تبص على الصالة المتواضعة، والكنب القطيفة القديم، وقالت بصوت واطي:
— هو ده البيت بقا يا فاطمة؟ ما شاء الله.. صحيح قديم بس يعني.. يمشي حاله.
— اتفضلي يا طنط ارتاحي —أمي خرجت من المطبخ ورحبت بيهم بمنتهى الذوق والأصل الشبراوي اللي يملى العين. قعدوا، ومحمد كان عمال يبصلي ويغمزلي بمعنى “فين الورق؟”.
قعدنا على السفرة، وحطيت الأكل. صواني بطاطس باللحمة ريحتها تقلب الشارع، ورق عنب مرصوص بالملي، محشي، ورز بالشعرية. الأكل اللي حماتي قال ت عليه “تقيل وبتاع مطاعم شعبية” كان محطوط قدامهم دلوقتي وهم هيموتوا من الجوع بعد مشوار المواصلات.
— كلو يا جماعة، سموا الله —أمي قالتها بحنية.
ندى بدأت تاكل وبان على وشها إن الأكل عاجبها جداً بس مكابرة، وحماتي كلت وقالت:
— تسلم إيدك يا أم فاطمة، الأكل كويس.. بس يلا بقا يا فاطمة، فين الأستاذ المحامي اللي قولتي عليه؟ الوقت بيسرقنا وإحنا عايزين نخلص الأمور الرسمية دي عشان نرجع مصر الجديدة قبل الزحمة.
وقفت من على السفرة، ودخلت الأوضة. جبت لفة القماش، وخرجت ومعايا المحامي، أستاذ رأفت، اللي كان مستني في الأوضة التانية من غير ما يحسوا.
أول ما شافوا المحامي، محمد وقف وظبط قميصه، وحماتي عينيها لمعت.
قعد أستاذ رأفت على رأس السفرة، وطلع الأوراق، وبدأ يفتح لفة القماش ويطلع عقد البيت الأصلي.
ندى قربت برقبتها عشان تشوف، وحماتي قالت:
— اكتب يا متر، اكتب إن العقد ده هيبقى مناصفة بين فاطمة ومحمد جوزها، وله حق التصرف والبيع والشراء في النص بتاعه.
أستاذ رأفت بص لحماتي وبص لمحمد، وبعدين طلع ورقة تانية خالص من شنطته، وحطها قدام محمد وقال بنبرة صوت حاسمة وقوية:
— الكلام ده مظبوط يا مدام، بس قبل ما نكتب عقد الشراكة، في ورقة تانية لازم الأستاذ محمد يوقع عليها الأول، كإجراء قانوني روتيني عشان الشراكة دي تبقى قانونية بنسبة مية في المية.
محمد مسك القلم بلهفة وقال:
— ورقة إيه دي يا متر؟ أنا جاهز أمضي على طول عشان نخلص.
أستاذ رأفت سحب النظارة وبص لمحمد وقال بكل برود:
— دي ورقة إقرار وتعهد من سيادتك، بإنك استلمت من المدام فاطمة مبلغ ومقدره خمسة مليون جنيه، كقيمة شراكة في الأرباح المتوقعة من مشروع الأبراج والتطوير اللي هيحصل في أرض البيت ده، وإنك في حالة إخلالك بالشراكة أو حدوث طلاق، ملتزم برد المبلغ ده فوراً، أو السجن بتهمة خيانة الأمانة والنصب.
اللقمة وقفت في زور حماتي، وشها ازرق وفضلت تكح. ندى برقت عينيها وقامت وقفت، ومحمد القلم وقع من إيده، وبصلي ووشه جايب ألوان الطيف كلها.
— خمسة مليون جنيه إيه؟ وأبراج إيه؟ وتطوير إيه يا متر؟! إنت بتقول إيه؟! —محمد زعق وصوته اتهز.
وقفت أنا بكل ثقة، ساندت إيدي على السفرة، وبصيت في عين محمد مباشرة وقولتله:
— بقولك اللي إنت كنت عارفه من شهرين وجاي تتجوزني علشانه يا محمد. فاكرني مغفلة؟ فاكر بنت شبرا مش هتعرف إنك بايع نفسك وأهلك بايعين أصولهم عشان تعويض الأبراج الجديدة؟
حماتي وقفت وهي بترتعش، بس المرة دي من الرعب والفضائح:
— إنتِ.. إنتِ بتقولي إيه يا بت إنتِ؟ إحنا ناس بتوع أصول ومصر الجديدة! إحنا مش بتوع ملايين وتعويضات!
— لاء يا طنط، إنتوا بتوع ملايين، بس الملايين دي بعيدة عن شنبكم —بصيت لمحمد ورميت الورقة في وشه— إنت قدامك حل من التنين يا محمد. يا تمضي على الورقة دي وتثبت فعلاً إنك شريكي في الحلوة والمرة والبيت والفلوس، وساعتها التعويض يدخل جيبنا سوا.. يا إما تمضي على ورقة تانية خالص أنا مجهزاها في الشنطة دي.
طلعت ورقة تانية وحطيتها قدامه بقوة:
— ورقة طلاقي منك.. طلاق للضرر وبدون مؤخر ولا نفقة، لأني مش هتشرف أكون على ذمة راجل اتجوزني عشان طمعان في ورث أبويا، ووقف يتفرج على أمه وهي بتهين أمي اللي شقيت عليا!
الصالة اتملت بسكوت قاتل، ومحمد كان بيبص للورقتين، وعرق الخوف نازل على وشه.. وأنا واقفة مستنية أشوف هيختار إيه، والنهاية اللي رسمتها ليهم بدأت تتنفذ بالملي.