جوزي بعتلي رساله من الغردقه 1

“جوزي بعتلي رسالة من الغردقة: ‘أنا سافرت مع صاحبتك الانتيم ومش راجعين!’ ماردتش عليه غير بـكلمتين بس: ‘بالتوفيق يا حبيبي!’ وبعدها وقفلت كل كروت البنك وغيرت كالون الشقة.. وفي الصبح بدري، اتفاجأت بـاتنين ظباط شرطة واقفين قدام الباب!”

نبضي حسيته أهدى من العادة وأنا بشوف إشعارات السحب اللي نازلة على تليفوني من الغردقة. آلاف الجنيهات بتتسحب من حسابي الشخصي عشان جوزي يعيش ليلة فل مع أقرب واحدة كنت بأتمنها على سري وبيتي! ما اتخضتش ولا صرخت؛ لما بلغت سن الخمسين اتعلمت إن الهدوء الصارم ده هو اللي بياخد الحق بـالحرف. مسكت التليفون وطلبت خدمة العملاء في البنك: “أنا عايزة ألغي وأوقف أي كارت إضافي متصل بـحسابي فوراً!” الموظفة سألت بـاستغراب: “في مشكلة يا فندم؟” قلت لها بـكل ثبات: “الناس اللي معاه الكروت دي اتسحب منهم الإذن بـاستخدام ملليم واحد من فلوسي!” وفي دقايق، كل كارت في جيوبهم بقى مجرد حتة بلاستيك ملهاش أي قيمة!

وقف الفلوس كان مجرد بداية، كنت عايزة أضمن إنهم لما يرجعوا مش هيعرفوا يحطوا رجلهم جوة الشقة دي تاني! طلبت نجار وسوايسية في نص الليل، وبعد ساعتين من صوت الدق والمسامير، الكوالين القديمة كلها اترميت، وبقت المفاتيح الجديدة في إيدي. نمت ليلتها مرتاحة كأني ما نمتش من سنين! بس الهدوء ده مكملش؛ الساعة ٧ الصبح، الباب اتهز بـدب ورزع جامد أوي! كنت فاكرة إن جوزي اكتشف إن كروته اتوقفت ورجع يرجع ويتخانق، بس لما بصيت من العين السحرية، اتصدمت! مكنش جوزي ولا صاحبتي الخاينة.. دول كانوا اتنين ظباط شرطة واقفين بـكل حزم ومستنيين أفتح!

أمي بعتتلي تسجيل صوتي بتصرخ فيه وتقول: “إحنا هنخسر ٦٠٠ ألف جنيه بسبب الجنان والتفاهة بتاعتك دي!” بعت التسجيل للمحامي بتاعي فوراً. وفي خلال أسبوع، العيلة كلها كانت راجعة وهي بتغلي من الفضيحة والديون اللي نزلت على دماغهم، وجوا يرزعوا على الباب ويطلبوا مني أصلح الكارثة اللي عملتها! هما كانوا فاكرين إن المشكلة فلوس، ومكانوش فاهمين إني خلاص قفلت كتاب حمايتهم للأبد!

الظباط مكنوش جايين عشان بلاغ سرقة ولا خناقة عادية، والورقة اللي كانت في إيد الضابط هي السر المرعب اللي هيخلي جوزي وصاحبتي يرجعوا من السفر بـالكلابشات في إيديهم قدام المنطقة كلها!

تفتكروا البوليس كان واقف قدام الباب ليه؟ وإزاي الرسالة دي هتقلب حياتهم جحيم؟

فتحت الباب ببطء وأنا محافظة على ثبات ملامحي. الضابط بصلي بنظرة حادة وهو بيتأكد من الاسم: “حضرتك الأستاذة..؟” هزيت رأسي بهدوء وقلتله: “أيوة أنا يا فندم، خير؟” رفع الورقة الرسمية اللي في إيده وقالي بنبرة صارمة: “معانا أمر بإحضار حضرتك وبضبط المشهود فيهم بناءً على البلاغ المقدم منك ومن هيئة الرقابة المالية بالتعاون مع الأموال العامة!”

في اللحظة دي بس، فهمت إن الضربة اللي ضربتها مكنتش مجرد توقيف كروت بنك، دي كانت الفتيل اللي ولّع في المغارة كلها!

السر اللي جوزي وصاحبتي ما يعرفوهوش، إن الفلوس اللي كانوا بيسحبوها بغباء في الغردقة مكنتش مجرد تحويشة عمري في البنك؛ دي كانت مبالغ مخصصة لصفقة استيراد وتجهيز ورق رسمية باسم الشركة اللي جوزي كاتبها باسمي شكلياً عشان يهرب من الضرائب والالتزامات المالية. فلما أوقفت الكروت وسحبت التفويض المالي فوراً، الشيكات اللي كان ماضيها للشركة الأجنبية وميعاد سدادها صباح النهاردة ارتدت بدون رصيد قائم للتفويض! ولأن الشراكة دي فيها تمويل وأوراق رسمية مسجلة ومراقب عليها، البنك أبلغ تلقائياً عن وجود تلاعب واستيلاء على أموال مؤسسة مسجلة بدون إذن المالك القانوني—اللي هو أنا!

الضابط طلبت منه يدخل، وطلعتله كل المستندات والأوراق الرسمية، وأثبت بالتواريخ وسجل المكالمات وإشعارات البنك إن السحوبات دي تمت بدون علمي وفي محافظة تانية، وإن الشريكة الخفية اللي معاه هي نفسها المسؤولة عن تسليم المستندات المالية المفتعلة. الضابط هز رأسه وهو بيمضي على محضر المعاينة والتحفظ على المستندات: “كده الموقف اتغير تماماً يا فندم، البلاغ اتحول لـ قضايا خيانة أمانة واستيلاء وتزوير أوراق رسمية.. وهما حالياً مطلوبين في قسم الغردقة قبل ما يفكروا يتحركوا شبر واحد!”

خرجوا الظباط، وسابوني وسط ذهول العمارة والمنطقة كلها اللي كانت بتتفرج من الشبابيك. مالحقتش أتنفس، إلا وتليفوني اتزلزل من كثرة الاتصالات. أمي، أخوه الكبير، وعمته.. الكل بيتصل في نفس الوقت. لما رديت على أخوه، كان بيصرخ وصوته رايح من الغضب: “إنتي أجننتي؟ إنتي عارفة إن البلاغ ده لو كمل هيدخلهم السجن مش أقل من سبع سنين؟ إنتي عايزة تفضحينا وتخربي البيت؟!”

رديت عليه بنبرة أبرد من الثلج: “البيت اتخرب يوم ما جه على حقي وافتكرني كبرت ومش هعرف أرد. الفلوس اللي كان بيبعزقها دي فلوسي، والاسم اللي كان بيهرب بيه هو اسمي.. لو عايز تنقذه، روح ادفع الـ ٦٠٠ ألف جنيه بتوع الشيكات المرتدة قبل ما يترحلوا في سيارة الترحيلات!”

قفلت في وشه، وقعدت على الكنبة وأنا بشرب قهوتي بتركيز تام. كانت الساعة جابت الضهر لما وصلني إشعار جديد على التليفون، بس المرة دي مكنش من البنك.. ده كان رسالة صوتية متسجلة من صاحبتي الخاينة، صوتها كان مليان بكاء وهستيريا ورعب، وبتستغيث بيّا بعد ما لقوا المباحث واقفة لهم على باب الأوتيل في الغردقة، وجوزي واقف جنبها مش قادر يرفع عينه في الضباط والكلابشات بتتقفل على إيديهم قدام كل النزلاء!

سريعة وموجعة كانت اللحظة دي، بس أنا كنت عارفة إن اللعبة لسة مخلصتش؛ العيلة كلها كانت كابسة على المنطقة وفي طريقها للشقة، متخيلين إنهم بضغطهم وبصوتهم العالي هيجبروني أتنازل في النيابة قبل ما الشموس تغيب!

سمعت صوت رزع الأقدام وصياح العيلة وهو بيعلى في مدخل العمارة. بواب العمارة حاول يمنعهم، بس هجومهم كان زي الغارات; أم جوزي، وأخوه الكبير، وأخت جوزي اللي كانت جاية وهي بتصوت وتلطم في الصالة برة كأن جنازة ماشية في الشارع. هبدوا على الباب بجلابيبهم وصوتهم اللي كان جايب آخر الشارع: “افتحي يا مفترية! افتحي بدل ما نكسر الباب على دماغك!”

قمت من مكاني بمنتهى الهدوء، أخدت نفس عميق، وفتحت الباب نص فتحة، وأنا حاطة إيدي على الكالون الجديد.

أخوه زق الباب بغشم، بس وقفته بجمود وقلتله بصوت حاد هز السلم كله: “خطوة واحدة جوة الشقة دي وهتكون المحضر الثاني باسمك أنت شخصياً بتهمة التهجم واقتحام ملك ملكيتي الخاصة! الباب ده اتغير كالوُنه، والشقة دي مكتوبة باسمي بعقد مسجل من خمس سنين، ياللا وروني شطارتكم!”

حماتي اتراجعت خطوة ودموع التمساح على خدها، وقالت وهي بتمسك في دراعي: “يا بنتي حرام عليكي! ده ابن بطني وده جوزك وسندك! ترميه في التخشيبة عشان شكة دبوس؟ عشان كارت بنك اتسحب منه كلمتين؟ صاحبتك دي ضحكت عليه وغررت بيه، هو ملوش ذنب!”

ضحكت بصوت عالٍ سمع الشارع كله وقلت لها: “طفل عنده خمس سنين هو عشان يتغرر بيه؟ ابنك نازل مع صاحبتي الغردقة بفلوسي، وبيمضي شيكات باسمي عشان يكسرني! ابنك كان شايفني كبرت وبقيت كارت محروق ملوش قيمة، وكان فاكر إن السكوت ضعف!”

في اللحظة دي، تليفون أخوه رن. كان الرقم من قسم شرطة الغردقة. أخوه فتح السبيكر وهو إيده اترعشت، وصوت جوزي خرج من التليفون مخنوق، مكسور، وبينهج من العياط: “يا إبراهيم الحقني! أنا مقبوض عليا في القسم ومكلبشين إيدي! شيرين صاحبتها عمالة تصرخ ومستنية المحامي، والنيابة حاطة اسمنا على ذمة قض*ية استيلاء وتزوير! خالي خليها تتنازل يا إبراهيم! قولها تاخد كل حاجة بس تطلعني من هنا، المكان هنا مرعب وأنا مش حمل سجن!”

مسكت التليفون من إيد أخوه وقلت بوضوح في المايك عشان جوزي يسمع كل كلمة: “سمعاك يا حبيبي.. مش أنت بعتلي تقولي ‘أنا سافرت ومش راجع’؟ أهو ربنا استجاب لدعوتك ومش راجع فعلاً، بس بدل ما ترجع على بيتك، هترجع في لمان الترحيلات متكلبش في إيد صاحبتك الأنتيم عشان تبقوا مع بعض على الحلوة والمرة!”

جوزي صرخ في التليفون: “والله مظلوم! هي اللي خططت لكل حاجة! هي اللي قالتلي نطلع الفلوس ونربحهم في صفقة سريعة باسمك عشان نأمن مستقبلنا! والله هي اللي مشيتني وراها!”

صوت صاحبتي الخاينة جه من بعيد وهي بتصرخ وتدعي عليه في القسم: “أنت كذاب يا خائن! أنت اللي قلتلي مراتي كبرت ومش فاهمة حاجة وهنضحك عليها!”

قفلت الخط في وشهم، وبصيت للعيلة اللي كانت واقفة مصدومة ومذهولة من كمية القذارة اللي اتكشفت بين الاتنين. أخوه بصلي بنظرة رجاء أخيرة وقال: “عايزة كام عشان تروحي النيابة بكرة وتقدمي إقرار تنازل؟ الـ ٦٠٠ ألف جنيه بتوع الشيكات إحنا هنلمهم ونبيع أرض البلد ونكتتبهم، بس بلاش الفضيحة دي، إحنا لينا نسابين وناس في المنطقة!”

ابتسمت ابتسامة باردة وقلتله: “الـ ٦٠٠ ألف دول ده أصل الدين اللي هو سرقه، لكن ثمن حرقي وكسرة نفسي وفضيحتي قدام الناس ملهاش ثمن بفلوس. التنازل مش هيحصل إلا بشرط واحد بس، والشرط ده هتعرفوه بكرة الصبح لما المحامي بتاعي يوصل النيابة!”

قفلت الباب في وشهم وسبتهم بيضربوا أخماس في أرباع على السلم، ودخلت جوة الصالة وأنا بفتح الأجندة الخاصة بيّا، وبجهز المستند الأخير اللي هيخليهم يركعوا كلهم تحت رجلي قبل ما يفكروا حتى يلمسوا التنازل!

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *