حكايات اسما السيد3

وقفت تحت العمارة في شوارع الرياض، والحرارة كانت بتلفح وشي، بس البرودة اللي في قلبي كانت أشبه بثلج مبيذوبش. الموبايل كان في إيدي، وعيني مش مفارقة الشاشة.. مستني العلامة اللي تشير إن الرسالة اتأرت أو إن السهمين التحولوا للأزرق.

مرت عشر دقائق كأنهم عشر سنين. فجأة، شاشة الموبايل نورت، وظهرت كلمة “جاري الكتابة…”. قلبي اتخلع من مكانه وبقيت مش قادر أتنفس.

وصلت الرسالة، وكانت قصيرة وجافة زي الصحراء اللي أنا واقف فيها:

*”اطلع الدور الثالث.. الشقة اللي على اليمين. عبد الله مستنيك.”*

عبد الله! اسمه نزل عليا زي الماء البارد، بس كان محمل بخجل مش قادر أوصفه. الرجل اللي آوى مراتي السابقة لما أنا رميتها، والرجل اللي شايل ابني وبينفق عليه من غير ما ينتظر مني شكر ولا كلمة.

طلعت السلم درجات بطيئة، خطواتي كانت أثقل من الجبال. كل خطوة كانت بتفكرني بيوم طلاقنا، بيوم ما استخسرت فيها نفسي، وبكل كلمة قاسية خرجت من لساني.

وصلت قدام الباب، وقفت ثواني بجمع أنفاسي، وبعدين خبطت خبطات خافتة.

الباب اتفتح.. وقفت قدام راجل في أواخر التلاتينات، ملامحه هادية، عيونه فيها وقار وصرامة في نفس الوقت. بص لي من فوق لتحت بنظرة خالية من الكره، بس مليانة شفقة وتكبر مشروع.

قال بصوت هادي ورزين: “اتفضل يا أحمد.. ادخل.”

دخلت الصالة.. البيت كان هادي، ريحته بخور عود، وفي أركانه دفء وأمان ما حسيتهمش في بيتي ولا يوم. قعدت على طرف الكنبة وأنا حاطط وشي في الأرض، مش قادر أرفع عيني في عين عبد الله.

عبد الله قعد قصادي، وسكت لحظات، وبعدين قال بنبرة واثقة:

“أنا عارف أنت جاي ليه يا أحمد.. وعارف التخبيط اللي في دماغك والندم اللي حاسس بيه. مريم حكت لي كل حاجة، من أول يوم اتجوزتكم فيه لحد الرسالة اللي بعثتها تحت العمارة.”

رفعت رأسي بالعافية وقلت بصوت مبحوح: “عبد الله.. أنا مش جاي أعمل مشاكل.. أنا عرفت كل حاجة.. عرفت السر اللي هي كانت مخبياه، وعرفت إنها كانت ساترة بيتي وأهلي، وعرفت إن ابني بيتربى في بيتك.. أنا جاي أقولها إنها طلعت أعظم بكتير من إني أستحقها، وجاي أشوف ابني.. من حقي أشوفه يا عبد الله!”

عبد الله ابتسم ابتسامة مريرة وهز رأسه:

“حقك؟ أنت لسه بتتكلم عن الحقوق يا أحمد؟ لما أنت رميتها وهي حامل، وسيبتها تصارع كلام الناس والظروف، ما افتكرتش الحقوق ليه؟ لما كنت بتاخد من فلوسها اللي بايعة بيها ورثها عشان تستر أباك ومحلك، ما افتكرتش الحقوق ليه؟”

سكت، والدموع نزلت من عيني غصب عني.. الكلمات كانت حقيقية وتدبح.

كمل عبد الله بصوت أشد صرامة:

“مريم مش خايفة منك، ولا خايفة من القضايا.. هي سجلت الولد باسمك عشان ربنا والشرع، مش عشانك انت. هي رفضت تخلط الأنساب لأنها ست بتتقي الله. وأنا اعتبرت الولد ده ابني، بصرف عليه وبراعيه كأنه من صلبي، ومش منتظر منك ولا مليم ولا كلمة.. بس لو أنت فاكر إنك بتسافر وتيجي وقت ما تحب عشان تهز استقرار البيت ده، تبقى غلطان.”

في اللحظة دي.. اتفتح باب الأوضة اللي جوه.

خرجت مريم.. كانت لابسة عباية سوداء وشال هادي. الملامح هي هي، بس كان فيها قوة وشموخ عمرهم ما كانوا موجودين زمان. زمان كنت بشوف الهدوء ده ضعف وجهل، بس النهاردة شفت فيه عزة نفس تكسر أي راجل.

وفي إيدها.. كان ماسك طفل صغير، عنده حوالي سنة وشهرين.. شعره أسود، وعيونه واسعة.. أول ما بصيت للطفل، قلبي اتنفض في صدري. الشبه بيني وبينه كان يرعب! شبهي وشبه أبوي الله يرحمه!

مريم وقفت بعيد، ما قربتش مني، وبصت لي بنظرة صافية جداً.. مفيهاش غضب، مفيهاش انتقام.. كان فيها شيء أصعب بكثير: كان فيها نسيان تام.

قالت بصوت هادي ومستقر:

“أهلاً يا أحمد.. كفارة للندم اللي أنت عايش فيه.”

قمت وقفت على حيلِي، ورجلي كانت بتترعش. قربت خطوة واحدة ووقفت:

“مريم.. أنا.. أنا مش عارف أقول إيه.. الجواب.. والسر بتاع أبويا والمحل.. والفلوس.. أنتِ ليه عملتِ كل ده؟ وليه سكتِ كل السنين دي؟”

ردت بوقار ينحي له العقل:

“عملت ده لأني لما بدخل بيت، بدخله بأصلي مش بأصل اللي قدامي. ولما سكت، سكت عشان ما أكسرش راجل كان في يوم من الأيام جوزي وسندي قدام نفسه. أنا ما خبيتش السر ده عشان أذلّك بيه النهاردة.. أنا خبيته عشان أعلمك إن الجهل والقرف اللي كنت بتتهميني بيهم، كانوا في نظرتك أنت للأمور.. مش فيا أنا.”

بصيت للطفل اللي في إيدها، والدموع كانت مغمية عيني: “وده.. ده إياد؟”

مريم بصت للولد بحب وربتت على كتفه: “أيوه.. ده إياد أحمد… شايل اسمك، وهيفضل شايل اسمك.. أنا عمرِي ما حرمته من نسبه، ولا قللت منك قدامه.. بس هو ميعرفش عن الأبوة غير الراجل اللي واقف جنبك ده.. عبد الله هو اللي شاله وهو سخن، هو اللي سهر جنبه، وهو اللي جاب له العيدية والألعاب.. أنت لك الاسم في الورق، وعبد الله له الروح والتربية.”

الكلمات كانت بتنزل عليا زي الجلدات. مسكت رأسي بإيدي وقعدت على الأرض، وبكيت بكاء هستيري.. بكاء الراجل اللي اكتشف إنه ضيع جنة كان عايش فيها عشان كان مخدوع بقشرة برانية.

عبد الله قرب مني، وحط إيده على كتفي برفق، وقال:

“قم يا أحمد.. أنت شفت ابنك، وعرفت إن أمه بخير ومكرمة.. وعرفت إن سرك في بئر وما حدش هيعرفه من أهلك ولا من مراتك الجديدة إلا لو أنت حبيت تطلعه بنفسك.. مريم مسامحاك في حقها، وأنا مسامحك في مجيتك لحد هنا.. بس لازم ترجع.”

رفعت رأسي لمريم وقلت بصوت متقطع: “أرجوكِ يا مريم.. خلينِي أكون في حياته.. خلينِي أصرف عليه، خلينِي أشوفه كل فترة.. ما تحرمينيش منه.”

مريم بصت لعبد الله، وبعدين بصت لي وقالت جملة واحدة قبل ما تلف وترجع لأوضتها:

“الولد مش هينحرم منك يا أحمد.. بس بشرط واحد.. شرط لو وافقت عليه، هتقدر تشوفه كل سنة مرة.. ولو رفضته، هتبقى دي أخر دقيقة تشوف فيها وشنا.”

وقفت وأنا مستني الشرط بلهفة: “شرط إيه؟ أنا موافق على أي حاجة!”

عبد الله بص لي بعيون ثاقبة وقال:

“الشرط هو إنك ترجع مصر.. وتعمل حاجة واحدة بس أنت هارب منها من سنين.. حاجة هتحدد إذا كنت فعلاً اتغيرت وعرفت غلطك، ولا أنت مجرد واحد بيجري ورا مشاعره المؤقتة..”

بصيت لـ عبد الله وأنا على آخري، وريقي ناشف: “شرط إيه يا عبد الله؟ قول وما ترحمنيش.. أي حاجة تطلبها هعملها!”

عبد الله قرب مني، وبص في عيني بصرامة هزت كياني:

“الشرط إنك ترجع مصر، وتنهي المهزلة اللي أنت عايش فيها. تروح لمراتك الحالية، وتعدل معاها أو تفارقها بالمعروف.. ما تظلمهاش زي ما ظلمت مريم. مش تروح ترميها عشان اكتشفت إنها مادية، لأنك أنت اللي اخترتها عشان شكلها وبس! تحمل نتيجة اختياراتك، وأصلح بيتك ونفسك الأول. والشرط التاني.. تتكفل بمصاريف إياد الشرعية كاملة، تبعتها كل شهر للمحامي سامح، مش عشان إحنا محتاجين فلوسك، ولكن عشان تتوجع كل شهر وأنت بتدفع حق ابنك اللي محروم من أحضانك، وتفتكر ذنبك.. ولو عملت كده، هخليك تشوفه أسبوع كل سنة لما ننزل مصر في الإجازة.”

الكلمات كانت تقيلة زي الجبل، بس كانت هي طوق النجاة الوحيد لي.

بصيت للباب اللي دخلت منه مريم، وقلت بصوت مخنوق مليان دموع وندم: “موافق.. موافق على كل كلمة.”

مسكت إيد إياد الصغير اللي كان باصص لي ببراءة ومش فاهم حاجة.. بوست إيده الصغيرة ودموعي نازلة عليها، وأنا حاسس بقمة العجز. خرجت من الشقة ونزلت السلم وأنا حاسس إن أحمد القديم مات على العتبة دي، وإن اللي نازل ده راجل جديد مكسور، بس بيبدأ يتنفس الحقيقة لأول مرة.

سافرت ورجعت مصر.. وفي أول يوم وصلت فيه، قابلت مراتي الحالية. قعدت معاها وواجهتها بكل حاجة بكل هدوء. قلت لها إن أنا السبب في كل اللي وصلنا له، وإني ما عرفتش أكون زوج ولا سند، وتناقشنا بعقل بعيداً عن الصراخ والماديات. فاتفقنا على الانفصال بالمعروف، وأخدت كل حقوقها كاملة من غير قضايا ولا محاكم.. لأنها ما كانتش الجانية، أنا اللي كنت الجاني من الأول لما اتجوزتها بنية سطحية.

عدت الأيام، وبعت قطعة أرض تانية عشان أصلح الوضع المالي لمحل أبويا الله يرحمه، ورجعت اشتغلت بيه بذمة وضمير. وبقيت أول يوم في كل شهر، أروح لسامح المحامي وأسلم بنفسي المبلغ المخصص لإياد.. وفي كل مرة كنت بحط فيها الفلوس في الظرف، كنت بفتكر الظرف القديم والرسالة اللي غيرت حياتي.

مرت سنة كاملة.. سنة كانت أطول من العمر كله، اشتغلت فيها على نفسي، وبقيت إنسان تاني، قريب من ربنا، هادي، وشايل مسؤوليته.

وفي يوم.. رن موبايلي، وكان الرقم من سامح المحامي.

رديت بسرعة وشهقة الأمل في صدري: “أيوة يا سامح!”

قال لي سامح بنبرة دافية: “أحمد.. عبد الله ومريم وإياد نزلوا مصر إجازة أسبوعين.. وعبد الله بيكلمك وبيقولك تعالَ خد ابنك فسحه النهاردة.”

قفلت السكة وأنا بكي زي الأطفال من الفرحة.. جريت على الدولاب، طلعت أحسن طقم عندي، ونزلت اشتريت العاب وهدايا تكفي بلد.

وصلت المكان اللي اتفقنا عليه.. وشفت إياد جاري عليا وبيضحك، ورغم إنه بيعيط لعبد الله ويقوله “بابا”، إلا أنه لما بص لي، ضميته لصري بكل قوة وحسيت إن قلبي اللي اتكسر زمان، بدأ يتجمع حتة حتة.

بصيت لـ مريم وعبد الله من بعيد.. كانوا واقفين جنب بعض في منتهى التفاهم والسلام. ابتسمت لهم من قلبي وادعيت لهم بالتوفيق.. لأن مريم كانت تستاهل الراجل اللي يعرف قيمتها، وأنا كنت أستاهل الدرس اللي علمني أكون راجل بجد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *